}

إكرام أنطاكي.. دمشقية نقلت إلى المكسيك "روح قرطبة"

ميسون شقير ميسون شقير 26 نوفمبر 2019
أمضت حياتها في "الطريق إلى إيثاكا"، لم يكن يعنيها الوصول، كان يعنيها الطريق، بكل وعورته وصخوره، بكل الأشجار التي على جوانبه، وبزهرة حمراء لم تعبرها إكرام دون أن تقطفها الزهرة، تقطفها كاملة لتدخل إكرام فيها، إلى آخرها، وهناك في آخر الزهرة، تلاحق عطر المعرفة كنحلة شغوفة، وتترك لنا عسلاً فريداً، مرا، لاذعاً، شديد الحلاوة، وشديد الديمومة.
إنها إكرام أنطاكي، تلك الفتاة المجازفة، التي غامرت كثيراً، وكتبت كثيراً. دخلت في روح النصِّ، ودخلت في روح المكان، ودخلت في روح الزمان. هاربة من كل ما يمكن أن يقيد أجنحة الفراشة فيها، مستجيرة دائماً بالبحث، كاتجاه واحد للنجاة، متجهة دائماً نحو الأعمق، ثائرة على كل شيء، وثائرة على ثوراتها نفسها.
إكرام الروائية والباحثة والفيلسوفة، حاملة شهادتي دكتوراة، هي نفسها إكرام الأنثى المتمردة الصادقة مع نفسها لدرجة التشظي التي أبقتها معلقة بين نافذتين، كخط ضوء يعبر من شمس لأختها.
إكرام أنطاكي الكاتبة والباحثة السورية التي لم تأخذ حقها من الضوء في بلادها، فلا يعرف كثير من المثقفين العرب عنها شيئاً، التي شكلت في بلاد الغربة ظاهرة كاملة، وأصبحت أهم الأسماء لدى كل مثقفي المكسيك، لتكون هناك ولَّادة بنت المستكفي جديدة. لكنها ولَّادة التي ولدت وتعلمت وتخرجت في جامعة دمشق، المدينة التي بقيت تُعرِّش على جدران روحها، ثم تبعت أجنحتها لأبعد نقطة في الأرض، وتحولت هناك إلى باحثة وكاتبة بلغة لم تكن تعرفها يوماً، وشكلت صورة مختلفة للمرأة القادمة من الشرق، ومحرّكاً ثقافياً وفكرياً جاداً لا يتوقف عن الإنتاج، استطاعت، كما تقول عنها بيتاريثا روبيث الباحثة المكسيكية: "أن تحتل مكانة هامة في الوجدان الثقافي والاجتماعي في المكسيك، وعلى أرفع المستويات".
ولدت إكرام أنطاكي في دمشق في 9 حزيران/ يونيو عام 1948، لجد كان "بطريركاً لمنطقة أنطاكيا وسائر المشرق"، ولكن الأهم هو أنها ولدت لأب وأمّ يساري الهوى شغوفين بالكتب الروسية.
كبرت إكرام في دمشق بين الكتب الكثيرة والمتنوعة، التي كان كل الكلام الذي فيها يناديها إليه منذ اللحظة الأولى: "تعالي إكرام نحن عالمك".
استطاعت إكرام، بسبب وضع أسرتها المادي الجيد، أن تدرس في مدرسة دار السلام العريقة
في دمشق، وبقيت تقول في ما بعد إنها لا فضل لها على ثقافتها، إذ أنها وعت لتجد نفسها في بيئة قادرة على وضعها في مدرسة خاصة، وعلى تعليمها اللغة الفرنسية مع العربية، وهذا ما جعلها قادرة على قراءة المنتج المعرفي الفرنسي بلغته الأصلية، وخاصة الأعمال الفلسفية الفرنسية.
تقول إكرام في مقابلتها مع نبيل الملحم، بعد عوتها للمرة الأخيرة إلى دمشق، التي كانت قد تركتها لمدة عشرين عاماً: "أنظر. ما قُدِّمَ لهذه البنت لم يكن شيئاً سيئاً على الإطلاق. حيث أُعطيتُ مدارسَ وجامعاتٍ وإمكانية التفكير. وهي أمور كبيرة لم أقدِّرها حينئذٍ حقَّ قدرها - حتى اكتشفتُ ما يعنيه الظلمُ الاجتماعي الحقيقي. لأن الظلم الاجتماعي الحقيقي ليس فقط أن لا يكون عندك المأكل والمشرب، إنما أن لا تكون لديك إمكانية الاتصال بالكتب وبالفكر".
سكنت إكرام روح متمردة وعرة جعلتها تلتهم كل منتج ثقافي يقع تحت بصرها، وجعلتها تحمل الأفكار الماركسية، وتنتسب للحزب الشيوعي السوري، وتبدأ من خلال انتسابها بفتح جبهاتها الخاصة على حكم الديكتاتوريات السياسية والاجتماعية والدينية. بعد فترة قصيرة من بداية دراستها للأدب الفرنسي في جامعة دمشق، تحولت إكرام إلى ناشطة جريئة في حقوق الانسان تدافع بشكل مستميت عن أفكارها، وتقاتل كل أشكال التقليدية والانهزام، لذا فقد أضحت محاربة من قبل رجال الدين، مثلما أضحت محاربة من قبل أعين مخابرات حزب البعث الحاكم في السلطة. وهذا ما ضيق الأفق على إكرام، فهربت إلى فرنسا تستجير بالمعرفة درباً للحرية، ولتكمل فيها دراسة الماجستير في علم الأعراق والأجناس الذي استهواها وأخذها بعيداً، حتى عن ذاتها، كما تقول. وفي فرنسا، قدمت إكرام دراسات عن علم السلالات والأسلاف، وعن الإنسان وطقوسه. ودراساتها هذه لم تزل محفوظة لحد الآن في متحف الإنسان في باريس، كما استطاعت الحصول بعد الماجستير على درجة الدكتوراة من جامعة السوربون عن دراستها سكان جبل العرب في سورية (الطائفة الدرزية)، الذي اختارته كجانب لم يأخذ حقه من البحث التاريخي، الذي اعتبرته نموذجاً فريداً يدل على مدى غنى وتنوع المجتمع السوري الذي بقيت إكرام تفخر دائماً به. وبقيت أيضاً تدين لهذا التنوع، وتعتبره من مصادر قوتها الشخصية.
بعد إكمال دراسة الدكتوراة، وبعد تجربة في العمل السياسي، التي اكتسبتها من الانتساب للحزب الشيوعي الفرنسي، شدها الحنين إلى دمشق من قلبها، وجعلها تعود بشهاداتها، وبكمية أحلام كانت تزن أكثر من الوزن الذي تسمح به شركات الطيران.
أرادت إكرام العمل في بلادها، وزرع روح البحث في كل من عرفته في دمشقها، وذلك من 
خلال تجربة غنية جعلتها تصبح أكثر نضجاً، لكنها استطاعت مبكراً أن تكتشف أنه لا أمل في بلاد تحكمها الديكتاتويارت السياسية، التي بدورها تدعم الفكر الديني تحت قناع العلمانية الكاذب، لذا فقد اصطدمت روحها الحرة المتمردة بكل أشكال القمع الفكري والاجتماعي، وتفاجأت بكثير من المثقفين، وكثير من الشيوعيين، الذين خرَّب النظام الديكتاتوري إنسانيتهم؛ لقد اكتشفت إكرام أن الديكتاتورية ستكون قاتلة لكل شيء، فلكي تستمر فإنها ستعمّر في قلوب الناس ذعراً لم يجرّبوه من خلال أجهزتها الأمنية الكثيرة، وبأن هذا الرعب سوف يقتل تدريجياً أيّ تنامٍ للفكر، وأيّ بحث عن المعرفة، وأنه سيستولي على كل الأفكار التقدمية، وعلى كل مفاصل الحياة السياسية، وسيحوّل الناس إلى مجرد كائنات خائفة من أيّ كلمة تقولها، لتمضي حياتها في الهروب، أو بالابتعاد، عن كل نقاش، أو حوار، وبالركض وراء لقمة حياتها الصعبة.
لذا كان عليها، وبعد ملاحقة أجهزة المخابرات لها، أن تختار أبعد نقطة في الأرض، وأبعد نقطة عن نفسها، وعن كل منابع ثقافتها، كان على إكرام الشابة أن تسافر إلى المكسيك، لعلها هناك، في كل تلك الغربة القاتلة، تتعرف على نفسها أكثر.
قبل أن تسافر، كتبت مجموعتها الشعرية الأولى، التي بقيت الكتاب الوحيد الذي كتبته باللغة العربية. وفيه، أطلت روح إكرام الوعرة بكل قوة ودهشة، بعنوان "مغامرات حنا المعافى حتى موته". جاءت قصائدها حادة وطازجة، وجاء النصُّ النثري حاملاً لكثير من الخصوصية، ضمن المناخ الذي كان سائداً في كتابة قصيدة النثر السورية، واختلف نصُّ إكرام في ابتعاده عن التفاصيل والنثريات اليومية والمشاهد العابرة، وانشغل بلغة طاعنة برؤيا وإشارات ورموز، لتشكل نموذجاً رائداً يعجز عن موازاته كثير من نصوص كاتبات النثر حتى في هذه الأيام.
لقد عشقت إكرام اللغة، كعالم نابض، حي، متحرك، متغير، ودائماً كانت تضيق بها أية لغة نمطية، وكانت تعتبرها لغة ميتة.

ولدت مسيرة الكلمات المنادية
شعرنا بأنفسنا محاصرين بضيق اللغة
كسرناها – عوجناها – اعتدينا عليها مراراً
في الصراع ضد اللعنة لم يعد لدينا من شيء سوى البثور.

نعم، كانت إكرام ذئبة لا يمكن أن تروض، شاعرة متميزة بطريقة تعاملها مع الكلمة هذا الكائن الذي عشقت إكرام قلقه وحيرته:

"هل نخادع؟
نسمع كل الكلمات
ليس بضروري الأفضل
أن تجد كيف تتم الحركة
الكلمة التي تتدحرج من حولنا
الكلمة؟
يجب أن تأخذ منها
وتبقى".

"مغامرات حنَّا المعافى حتى موته"، هذا الديوان الذي من الصعب جدّاً نسيانه، عَبَرَ الحدود فعلاً؛ وعبوره كان مؤثراً وفعالاً وحاسماً في القصيدة كمطلق.
بقيت مجموعة إكرام اليتيمة تثير الجدل لدى كل قرائها، لكن إكرام رحلت لتجد نفسها في

أصعب مراحل حياتها وأهمها، فها هي في بلد لم تكن تعرف عنه أيّ شيء، لم تقرأ أبداً عن تاريخه، ولم تكن أبداً تعرف لغته، وصلت لتعيش فيه تجربة الغربة الكاملة، تجربة الأمومة، وتجربة الفقر الذي لم تكن قد عرفته من قبل، لكنها أيضاً عاشت فيه تجربة الحرية الحقيقية الكاملة، وبناء الذات من مرحلة الصفر، واختارت فيه حالة البحث والمعرفة، مرة ثانية، كاتجاه وحيد للنجاة. تقول إكرام في مقابلتها مع نبيل المالح: "أنظر. هناك تعبير جميل جدّاً للفيلسوف الفرنسي ميشيل سير. إنه تعريف غير إيماني لفكرة إيمانية هي "الروح" - حيث يقول ما معناه أن "الروح هي هذه الطريق التي تقطعها بين ولادتك وبين موتك". عندما تلد، تكون روحك هي ما أعطتك إياه الطبيعة؛ ثم تُضاف إليها جميع المخاطر التي تعرضتَ لها. وهذه المخاطر، حتى نهاية الطريق، هي ما يكوِّن روحَك. أي أن ما يكوِّن روحك هو خبراتك، بالإضافة إلى ما أُعطيتَ إياه في البداية. فنحن نتعلَّم من الكتب، كما نتعلم من الآلام...":
في المكسيك، حاولت إكرام دراسة اللغة الإسبانية بجدية، وبسبب جديتها ومعرفتها الكاملة باللغة الفرنسية ذات الأصل اللاتيني المشترك، أتقنت إكرام الاسبانية بسرعة قياسية، وهناك تعرفت على ناشط في حقوق الإنسان تعود أصوله للهنود الحمر، أحبت إكرام روح الثورة في هذا الشاب، وعاشت معه تجربة النضال السياسي في بلاده، وتجربة حب بدأ قوياً، لكنه، كعادة الحب، عاد وذبل. أنجبت إكرام من هذا الحب ابنها الوحيد "مروان"، الذي حمل اسم "مروان بن الحكم" الأموي الذي عشق الكتب والمكتبات.
عاشت إكرام مع مروان تجربة الأمومة التي اعتبرتها الطريق الأقصر للوصول إلى نفسها سالمة. تقول إكرام: "حيث كانت هناك بنيَّة طيبة، ذكية مبدئيّاً، وثائرة جدّاً. أرادتْ، في حينه، أن تحطِّم كلَّ ما أعطوها إياه. ثم لاحظتْ، بعد وقت طويل، أنها حطَّمتْ أموراً لم يكن من

المفروض أن تحطِّمها لأنها جيدة. بمعنى، أنني كنت ولداً دعيّاً بأنه يعرف ويفهم أكثر من جميع الذين سبقوه في تاريخ الإنسانية. ويعتقد بأنه سيصحِّح كلَّ ما تم خلال هذا التاريخ. ثم اكتشف - وقد تجاوز من العمر الأربعين - وهو يواجه أمامه، في بيته، ولداً ثائراً آخر".
قبل أن تعيد دراسة الفلسفة في جامعة مكسيكو، وتحصل منها على شهادة دكتوراة جديدة، وتعمل أستاذة محاضرة في الجامعات المكسيكية للأدب والحضارة العربية، هنا في هذه المرحلة بالذات بدأت إكرام بطريقها الطويل الذي كانت قد عبدته بحجارة معرفتها، وزرعت أشجار ياسمين دمشقها على جانبيه.
كتبت إكرام باتقان مذهل كتابها الأول باللغة الإسبانية، وهذا ما أدهش الكتّاب المكسيكيين أنفسهم لتمكنها من الإسبانية، وللغتها الأدبية المذهلة، تقول إكرام: "كانت أداتي هي الكلمات التي هي الأداة الأكثر هشاشة في العالم. بمعنى: لو كانت أداتي في الكتابة المعرفية هي الرياضيات كانت هذه أكثر ثباتاً؛ ولو كانت الفيزياء لكانت أيضاً أكثر ثباتاً. أنا أداتي "الكلمة": هي الأداة الأكثر هشاشة - لأن الكلمة تتحرك. لأن معناها قد يختلف بيني وبينك".
حازت إكرام أولاً على جائزة الدولة "ماجدة دوناتو" عن كتابها الذي نشرته باللغة الإسبانية "ثقافة العرب"، واعتبره كثير من النقاد مرجعاً نزيهاً للتعريف بثقافة عريقة ومؤثرة في كل ثقافات العالم، وترجم عن الإسبانية لعدد من لغات العالم.
بعد "ثقافة العرب"، نشرت إكرام كتابها الثاني باللغة الإسبانية "الثقافة الثالثة"، ونالت عليه جائزة كتاب السنة. وقد وصفته الباحثة الإسبانية، إيريدا، بأنه من أهم وأغنى ما كتب حول ثقافة أميركا اللاتينية الحالية ومنابتها الحقيقية. تقول إكرام في كتابها: "الحديث لا ينقطع عن التأثير الإسباني المكسيكي، ويكاد لا يُذكر شيء عن الجذور الإسلامية العربية التي هي في الواقع أصل هذا التأثير". وتضيف أنّ "اللقاء" الذي تمّ لم يكن بين ثقافتين اثنتين، وهي الإسبانية والهندية الأصلية، وحسب، كما يقال من باب الحيف والشطط، بل كان لقاءً بين ثقافات ثلاث، مُضافاً إليها الثقافة العربية الإسلامية، التي تُعتبر عُنصراً مُكوِّناً هامّاً فى العالم الجديد. ودعمت إكرام رأيها بتحليل جديد جداً يقول إن الذين قَدِمُوا من إسبانيا ليستوطنوا المكسيكَ، أو مناطقَ أخرى من هذه القارة، بعد وصول كولومبوس إليها، كانوا بعيدين عن الحضارة، وكانوا أقربَ إلى الوحشيّة والهمجيّة، وأنّ الجانب المشرق الوحيد الذي جاءوا به معهم هو الإرث العربي، وبالخصوص في ميدان المعمار.
لكن أهم ما أنجزته إكرام، ويعتبر الثمرة الحقيقية لتعمقها الفلسفي، ولقراءتها الكثيرة والمتنوعة، هو روايتها الرائعة الصادرة باللغة الاسبانية "روح قرطبة"، تلك الرواية التي تمتلئ بحوار حديث متخيل بين كل من ابن رشد، وابن ميمون، الفيلسوفين الأندلسيين اللذين عاشا في

المرحلة نفسها في قرطبة، لكنهما لم يلتقيا أبداً. تقول إكرام في هذا الكتاب "يقول ابن رشد لابن ميمون: "ليس مهمّاً مَن يقرأ الكتاب. ليس مهمّاً كم سيفهمونه. أنا أشبه المعادلة الرياضية. هي موجودة في الكون، والناس لا يحلُّون لغزها. الرياضيات والأرقام موجودة في الكون، وستبقى، وإن لم يفهمها الناس. نحن لم نخترع الرياضيات، إنما هي جزء من قانون السماء". الشيء نفسه بالنسبة للكتاب. ما أقوم به أنا، تلك الأفكار التي أحاول اكتشافها ببطء، شيء أكبر منِّي؛ أنا جزء منها، وليست هي جزءاً منِّي فقط - سواء فُهِمَتْ، أم لم تُفهَم؛ أو حصل وبيع الكتاب، أو لم يُبَعْ؛ أو اعتُرِفَ بي، أم لم يُعتَرَف بي؛ أو أُهِنْتُ، أو لم أُهَنْ... جميع هذه الأمور ليست بالمهمة. المهم هو الطريق؛ وليس المهم إلى أين ستصل".
لقد عمرت إكرام في "روح قرطبة" جدالاً فكرياً ناضجاً وعميقاً، وبذكاء كبير، وأسلوب روائي شائق، كشفت في روايتها المتخيلة هذه هشاشة حضارة العالم الحديثة، واستشرفت مستقبلاً دموياً لها، بالرغم من كل تطورها التكنولوجي، وذلك حسب رأي إكرام "يعود لنقص العمق الأخلاقي الذي سيجعل هذه الحضارة الحديثة المزيفة تأكل نفسها".
ولم تكتف إكرام في هذه الرواية، التي ترجمت إلى كل لغات العالم الحية، بمجرد إقامة حوار فلسفي بين أهم فيلسوفين في زمنهما، بل أضافت لهما بعداً إنسانياً وطعماً أنثوياً كطعم النعناع في شاينا. تقول إكرام: "لقد احتجتُ لامرأة في هذه الرواية. وأنا ليس لديَّ امرأة، لأن جميع الذين يتكلَّمون فيها هم من الرجال. فأتيت بشخصية عجيبة جداً من تاريخ الفلسفة، هي شخصية هيباثيا، التي عاشت في نهاية القرن الرابع، وبداية القرن الخامس (370 - 415)م؛ وهي آخر أستاذة للمدرسة الأفلوطينية في مكتبة الإسكندرية؛ وقد قتلت عام 415م. يومذاك هجم عليها الرعاع وقتلوها، ثم أحرقوها، ثم أجهزوا على المكتبة، وأحرقوا الكتب. هنالك في تاريخ الحضارة كره شديد للكاتب. ورغم كلِّ شيء، ما زالت الأرض تدور. فرغم حرق الكتب، يبقى هناك من يصنع كتباً من جديد. وتبقى الأرض تدور. هناك كره شديد للفكر وللكتب. إذاً، أتيت بهذه المرأة التي كانت فيلسوفة كبيرة تتعاطى الرياضيات، وتتعاطى الموسيقى، وتتعاطى علم الفلك، وقُتِلَتْ - ولم يكن عمرُها يتجاوز الخامسة والأربعين؛ أي أن عمرها قريب جداً من

عمري الآن. أتيت بها لتناقشهم.. استحضرتُها من سنة 415م، وجعلتُها تقفز إلى القرن الثاني عشر، ثم إلى القرن العشرين. وهذه ليست مشكلة - لأن بوسعي في الرواية أن أفعل ما أشاء. أتيت بها لأني كنت في حاجة إلى امرأة. مما يعني أنه لم يكن هنالك فقط اجتياح أفكار، إنما أيضاً اجتياح حياتي، واجتياح ألم".
ترجمت رواية "روح قرطبة" إلى كل اللغات الحية، ولكن إكرام استمرت تداري وجع منفاها عن دمشق روحها بالكتابة عن الحضارة التي سكنتها، والتي خرجت منها لكل العالم لتقدم خلال أقل من عشر سنوات أكثر من 29 مؤلفاً بلغات العالم الحية، ولتداوم على الكتابة في الصحف المكسيكية بشكل دوري.
تميزت السنوات العشر الأخيرة من حياتها بانفتاح واسع على المجتمع المكسيكي، وكتبت عن قضاياه، متمثلة إياه، فكتبت في قضايا المواطنة والمهاجرين، وغير ذلك. وبالإضافة إلى عملها كمستشارة سياسية وثقافية للرئيس المكسيكي، قامت إكرام أنطاكي بتقديم برنامج تلفزيوني شيق ومختلف سمّته "وليمة أفلاطون"، قدمت فيه آراء في الفلسفة والحضارات والشعر والتاريخ والعلوم، وأصبح من أكثر البرامج مشاهدة في المكسيك، وتحولت إكرام من خلاله إلى الوجه العربي الأشهر في القارة اللاتينية. وأصبحت سفيرة الحضارة العربية، وسفيرة كل واحد فينا إلى العالم. وسفيرة اللغة النابتة مثل الصبار بشوك أكثر شراسة وأقل رقة.
بين "الكلمة التي يجب أن لا نأخذها كلها"، وبين "الحرية التي يجب ألا تُستعمل"، عاشت هذه
المرأة الفريدة، حرة في وطنها الجديد، سجينة في منفى الذاكرة، منفى الروح التي لا تستجيب للأوامر، منفى النفس إلى نفسها، إلى أبعد وأقرب نقطة فيها، منفاها إلى دمشق التي كانت دائماً عشقها الحقيقي. تقول إكرام في يوم عودتها الأخيرة إلى دمشقها، بعد عشرين عاماً، و29 كتاباً في المكسيك، تقول إن هذه الطريق الوعرة قد غيرت فيها وفينا الكثير "أنا أرى أن ما

أعطاه لي بيتي وبيئتي من فكر وكتب هو ثروة كبيرة جدّاً. وهذه الثروة لم تكن هناك ضرورة للثورة عليها. وإن ثرنا عليها، فلم يكن من الضروري لهذه الثورة أن تطول فترة طويلة".
إكرام الشاعرة التي بقيت حتى رحلت تبحث في السحاب عن سر الغيوم، وتبحث في البحث نفسه عن روحه وعن نقيضه، وعن اكتماله، وعن نقصانه الذي لا ينتهي. رحلت إكرام في 31 تشرين الأول/ أكتوبر عام 2000، ودفنت في قبر دمشقي في مكسيكو سيتي عن ستة وأربعين عاماً، وحقائب عودتها لم تزل مركونة في زواية بيتها الريفي. تقول تاركة لنا ما كتبته في معرض تقديمها لكتابها الهام أيضاً "منعطف الألفية" الصادر بعد وفاتها: "إن ميزة التاريخ الإنساني البحث عن التوازن والقياس، وحين يختل هذا التوازن تحدث تلك الانكسارات الكبرى في التاريخ، فنحن لا نستطيع أن نرفض الحداثة من جهة، ولكن ذاكرتنا تختزن موروثاتها القديمة من جهة أخرى، مما يؤكد حقيقة أن كل ما هو قديم ومدفون في ذواتنا ما زال موجوداً تحت حداثتنا".

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.