}

مظلة مفقودة: قصائد لسامونتا باروندسون

عبد الله كرمون 16 نوفمبر 2016

تُعد سامونتا باروندسون من بين الأصوات الشعرية الشابة والحيوية في المشهد الأدبي الفرنسي الراهن. وُلدت سنة 1976، وعرفت مساراً حياتياً غنياً. بدءاً بولادتها في إسبانيا، وبعيشها زمناً في الأرجنتين والمكسيك، قبل أن تستقر أخيراً في فرنسا. وكان أبوها إيطالياً، بينما تنحدر أمها من الأرجنتين. وباتت تحيا موزعة بين هذه الهويات المتعددة كلها، فتارة تفعمها ببهجة ثرائها، وتارة أخرى تحبطها بأسباب التيه الوجودي، غير أنها استطاعت أن تستفيد من تعددها اللغوي، فنجدها تكتب بلغاتها كلها، بل تترجم من الواحدة إلى الأخرى. ما مكنها من الانتصار على التمزق بالانفتاح على عوالم الشعر والمسرح. فقد أصدرت عدة دواوين حتى الآن، وتداوم على النشر في المجلات الشعرية المحلية، كما تشارك في المهرجانات واللقاءات بانتظام، كما أنها نشرت كتاباً شعرياً مخصصا للحديث عن أبيها الذي مات وهي مازالت صغيرة، كنوع من الحداد، والبحث المضني عن حصتها من الأبوة المفقودة. يتعلق الأمر ببوح لا يخلو من ومضات مدهشة. أما القصائد القصيرة التي نترجمها هنا، والخالية طبعاً من علامات الترقيم، تضمر أكثر مما تفشي، وفيها من البساطة قدر ما فيها من الإيحاءات الفلسفية الجميلة. إن قصائد "الذكرى" التي تحمل إحالات إلى مختلف مراحل سنها تؤرخ بشكل شعري للنظرة التي تختزنها للأشياء والناس والوجود.

فبالإضافة إلى الحضور اللافت لسامونتا براندسون في المشهد الشعري الفرنسي الحالي، فهي تعِد بإشراقات مستقبلية، فقد صرحتْ بأنها كانت تأمل أن تصير راقصة تانغو، وقد يتحول حلمها هذا إلى وعودِ بهاءٍ شعري مشروع.      

 

ذكرى 4

 

قَبَّلَتْنِي

وامْتَطَتِ العربةَ

حَامِلَةً حَقَائِبَهَا

رُفْقَةَ شَخْصٍ طَوِيلٍ

صَرَخْتُ

اسْتَشَطْتُ غَضَباً

بَكَيْتُ

انتفَضْتُ

بين ذِرَاعَيْ

جَدَّتِي

التي طَوَّقَنْيِ

نَأَتِ

العَرَبَةُ

عبر الطريق

الرمادية

قلتُ في نفسي

انتهى الأمرُ

ها قد فقدتُ أُمِّي.

 

 

ذكرى 11

 

لم أَعُدْ صغيرة

والمنزلُ شاسعٌ

أستطيعُ أن أَصْعَدَ إلى السطح

وأَنْظُرُ إلى الناس

من الأعلى 

مُنْكَمِشَةً

بين درجات السلم

أَرْمُقُ

أمي

تطهو الطعام

وهي جميلة

 فَتِيَّةٌ

ولا تُدْرِكُ

بأنني أُبْصِرُهَا عن كَثَبٍ.

 

ذكرى 18

 

لَمَحْتُهُ

في مَشْهَدٍ

لبركان "البوبوكتيبتيل"

وفي أفلامَ

أمريكية

وعلى بطاقات بريدية

كنتُ ذَاهِبَةً

إلى المدرسة

حينما

انْثَالَ من السماء

أبيضَ

بارداً

وحقيقيا

سَاقِطاً

في فَمِي

الفاغرِ لحظةَ قهقهة

إنه ثَلْجِي البَدْئِي

النُّدَفُ التي أَكَلْتُ

 لأول مرة

وابْتَلَعْتُهَا

 لا تُنسَى.

 

ذكرى 24

في الحَمَّامِ

أُقَارِنُ

نَهْدَيَّ

بِنَهْدَيْ صُوفْيَا

نَحْنُ نُقَارِنُ

كُلُّنَا

نهودَنَا

بِنَهْدَيْ صوفيا

تَمْلِكُ صُوفْيَا

نهْدَيْنِ

عَجِيبَيْنِ

مُسْتَدِيرَيْنِ

أَبْيَضَيْنِ

لَدِنَيْنِ

فَنَنْعَثُ

صوفيا

بالفَاجِرَة.

 

 

ذكرى 28

 

أَرْقُصُ

في الملهى

أرقصُ

أيام الجمعة

وأيام السبت

أرقصُ

أُزَيِّفُ

تاريخَ مِيلادِي

أَتَزَيَّنُ

أَرْتَدِي

تنوراتٍ قصيرة

أرقصُ

وأُبْصِرُ

أشياءً

لا تُنَاسِبُ

سِنِّي

فأتَفَادَاهَا.

 

 

 تَحَدَّثْنَا

 

 تَحَدَّثْنَا

 عن مُطْرِبٍ

ماتَ لأنه فَتَّتَ

عُمْرَهُ

في الكحول

وفي الحرمان من الحب

وفي الشِّعْرِ

تَحَدَّثْنَا

عن السينما

عن أفلام الأسود والأبيض

عن الممثلات اللائي تسْتَثِيُر

شَبَقاً

قُفَّازَاتِهن

وأشفارُهن الطويلة

تَحَدَّثْنَا

عن أبياتَ شعريةٍ مَنْسِيَّةٍ

تخرقُ السماءَ

وتتركُنَا

رَهْنَ

دُوَارٍ

مذبُوحِينَ بين الكلمات

تَحَدَّثْنَا

عن نزهة

تحت أشجار الدلب

في باريس

لا وجود لها

بحثاً عن مظلة

مفقودة في أزمنة أخرى

وَلم تَأْتِ 

ففي عتمة القاعة

على وقع أزيز الضوء الكاشف

ليسَ سوى أَنَا

وأربعة أشخاص

كئيبين.

 

في فِنَاء البيت


مستلقيةٌ في الغرفة البيضاء

وصوتُ تانغو قديم في فِناء البيت

والشمسُ

والنورُ الذي يَأْسَرُ الغُبَارَ

والزمنُ

الذي ضَاع

فاتَ الأوانُ

لكيْ أَعُود

 

فَتَّشْتُ عن جَسَدِكَ

 

فتشتُ عن جسدكَ

في الحواري الأرجنتينية

على وَقْعِ خُطَى

رَاقِصِ تانغو

في ثَنِيَتَيْ ظَهْرِ

ملاحٍ عَابِرٍ

في فِرَاشِ

أَزْوَاجَ بريئين

وكنتَ يا للغرابة

أَسْفَلَ بُرْجِ إنذار هائل

تَنْتَظِرُ مُتَرَيِّثاً

أن آتِي كي أُقَبِّلَكَ.




(بوتريه الشاعرة للرسام  الإسباني مارتي ثيبايوس)

 

 

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.