}

رسالة من الشام

ناتالي حنظل 22 يناير 2017
ترجمات رسالة من الشام
لوحة للفنان السوري فاتح المدرس

 

لا مدينة وراء النافذة. لا دار عبادة. لا نجوم تتخلل حكاياتنا. لا مرج نضيراً. تلوحُ لا نهائيةً تلك الأوابد التي لم نخترْها. الناجون ندوبُنا. علينا أن نؤمن بأن الله هو ذلك الصدى الواهن في الدخيلة، الصمت الذي يحلّل الأبدية ويعلّقها على باب المنيّةِ الصغير. يصحّ ذلك، متى تأمّلنا كلَّ وقفة على سكة حديد فلسطين. من نوافذَ أخرى الآن، لا يزال بوسعنا رؤية الطريق إلى بغداد، من حمص إلى طرابلس، من بعلبك إلى بيروت، من صور إلى عكا، من حيفا إلى يافا، من القدس إلى غزة قبل بلوغ الإسكندرية. والآن من أماكن نائيةٍ نقرأ البطاقات البريدية التي تقول، راحتاي منذورتان لغيابي وحسب. ندّعي عدم التصديق. هناك، من حيث جئنا، لا تكدّر الحقيقةُ الحصانَ حين هجوعنا. نطبق راحاتنا كي ننسى ما نعرفه دون أن نستطيع البوح به.

 

 سبلُ التمرد

 

مَن ذا يحتاج لأن ينعم بالسلام في العالم؟ ثمة ما يشدّ الأزرَ في أن تكون وسط الحروب، أن تموت مراتٍ عدّةً في اليوم لكي تُلِمَّ بسماء أبيك، وأنت تفككها كِسرةً كسرة دون أن تشعر بشيء، دون أن تشعر بالشجرة الطالعة تحت قدميك، الأعين التي تبدد الليلَ لمجرّد أن تجدَ ليلاً آخرَ تقارنه بسابقه. أياً كان مَن سمع عن إحالةِ الألمِ طيوراً طنّانةً أو حمراء – أفَلمْ ننضج بعدُ؟ ماذا يعني أن تكبر في السنّ؟ قد يحظى بيت لا أبواب له بفرصة الصمود أمام العاصفة. قد لا أجدُ الطريقة الأمثل لأنْ أتمرد عليه أو ألعنه، لكنني لا أستطيع المغادرة. أريد ذلك، لكنك تنمو في داخلي. وأنا أرقبكَ، قبل أن أدرك الأمرَ، أشعر بثقلي، أكثر امتلاء بك من أن أستطيع الحراك. قد يكون ذلك ما ألمحوا إليه حين نصحوك بأن لا تهيمَ في عشق بلدٍ ما.

 وطن

 

ليس هذا هو المساء. هذا ليس تحفةً أو عبارة. هذا ليس القمرَ في ترتيله أو الزرقة الشائنة. ليس هذا مطراً أو أكاذيبَ تتداعى. ليس هذا حقيبةَ سفر أو يومَ فرار. ليس هذا جازاً عربياً أو مدينة أضواء. ليس هذا ذاكرةً تمسح ماضياً. ليس هذا فماً مُطبَقاً أو عصياناً. ليس هذا مديحاً يختصرُ جسداً يوشك على اقتراف صرخة، صرخة توشك على تحديد ماهية حياة، حياة توشك على تقليص الشواشِ كي تتماهى في الحمى المقيمةِ داخل ذاكرتها. ليس هناك مِن عزاء، بل محض ثاراتٍ هائجة تضطرمُ في أعمدتنا الفقارية وما صبونا إليه ليس لنا أن نلقاه.

 

 إعلان الاستقلال

 

*هل تعرفُ امرءاً ما

يعشق شيئاً أكثر من بلاده؟

-بالتأكيد –

*هذه ليست أوبرا.

-أنت على حقّ –

إنها أقرب ما تكون إلى جمهرة أو ابتهال.

*ألن تجيبَ على سؤالي.

-قد أجبتُ.

*فلأُعِدِ السؤال –

الحب ليس كذبة، لكن البلاد كذلك، صحيح؟

 

 نحْتُ الزمن سبعَ مرّات

وُلدتُ على درب في السماء

وُلدتُ من ماء وآبار

وُلدتُ ذات صباح صيفيّ

وعيناي تفيضان ببحر

وقلبي يحفل بالشبابيك العتيقة

وُلدتُ تحت القناطر في ذلك الزمن المتنوّع

أتحدّرُ من أولئك الذين يجولون بين الأعمدة

ليرددوا التراتيل

أولئك الذين دوّنوا السُّوَرَ في أحلامهم

دانيةً ونائية

أنا من أسماك وأرغفة

من البحر الميت وهالةِ الملائكة

لا يهمّ أين وُلدتُ

أين سكنتُ، أين ذهبتُ، أو ماذا اشتغلتُ

ما يهمّ أن الزمنَ
نحتني سبع مرّاتٍ

في سرمديةِ المدينة العتيقة

وأنقذني

من أولئك الذين حاولوا

أن يُعيدوا صَوْغَنا.

 

 أورفيوسية Orphic

 

في طفولتي آمنتُ

بأن الله كان في الريحِ

التي حملتنا إلى مكان آخر

حيث الرحيلُ كان العودةَ،

دفنتُ الشمسَ

في صحن سجائر أبي

لكي أراه في العيون

وسطَ برلين وستوكهولم،

حيث البردُ

بلدٌ آخر

يتشهّى مشهداً آخر

ثم ها هو الماضي يعود:

أَطْبِقِ البابَ

فلن تبرحنا الوحشةُ

أَطبِقِ النافذة

فلن يفرَّ الضوء

أطبق الصندوق الخشبي

فلن تتلاشى الذكريات

أطبقْ عينيك

فالبيت لن يختفي

أطبق الأشياء القريبة

وستبقى كلّها

كما موستار والقدس

كما تراتيلنا الرومانية

والأيقونات البيزنطية والصلوات الإسلامية.

مضت سنونٌ-

بحثتُ عن الموت في باليرمو

فوجدتُ رحمَ أمي

بحثتُ عن الحياة في تسالونيكي

فوجدتُ أغنيةً عن الموت

بحثتُ عن صورتي في فينيسيا

فوجدتُ كلَّ صوري

قد عبرتْ تريستي مع قلبي

وعبرت نابولي دون تردُّد منّي

تذكرتُ مرسيليا

من كاتدرائية نوتردام دي لاغارد

أحصيتُ كلَّ أحلامي في عكا

وجدتُ اسمي في الكولوسيوم

أصغيتُ إلى تساقط الليمون

لساعاتٍ في روما

انتظرتُ أن يقول لي حبيبي

بأن البحر لن يفرّقنا

والتقيت بموسيقيّ

وُلد في بلدة صغيرة

ذكّرني

بأن الموسيقى أبداً تُعيدُنا

إلى المدنِ التي جُبِلنا منها.

 

أمواج

 

أنّى تطلّعتُ رأيتُها

في داخلَه

وأيقنتُ

أن ليس هناك من أرضٍ جديدة

إنما الأرض ذاتها تنفتح من جديد

في قيامة أجسادنا الميتة.

 

 البرتقالات

إلى سامي، يافا

أحاطت بي من كلّ حدب وصوب

لكنها كانت تصبح أكثر ثقلاً

حتى إنني لم أعد قادرة

على حملها –

مَن ذا يستطيع العيش وثقلٌ

كهذا يلفُّ القلب

مَن ذا يستطيع أن يشيل لهباً تقوّسَ

على طرفيّ الليل

حيث كِسراتُ قمرٍ

لا تني تحاول أن يصرّح بعضُها

بشيء ما للأخريات

لكنها لا تُفلح أبداً

مَن يستطيع أن يبصر شيئاً

حين الضوءُ قدِ انزاحَ

واقتيدَتِ البرتقالاتُ

إلى مكان بعيد عن موطنها

 

 موسيقا ناشزة

 

ربما عندما تكون مستعداً للموسيقا

تتعطّل كلّ أداةٍ في المكان

ربما عندما تكون مستعداً للحرية

يكفّ قلبك عن الخفقان

ربما عندما تزرع الجنون

تحصد ما كنت تتقصّد رؤيته

ربما لو تُرِيني

كم الرغبةُ تلتمسُ

عزف لحن على سُلَّمِ "مِي الصغير"

فإن نهر الأجنحة البطيء سوف

يكشف عن نفسه.

لكن كان على الأمور أن تجري هكذا:

كمان معطوب

القلب، يكتنفه الشواش

مجادلة مع يسوع ومحمّد

-للمنفى طبائعه.

والآنَ أنفاسك لحنٌ مسطَّح

يترهّلُ في صحوةِ فمك.

 

 مَنبِتٌ

 

-لماذا تترجمني؟

-أريد أن أفهم كلَّ مُفردةٍ في جسدك.

-تعني كلَّ تكوين؟

-أعني كلَّ نبْرة.

-أتعني حيث لا يمرُّ الزمن؟

-حيث الماضي هو ما سيأتي.

-ذلك حين نتوصّل إلى مراقبة الوردة في طورِ تحوُّلِها إلى بحر.

 

 

بيت العرب، هافانا القديمة

La Casa de los Arabes, Old Havana

 

بعد الصلاة

بعد أن آلتِ السماء ورديةَ الاحمرار،

وتلمّستْ باحةُ الدارِ "أيامَ زمان"،

قال لي كريم:

قبل أن أسكتنا صياحُنا

قبل أن فرّقتنا قلوبُنا

قبل أن وسّعَ خوفُنا أحداقَنا

وجرَّحَ ضِياعَنا،

في هذه الخربة

وقفنا سالِـمَين

وبلُغَتِنا أحبَّ أحدُنا الآخر.

 

ابن البلد

 

الذي تركني في مهبّ الريح

الذي تركني وسط الرماد

الذي تركني على الحدود

الذي تركني إلى جوار جسدي

الذي تركني في صوتي

في أروقةِ همسي

الذي تركني هناك،

حين لم أحتَجْ إلى أكثرَ

من البقاء في أفقٍ

يُفضي إلى سهل شاسعٍ

بعيدٍ عن حيثُ تُرِكتُ.

 

 

مقالات اخرى للكاتب

ترجمات
22 يناير 2017

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.