}

كازانتزاكيس في ذكرى رحيله.. الكتابة وسيلة للخلاص

إيهاب محمود 26 أكتوبر 2019
استعادات كازانتزاكيس في ذكرى رحيله.. الكتابة وسيلة للخلاص
طلب منَّا رفض العزاءات كلَّها: الآلهة والأوطان والأخلاق والحقائق
لم يكن الأديب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس (1883- 1957) من المؤمنين بالوظيفة المباشرة للفن، وهي أنه العامل المنوط به تجميل وجه الواقع، ومحاولة إضفاء صورة أكثر بهاء وخيالاً عليه، بل إن الفن عنده هو المسؤول عن كشف الحقيقة، بغض النظر عن كونها قاسية ومدمرة، ومهما كانت الكلفة التي يتكبدها أحدهم لإجلاء حقيقة ما، غير أن هذه النظرة التي تبناها للفن لم تكن واحدة طوال الوقت، بل مرت، كأي شيء آخر في حياة الإنسان، بمراحل من التحول، وصولاً للنقطة التي تبلورت فيها رؤيته لكل شيء، والفن بطبيعة الحال في مقدمة هذه الأشياء.


الكتابة عند كازانتزاكيس


هذه النظرة من كازانتزاكيس، الذي تحل ذكرى وفاته في 26 تشرين الأول/أكتوبر، لم تكن هكذا من البداية، بل كان لتأثره الكبير بالفيلسوف الألماني نيتشه عامل كبير في ذلك، إذ تمرد على معتقداته القديمة كلها، وراجع أفكاره فيما يخص مواقفه من الدين والحياة والله أيضاً. يقول كازانتزاكيس عن نيتشه: "ما الذي قام به هذا النبي؟ وما الذي طلب منَّا أن نفعله بالدرجة الأولى؟ طلب منَّا أن نرفض العزاءات كلَّها: الآلهة والأوطان والأخلاق والحقائق، وأن نظل منعزلين دون أصحاب ورفاق، وألا نستعمل إلا قوتنا، وأن نبدأ في صياغة عالم لا يُخجِل قلوبنا".
وفي كتابه "تقرير إلى غريكو"، يوضح كازانتزاكيس هذا المعنى بشكل أو بآخر، خاصة عندما يحاول الإجابة عن سؤال "لماذا أكتب"، مؤكداً أنه لا يكتب بحثاً عن الجمال، بل يكتب سعياً للوصول إلى الخلاص، وهذا التصور لن يقود سوى إلى قلق دائم لا يتوقف، وهو ما دعا أحدهم لأن يربت على روح كازانتزاكيس الذي أورد في كتابه: "في أعماقك اهتمام عظيم مهلك. إنني أراه في عينيك المحترقتين وفي حاجبيك المرتعشين بلا توقف ويديك اللتين تتلمسان الهواء وكأنك أعمى أو كأن الهواء جسد وأنت تلمسه. انتبه. هذا القلق إما أن يقودك إلى الجنون أو إلى الكمال".


الوجودية عند كازانتزاكيس


انشغل كازانتزاكيس كثيراً بالوجودية، وعبر ثلاث روايات هي "الإغواء الأخير للمسيح"، "المسيح يصلب من جديد"، وروايته الأشهر والأهم "زوربا"، تعرض للمنظومات الثلاث التي تحكم علاقة الإنسان بالعالم، وهي المنظومات الإلهية، الوضعية، والذاتية، محاولاً الوصول إلى إجابة لسؤاله الذي شغله طيلة حياته: من يتحكم في من؟ الله أم الإنسان أم العالم؟
في "الإغواء الأخير للمسيح" تطرق كازانتزاكيس إلى علاقة الفرد مع الإله، موضحاً أن هذه العلاقة العمودية تقوم على أوامر مباشرة من الإله للإنسان، والإنسان هنا لا يملك الحقيقة الكاملة، بل تم تمريرها إليه ليأخذها كما هي، وينتهي إلى أن صراع الإنسان مع نفسه كان العنصر الأهم في العلاقة، حيث تخلى يوحنا عن المسيح بسبب الخوف، في حين خانه يهوذا، وفي الحالتين كان المحرك هو الحوار الذاتي بين الإنسان وذاته بعيداً عن العلاقة العمودية مع الإله، في تأكيد على وجودية الإنسان. وفي "المسيح يصلب من جديد" تعرض إلى المنظومة الوضعية، حيث تدور الأحداث في زمن آخر لم ير فيه الناس المسيح، وآمنوا بما ورد عنه بفعل الوراثة أو تناقل التاريخ، من خلال الرسائل المنقولة جيلاً تلو الآخر، والعلاقة هنا بين الإنسان والإنسان الآخر، وتنتهي برفض الإنسان للمنظومة الوضعية حينما ينادي بطل الرواية بثورة على الأغنياء وعلى قوانينهم. وفي "زوربا" تتجلى علاقة الإنسان بذاته، وهي المنظومة الفردية، ولا ينشغل كازانتزاكيس كثيراً بالتأكيد على أي المنظومات هي الأفضل، بقدر ما يهمه أن يوضح أن الإنسان وجودي بفطرته، وبغض النظر عن المنظومة التي تحكمه في مجتمعه، سيبقى منصتاً لمنظومته الخاصة التي تحكمه.

لا يكتب بحثاً عن الجمال، بل يكتب سعياً للوصول إلى الخلاص

 

فكرته عن الزمن
الزمن عند كازانتزاكيس ليس مما يستدعي الخوف أو القلق، رغم أن ما يقلقه كان كثيراً، بل إنه يجد أن الزمن وصعوبة الأحداث التي تشكله ليس إلا عنصراً مهماً لتستمر الحياة على نحو أفضل وأكثر حماسة: "إن الأزمنة التي نمر بها، والأزمنة التي هي أكثر رهبة والتي سيمر بها أبناؤنا وأحفادنا، هي أزمنة صعبة. غير أن الصعوبة كانت دائماً منشطاً للحياة. توقظ دوافعنا وتثيرها كلها، الخيرة منها والشريرة لتجعلنا نتجاوز العراقيل التي تبرز أمامنا في شكلٍ مفاجئ".
واستمراراً لانشغاله بفكرة الزمن، يرى كازانتزاكيس أننا نأتي من هاوية مظلمة وننتهي إلى مثيلتها، أما المسافة المضيئة بين الهاويتين فنسميها الحياة: "لحظة أن تولد تبدأ رحلة الانطلاق والعودة في آن، كل لحظة نموت، لهذا جاهر كثيرون بأن هدف الحياة هو الموت، فما أن نولد حتى تبدأ محاولاتنا في أن نخلق ونبتكر، أن نجعل للمادة حياة، كل لحظة تولد، كما جاهر كثيرون بأن هدف الحياة هو الخلود، في الأجسام الحية الفانية يتصارع هذان التياران، الصاعد نحو التركيب، نحو الحياة، نحو الخلود، الهابط نحو التحلل، نحو المادة، نحو الموت".
لم تكن السنوات الأربع والسبعون التي عاشها كازانتزاكيس كافية له، بل تمنى أن يمد الله في عمره عشرة أعوام أخرى لينتهي من آخر أعماله مفرغاً نفسه له تماماً، غير أن يوم السادس والعشرين من أكتوبر 1957 كان الأخير له في هذا العالم، لينتقل بعده إلى قبره الذي اختار أن تكتب عليه عبارة من التراث الهندي: "لا آمل في شيء، لا أخشى شيئاً، أنا حر".

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.