}

"الدرر النجفية" للعلامة الدرازي.. مخطوط متوارٍ خلف الحُجُب

صقر أبو فخر صقر أبو فخر 10 أكتوبر 2019
استعادات "الدرر النجفية" للعلامة الدرازي.. مخطوط متوارٍ خلف الحُجُب
يضم المخطوط سبعين درة في ثلاثمئة صفحة (Getty)
في مطموراتنا الثقافية مخطوط نفيس وخطير يعود تاريخ تأليفه إلى سنة 1177 هجرية، فيما يعود تاريخ نسخه إلى سنة 1224 هجرية. عنوان المخطوط "الدرر النجفية"، أما مؤلفه فهو يوسف بن أحمد بن إبراهيم الدرازي البحراني، وناسخه يدعى محمد بن محمد شفيع رونزي. والمقصود بالدرر الفصول أو الأبواب، وهو يحتوي سبعين درة في ثلاثمئة صفحة وصفحة كاملة غير منقوصة، وسليمة لا اضطراب فيها ولا تخريم. والمؤلف هو أحد علماء الشيعة المشهورين في البحرين، وله عدد من المؤلفات المطبوعة منها "أنيس المسافر وجليس الخواطر" ويقال له "الكشكول". وله أيضاً "الحدائق الناضرة" و"سلاسل الحديد في تقييد ابن ابي الحديد"، وهو نقض لكتاب ابن أبي الحديد في شرح "نهج البلاغة" للإمام عليّ ابن أبي طالب. وابن أبي الحديد هو عبد الحميد المدائني، وكان معتزلياً على الراجح. وقد ردّ على كتاب "سلاسل الحديد" محمد أمين السويدي بكتاب "الصارم الحديد في عنق صاحب سلاسل الحديد". وللدرازي كتاب آخر عنوانه "الدرة النجفية في الملتقطات اليوسفية" وكذلك "لؤلؤة البحرين". وهذا المخطوط الذي بين يدينا نادر، إذ لم يُعثر على أي نسخة منه في فهارس المخطوطات العربية والفارسية والتركية المتاحة وحتى الهندية والأوردية. ولعل هناك نسخة منه في مكتبة الوزيري في مدينة يزد الإيرانية تحت رقم 12319/268ق. لكن قياس نسخة مكتبة الوزيري هي 14-12سم، بينما قياس المخطوط لدينا هو 28.5-19سم. ومؤخراً تداول المهتمون بالتراث المخطوط نسخة مطبوعة بعنوان "الدرة النجفية من الملتقطات اليوسفية" وهي غير مخطوطنا، وإن اشتركت معه في جزء من العنوان وفي بعض الفصول على عادة مؤلفي تلك الحقبة. وعلمنا من بعض الثقات أن النسخة المطبوعة لحقها تصرف كثير، فحذفت منها فقرات مطولة ربما تثير الفتنة بحسب رأي البعض.

مهما يكن الأمر فإن المخطوط الذي بين يدينا، والذي يبلغ عدد كلماته نحو 232 ألف كلمة، مكتوب بخط جميل وواضح، وتبحث أبوابه في مسائل الفقه والعبادة، كالطهارة والنجاسة والنكاح والإرث والوصية وغير ذلك من المسائل المعتادة في كتب الفقه. وفي المخطوط فصول وافية وجملة من الأخبار عن "عيسى ويحيى بن زكريا (...)، وفي بيان ولد الزنى وإيمانه وكفره (...)، وعن الأنبياء يُرفعون بأبدانهم من القبور". وفي المخطوط أيضاً نقاش ومجادلة في شأن "خطبة فاطمة في مطالبتها بفدك وميراثها (...)، وفي ما أحدثه معاوية من تزوير الأخبار في فضايل الخلفاء الثلاثة".
الخطير في هذا المخطوط هو المبحث الذي يتصدى لـِ "تطرق النقصان والتغيير والتبديل إلى القرآن وعدمه وتحقيق القول في ذلك"، وهي مسألة خلافية جداً، وإنكارية عموماً، مع أنها قضية ما برحت تُثار بين حقبة وأخرى، الأمر الذي يُخرجها من إطارها التاريخي والمعرفي والجدالي إلى سياق فتنوي وسياسي مستنكر. وفي بحثه هذه المسألة يقول الدرازي إن الزيادة لم تلحق بالقرآن قطّ، لكن النقصان وقع بالفعل. وهو يحدد كثيراً من الآيات التي طالها النقصان، ويبرهن، بحسب رأيه، كيف كانت الآية قبل النقصان وكيف صارت بعده، وينقل من كتاب "الرجال" لأبي عمرو الكشي بإسناده عن بريد العجلي عن أبي عبد الله قوله: "أنزل الله في القرآن سبعة بأسمائهم، فمحت قريش ستة وتركوا أبا لهب". وعن محمد بن مسعود العياشي عن أبي عبد الله يقول: "إن في القرآن ما مضى وما يحدث وما هو كائن، وكانت فيه أسماء الرجال فأُلقيت". وعن أبي عبد الله أيضاً: "لو قُرئ القرآن كما أُنزل لألفيتنا فيه مسميين". كما ينقل من كتاب "الاحتجاج" للطبرسي أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة (الأحزاب 72 آية بينما البقرة 286 آية)، وأن سورة النور نيف ومئة آية (في المصحف العثماني 76 آية)، وأن سورة الحجر تسعون ومئة آية (وهي في المصحف 99 آية).

* * *

الغاية من الكشف عن هذا المخطوط أو غيره هي العلم ولا شيء غير العلم


إن الغاية من الكشف عن هذا المخطوط أو غيره هي العلم ولا شيء غير العلم، ثم الالتفات إلى غنى التراث العربي المطمور وثرائه. ولولا المستشرقون المتعددو الأهواء والدوافع لظل جانب من تاريخنا مدفوناً تحت ركام الأتربة. وإنها لحالة مهينة أن يكون في مكتبات أوروبا وجامعاتها ومتاحفها مئات آلاف المخطوطات العربية المنسية.
ويُقدّر يان بوست فينيكام، الرئيس السابق لإدارة الكتب الشرقية في مكتبة ليدن، عدد المخطوطات العربية الموزعة على أنحاء العالم بنحو ثلاثة ملايين مخطوط، وهو ما بقي بعد تدمير المغول بغداد وإغراق كتبها في نهر دجلة، ثم إحراق الكنوز الفاطمية في القاهرة على يدي صلاح الدين الأيوبي حيث ظلت أفران القاهرة تشتعل بها أياماً، وكذلك غداة إحراق الصليبيين مكتبة طرابلس الشام، علاوة على ضياع ما لا يقل عن ربع مليون مخطوط في مكتبة قرطبة بالأندلس. وهذا المخطوط ينتظر مَن يخرجه من الحُجب إلى النور، وتحقيقه بدافع علمي يتخطى التوظيف السياسي أو المذهبي إلى رحاب علم التاريخ الجديد. ويتطلب الأمر نزاهة علمية فائقة وشجاعة فكرية قلما توافرتا لكثير من محققي التراث العربي المحدثين، وهما معاً، أي النزاهة والشجاعة، شأن لا بد منهما لمن سيتصدى لتحقيق هذا المخطوط المهم والخطير في آن.

هذا المخطوط ينتظر مَن يخرجه من الحُجب إلى النور

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.