}

ناجي العلي في ذكرى اغتياله: أيقونةُ الفقراء والثائرين

مليحة مسلماني 4 أغسطس 2019
يتمركز ناجي العلي اليوم في صدارة المشهد الثقافي ــ الوطني الفلسطيني، وفي الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي، كأيقونة حاضرة راسخة، تختزل دلالات تشير إلى مستويات مركبة من الهوية تتدرّج من المحليّ الوطنيّ إلى الإنسانيّ الكونيّ. ذلك يفسّر استمرار حضور ناجي العلي ورسوماته في وسائل الإعلام، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، واستمرار استلهام شخصيته، والشخصية التي أبدعها (حنظلة)، في أعمال الفنانين المعاصرين.
يتكثّف هذا الحضور لناجي العلي في ذكرى اغتياله في كل عام، والذي تمّ في الثاني والعشرين من تموز/ يوليو عام 1987 في لندن، مكث العلي بعده في غيبوبة حتى استشهد في 29 آب/أغسطس من نفس العام. ويأتي هذا المقال في ذكرى اغتياله الثانية والثلاثين، لتسليط الضوء على أعماله ومضامينها، وعلى مصادر قوتها التي جعلت منها حيّة وقادرة على إحداث التأثير حتى اليوم.

خطاب بصريّ
يتجاوز الحدود
يعتبر الفنان الشهيد ناجي العلي أحد أهم روّاد الحركة التشكيلية الفلسطينية، وتعدّ رسوماته الكاريكاتيرية إرثاً ثقافياً للشعب الفلسطيني. وعلى الرغم من أن العلي قد استلهم مواضيع أعماله بشكل أساسي من القضية الفلسطينية ومن واقع حياة الفلسطينيين في المخيمات، إلا إن خطابه

البصريّ يتجاوز حدود الجنسيات والجغرافيا، ليخاطب ليس فقط وجدان الشعوب العربية التي لا زال يعاني أغلبها من واقع سياسي واقتصادي قاسٍ ومتردٍّ، بل هو يخاطب أيضاً وجدان الإنسان أينما وجد، بانحياز رسوماته الواضح إلى الفئات المُهَمّشة والمقهورة والفقيرة في مختلف المجتمعات.
إن قدرة رسوم العلي على تحقيق العالمية ومخاطبة الضمير الإنساني تؤكد على عدالة الأساس الراسخ الذي ارتكزت إليه تلك الرسوم، وهو القضية الفلسطينية بأبعادها وانعكاساتها على الإنسان الفلسطيني. فقد آمن العلي كمثقف وفنان بأن القضية الفلسطينية ليست فلسطينية وعربية فحسب، بل هي عالمية ــ إنسانية أيضاً. وبذلك استلهم الفنان مختلف مواضيعه من الواقع المحلي الضيق ــ المخيّم الفقير الذي شكّل وعيه السياسي والثقافي، ليصيغ خطاباً كاريكاتيرياً عالمياً يخاطب الفكر والوجدان الإنساني عامة.

النكبة كروح
لرسوم العلي
تظهر النكبة، وما نتج عنها من تهجير للشعب الفلسطيني من أرضه وإقامته في مخيمات الشتات، كموضوع مركزي في رسوم ناجي العلي. وفي المواضيع الأخرى التي تناولها الفنان، والتي ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالقضية الفلسطينية، تظهر النكبة كخلفيّة للحدث وكروح للرسم الكاريكاتيري. إن المخيم، بكل الصور التي يحتشد بها حول الفقر والألم والمعاناة، هو المكان الذي يصنع فيه ناجي العلي الحدث في رسومه، واللاجئون الفلسطينيون، من الأطفال والنساء والرجال، هم شخوص هذا الحدث، وقد استطاع الفنان بالطريقة التي صوّرها بهم أن يعكس الواقع الحقيقي لحياة اللاجئين في المخيمات.


حنظلة: الشاهد اللامحايد
يعتبر حنظلة، أحد أبرز شخصيات رسوم ناجي العلي، من أهم الرموز الدالّة على الهوية الوطنية الفلسطينية، فهو رمز مُعرِّف بها وبالقضية الفلسطينية على صعيد عالمي. وكان الفنان قد تنبّأ باستمرار هذه الشخصية من بعده. يظهر حنظلة في الرسم الكاريكاتيري كشاهد على المأساة الفلسطينية، يشهد على الحدث أو يتفاعل معه أو يحاول تغييره، يقاوم ويشارك في

الحوار أو يسخر أو يصمت، ويتألم ويواسي فاطمة، والتي هي أيضاً من الشخصيات الرئيسة في رسوم العلي.
يرافق حنظلة الشهداء والمقاومين والمعتقلين، وهو يتخذ موقفاً واضحاً لا سبيل فيه للمراوغة أو الوسطيّة، فهو يظهر بصورة إيجابية محرّضة على الفعل والتغيير. يطلّ حنظلة، حافي القدمين، مرقّع الثياب، تخرج من رأسه المدوّر بضع شعيرات مستقيمة بصورة تشبه انبعاث الأشعة من الشمس؛ فهو الطفل القادم من المخيم، حيث الفقر والمعاناة التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون، وهو المنتمي إلى طبقة الفقراء والمُهمّشين. وحنظلة رغم أنه طفل، إلا إنه يبدو ذا وعي كبير، لأنه صاحب قضية كبرى أدركها في سنّ مبكرة.

رسوم العلي
كقاموس رمزيّ
من أهم مميزات رسوم ناجي العلي البساطة والوضوح والابتعاد عن التعقيد، وقدرتها على إدخال المُتلقّي في المشهد الكاريكاتيري، واعتمادها على عنصر المبالغة في تصوير شخصيات الكاريكاتير، بالإضافة إلى غزارة الرموز في رسوماته والمستلهمة من التراث الفلسطيني العربي والديني، الإسلامي والمسيحي. فمن التراث الفلسطيني أدخل العلي في أعماله رموزاً مثل: الثوب الفلسطيني الذي تظهر به فاطمة، إحدى أهم شخصيات رسومه، والتي تظهر بصورة قريبة من السيدة العذراء وكاستعارة للهوية، والكوفيّة الفلسطينية والبندقية، كرمزين يدلّان على المقاومة الفلسطينية، والمفتاح، كرمز دالّ على حق العودة.
أدرج العلي في أعماله كذلك مقولات من التراث الكلامي الشعبي، كالأمثال والحكايات والأساطير الشعبية. كما نهل الفنان من التراث الديني بإدراجه أحاديث دينية في بعض أعماله، بالإضافة إلى الصليب وشخصية المسيح التي تظهر كشخصية رئيسة في العديد من رسوماته.

التحوير في
الشكل واللغة
من السّمات الأخرى لرسوم ناجي العلي استخدام التحوير في الأشكال؛ فهو يقوم بإدخال

تحويرات متعددة على الشكل الواحد، بحيث يبقى الشكل محتفظاً بدلالاته الأصلية مع اكتسابه دلالات جديدة نابعة من الشكل الجديد الناتج من عملية التحوير؛ فالعلم الأميركي يتحول إلى بحر أو إلى حجاب امرأة، أو إلى خطوط تخلّفها الأظافر على الوجه، أو إلى سجّادة يصلّي عليها المتخاذلون. والصليب يتحول مرة إلى خنجر ومرة إلى مصيدة أو إلى متاهة أو شارة إلى الطريق، والصخرة تصبح كأساً، والهرم شجرةَ أرز، والأسلاك الشائكة التي تطوق الأراضي المحتلة تنبت زهراً، أو تتحول إلى شريان ينزف(1).
يقوم العلي بإدخال تحويرات على اللغة أيضاً، إذ كثيراً ما استخدم النصوص في رسوماته، فيوظف التشابه في نطق بعض الكلمات لإبراز التناقض الحاصل على أرض الواقع وليعطي دلالات متعددة للرسم الواحد. ويوظف العلي ازدواج المعنى للكلمة الواحدة، أو يقوم باستبدال الحروف في الشعارات، على سبيل المثال يتحول شعار "ثورة حتى النصر" إلى "ثروة حتى النصر" لدى الشخصية الانتهازية، كما يقوم بتقطيع الكلمات ليصبح "لبنان الأخضر" "لبنان الأخ.. ضر"، في دلالة على الطائفية.

التماهي بين
الرسم والمتلقّي
من السّمات الأخرى التي تُعد من أهم مصادر قوة رسوم العلي، وجعلتها قريبة من وجدان المواطن العربي، هي كونها أحدثت نقلة في الشخصيات التي يتناولها الكاريكاتير، فأبطال رسومه لم يكونوا من الشخصيات العامة مثل المسؤولين والوزراء والملوك، بل هم من الشعب، الطفل والرجل والمرأة في مخيمات اللجوء، وهم المقاومون والشهداء والمعتقلون والفقراء: "هكذا أصبح القارئ لا يطالع في رسومه المواقف الرسمية من الأحداث والردود عليها وكشفها، بل يطالع ما يقوله رجل الشارع عبر الحياة السياسية، أصبح القارئ بمعنى آخر يطالع في رسوم ناجي، وجهة نظره هو. درجة التماهي بين القارئ وشخصيات ناجي لافتة. أعانه على إقامة تلك الصلة العميقة كون ناجي نفسه لم يأت إلى الصحافة من الوسط الثقافي أو السياسي، بل من قعر المخيم"(2). وبذلك حققت رسوم ناجي العلي درجة كبيرة من التماهي بين أبطال رسومه والمواطن العربي، وهو ما يمنح هذه الرسوم قوتها وحضورها عبر الأجيال، بالإضافة إلى قدرتها على التنبّؤ واستشراف المستقبل.


الهوامش:

(1) مليحة مسلماني، حق العودة في كاريكاتير ناجي العلي (بيت لحم: المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين. بديل، 2008) ص 19؛ يُنظر أيضاً: كمال بُلّاطة، استحضار المكان: دراسة في الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر (تونس: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 2000)، ص 119. وللمزيد حول رسومات ناجي العلي يُنظر: عبده الأسدي وخلود تدمري، دارسة في إبداع ناجي العلي، (بيروت: دار الكنوز الأدبية، 1994).
(2) يوسف عبدلكي، "الضمير والضحية: 15 عاماً على رحيل ناجي العلي"، تاريخ الكويت، 13 تشرين الأول/ أكتوبر 2013:

http://www.kuwait-history.net/vb/showthread.php?p=69027

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.