}

"القضايا الاجتماعية الكبرى في العالم العربي" (2-2): أنواع الزواج

استعادات "القضايا الاجتماعية الكبرى في العالم العربي" (2-2): أنواع الزواج
لوحة للفنان العراقي اسماعيل الشيخلي

 

 

 
أنواع الزواج:

(أولًا) الاقتران الموقت: لقد تكلمنا عن العصبة الاجتماعية الأولى بشكل عترة مؤلفة من الشيخ الزعيم الذي يقودها ومن أهله وذويهِ من النساء والرجال وأوضحنا سلطته على النساء واستقلاله بهن دون هؤلاءِ الرجال الذين كانوا خاضعين له خضوعًا أعمى نظرًا للرهبة المزروعة في قلوبهم منهُ منذ الصغر. بيد أننا نعتقد أن هنالك وحدة اجتماعية أسبق من هذه العترة غالبًا وهي أساسها وهذه الوحدة هي نوع من الزواج الابتدائي يدعى "الاقتران الموقت" وهو كما يلوح لنا أقدم وحدة اجتماعية وخلاصته كما هو مطبّق إلى يومنا هذا عند (المنكويين) من سكان جزائر (اندامن) في المحيط الهندي أن الرجل يعلق بالمرأة فيقترن بها لكن مدة إقامته معها لا تتجاوز سن فطام المولود الذي تلده ومن ثم يتركها وشأنها ليقترن بغيرها. وقد لاحظ السياح شيئًا شبيهًا بهذا الازدواج ولكن إلى أجل أطول عند الأستراليين الأصليين وعند الهنود البرازيليين وفي شمال (جرينلند).

وبديهي أن هذا النوع من الاقتران هو أقرب شيء إلى ازدواج الحيوانات المفترسة الكبرى كالأسد مثلًا فالذكر منهُ يصحب اللبوة في فصل النزاء فلا تكون لغيره ويقيم معها إلى أن يستطيع الشبل أو الأشبال الاعتماد على النفس.

وليس من الصعب أن  نتخيل سهولة التدرج من هذا الاقتران الموقت عند البشر إلى العترة التي أشار إليها اتكنسن. فالوالد الموقت يصبح بسبب ما ينمو فيه من العاطفة الزوجية والأبوية وينطبع في نفسه من اعتياد الحياة الاجتماعية المؤتلفة أبًا دائمًا ثم شيخًا زعيمًا في عترة كثيرة الأعضاء. ومتى تمت له هذه الزعامة فمعناها أنه صار (مُضرًّا) أي متعدد الزوجات وذلك لما له من حرية التصرف في نساء العترة.

(ثانيًا) الزواج الجمهوري: هو زواج وصفه الكابتن كوك كما وجده في جزائر هاواي لما اكتشفها في سنة 1778 وصفًا دقيقًا خلاصته أن يتزوج جوق من الأخوة جوقًا من الأخوات بحيث تكون كل أخت زوجة لكل أخ وكل أخ زوجًا لكل أختٍ. واسم هذا النوع من الزواج في اصطلاح هاتيك البلاد (بونالوان) وله مثيل يطبق حتى اليوم بين القبائل (التودية) النازلة على آكام (نلجيري) في بلاد الهند. وذكر أحمد شاه  في رحلته إلى بلاد (التيبت) عن بعض الأهلين هناك أن الرجل الواحد منهم وأخويه الاثنين إذا كان لهم زوجات ثلاث بالاشتراك الشيوعي ولم يكن لهم جميعًا ولد يفرحون به فلا يجوز لهم أن يتزوجوا امرأة رابعة للحصول عليه ولكنهم يجوز لهم أن يضيفوا إلى مجموعهم زوجًا رابعًا للاسعاف فإذا فشل هذا المشروع الاستيلادي فزوجٌ خامس. وأشار المستر هوايت المندوب البريطاني في (سِكّمْ) من بلاد التيبت أيضًا إلى هذا الزواج وطريقة انتساب الأولاد فيهِ الى آبائهم فقال "وفي مثل هذه الحال ينتسب أولاد أكبر الأخوات الزوجات سنًّا إلى أكبر الأخوة الأزواج وأولاد التي تليها إلى الذي يليهِ وأولاد الثالثة إلى الثالث، هذا إذا كانت كل واحدة منهن تحمل وتلد، وأما إذا كان منهن من هي عاقر فالأولاد حينئذٍ يوزعون بالاتفاق".

هذا هو الزواج "البونالواني" أو الجمهوري، ويظن بعض الباحثين أنهُ بقية الزواج الشيوعي المختلط في أزمان ما قبل التاريخ. ولوحظ أن الأوساط التي يطبّق فيها لا يتحلى رجالها بالشجاعة ولا بالكفاءة الحربية. على أن هنالك بعض الحدود للحيلولة دون ما يتبادر إلى الذهن إنه اختلاط طليق كاختلاط الهررة والكلاب، فالإباحة فيه لا تتجاوز الطائفة التي تمارسهُ إلى غيرها من الطوائف الأخرى المجاورة بل تكون محصورة فيها.

 

مذهب النشوء وشكل الأسرة: ثم أن إظهار العلاقة النشوئية التدرجية بين العصبة العترية والزواج الجمهوري ليس متعذرًا ولكنه ليس ضروريًّا ويستطيع الباحث أن ينتحل الأسباب التي أدت إليه بالطريقة التي تروقهُ، ولكن ما لنا ولانتحال الأسباب ما دمنا نعلم أن شكل الأسرة متوقف في الأكثر على مقدار التكيف المطلوب منها بمقتضى سُّنَة البقاء. وقد يكون هذا الشكل قائمًا من أساسه على الحاجة الاقتصادية بأوسع معانيها خصوصًا في المجتمع الخالي إذ كان الطعام عزيزًا ووقاية الأبدان من صبارَّة البرد وحمارَّة القيظ بواسطة المسكن والملبس ضئيلة. ولم يكن الإنسان قد اهتدى بعد كما قال الموجز في علم الاجتماع إلى استخدام الآلات واستثمار قوة الطبيعة. وكان التنظيم السياسي لا يزال ابتدائيًّا، بل لو كانت بوادر التنظيم الاجتماعي ظاهرة يومئذٍ؛ فالسياسة والدولة بالمعنى المتعارف اليوم لم تكن موجودة، وكان الدين في معظم الأحيان مجموعة خرافات مبعثرة ليس فيها أثر من الأخلاق. لا جرم أن شكل الأسرة في مثل هاتيك الأحوال كان متوقفًا على تكيّفها بحسب المقتضيات التي تقتضيها سنة البقاء ومتعلقًا بالأحوال الاقتصادية وبالعادات والتقاليد المتوارثة. وهذا كله يعني أن هذا الشكل كان نتيجة القوى الطبيعية العمياء.  وعلاوة على ذلك فلا يعني النشوء ارتقاء مضطردًا بل كما يحدث في السيول والأنهار تراجع المياه على الجوانب إلى الوراء في حين يكون التيار في الوسط مندفعًا إلى الأمام كذلك النشوء قد يصاحبه تراجع موضعي وإن كان التيار العام مندفعًا إلى الأمام. فلا حاجة بنا والحالة هذه إلى التقيد بالتسلسل وجعل التفاضل في أشكال الزواج قائمًا على أن الشكل اللاحق هو بالضرورة الشكل الأرقى.

(ثالثًا) الضَمْدُ أو الزواج المتعدد الأزواج: وهو تنظيم اجتماعي تُبنى فيهِ الأسرة على أساس زوجة واحدة لأزواج متعددين. ويظن أنهُ تدرج من الاختلاط الشيوعي الطليق حدث من تناقص النساء بسبب السبي في الحروب وقلة الطعام. ولاحظه السياح في كثير من أنحاء الأرض بين القبائل التي انتقلت من الهمجية إلى البربرية خصوصًا من كان منها خائر العزيمة أو مصابًا بالفقر المدقع. وقد وصفه الذين أمّوا بلاد التبت والهند أحسن وصف، وهو على نوعين النوع الهندي ويدعى "ناير" نسبة إلى جماعة بهذا الإسم يقيمون على شطوط (مالابار) في جنوب الهند حيث تكون المرأة حرة طليقة لها أن تعقد أواصر الزواج بأي رجل كفءٍ لها خارج القبيلة التي تعيش فيها أو البطن الذي تنتسب إليه، يعني أنهُ يسوغ لها أن تقترن بأزواج عديدين في وقت واحد من غير أن يكونوا أخوة، أما الأولاد فيتبعون أخوالهم أو البطن الذي تنتسب إليهِ أمهم وينتقل الإرث بطريق المرأة فقط. وأما النوع الثاني فهو التبني والواجب أن يكون الأزواج فيهِ أخوة. وذكر الأستاذ جدنجر. أن هذا النوع من الزواج معروف عند السابوروجيين من القوزاق في روسيا، وإنه كان منتشرًا بين الإرلنديين والبكتيين على التحقيق. ونقل عن البحاثة مكلنان أن هذا الزواج كان شائعًا كذلك بين جميع الأقوام السامية والحامية وذكر سترابو في جغرافيته في الفصل السادس عشر أن سُنَّة تعدّد الأزواج كانت منتشرة في زمانه في بلاد "العربية السعيدة" وهي بلاد اليمن "فكان جميع الأهل من ذوي القربى مشتركين في أملاكهم اشتراكًا شيوعيًّا، وأكبرهم سنًّا أرفعهم مقامًا، وهم جميعًا يتمتعون بزوجة واحدة فمن جاء منهم أولًا حظي أولًا، والرجل الذي يدخل عليها يترك على الباب العصا التي يحملها كل واحد منهم عادة، إلّا أنها تقضي الليلة مع الرجل الأسن". ويظن جلازر وونكلر أنهما عثرا في الخطوط السبأية على ما يؤيد ذلك.

وفي صحيح البخاري إنه كان من عادة العرب في الجاهلية أن ينكح عدد من الرجال زوجة واحدة وأن هذه الزوجة تعين للولد الذي تلده أباه. وذكر البخاري أيضًا نوعًا من الزواج أطلق عليه اسم "نكاح الاستبضاع" يعني أن يعرض الرجل زوجته على شخص شريف ليستولد من صلبه ولدًا شريفًا. لكن ثيودور نولدكه المستشرق الألماني المشهور يشك في صحة الأحكام التي يصدرها الفقهاء على عادات الجاهلية ويرى في عادة تعدد الأزواج في وسط الجزيرة العربية نوعًا من البغاء لا زواجًا مشروعًا.  

(رابعًا) الزواج المتعدد الزوجات أو "الضِرُّ" – الضر في معاجم اللغة هو تزوج المرأة على ضَرَّةٍ، وقد أطلقناه هنا على الزواج المتعدد الزوجات في مقابل الضَمْدُ أو الزواج المتعدد الأزواج، وإذا كانت ضرَّةُ المرأة بالتأنيث هي امرأة زوجها فلمَ لا يطلق علماء الاجتماع عندنا "ضَرُّ" الرجل بالتذكير على الزميل الآخر في الزواج المتعدد الأزواج؟

ومن عادة الضِرّ أن تكون الضرائر فيه إما على مرتبة واحدة أو تكون ثمة زوجة كبرى واحدة لها المقام الأول ويتبعها ضرائر أقل منها مقامًا وربما كنَّ من نوع السراري والإماء. ويظن بعض الباحثين أن هذا النوع من الزواج نشأ هو وتعدد الأزواج في آن واحد، لأن النساء التي كانت تسرق أو تؤسر من القبيلة الواحدة فتنقص عدد الإناث فيها تصبح ضَرائر في القبيلة الغالبة بما تحدثه من الزيادة في إناثها. ويدل الضرُّ على تغيّر في الأوضاع الاجتماعية الأولى والانتقال من الشيوعية الهمجية الخالية إلى عصر التملك الخاص ونظام التخصص والطبقات الاجتماعية، فالزوجات كانت تحسب في القديم كما تحسب اليوم في كثير من الأوساط الابتدائية متاعًا وكسبًا. لا جرمَ أنها تباع بيع السلع فيشتريها ويكثر من اقتنائها إما الأقوياء بأموالهم أو الأقوياء بأبدانهم أو بسلاحهم وهم الطبقة الجندية.

والأمة التي تباع اليوم في أسواق النخاسة هي من بقايا هذه النظرية الخالية. والضر منتشر في أنحاء الأرض وهو مباح عند المسلمين إلّا في تركيا الحديثة ومطبق من غير أن يكون مشروعًا كما يقول وسترمارك في أوروبا وأميركا وقد بقي في اليابان باعتباره نوعًا من الزواج الموقت [المؤقت] حتى السنين الأخيرة.

ومع أن فكرة الزواج في الشرق، ولاسيما في العالم الإسلامي قد تغيّرت تغيّرًا كليًّا عما كانت عليهِ في القرون الوسطى فإن حال المرأة في بعض الأوساط العربية تدعو إلى الانتباه والتفكير العميق وتتطلب تعاون الرجال المسؤولين جميعًا. فقد أجمع الرواة على أن الجارية – ولو كانت بيضاء من لب بلاد القفقاس – تباع في أسواق أقدس بقعة بيع السلع فينزل الطالب إلى السوق ليشتري مقعدًا وحلة وخزانة وامرأة! ولا يكون في تقليبه جاريته أقل عناية منه في تقليبهِ حلّته فيفحص هذه المرأة فحصًا ماديًّا دقيقًا بوسائط الحواس الخمس وقد يعرض عليه النخاس أن يجرب الجارية بضعة أيام! كما يعرض عليه النجار أن يجرب المقعد والخزانة، فإذا وجدها صالحة قبل فيها [بها] ونعمت وإلّا أعادها ليجرّبها رجلٌ آخر، ولا يشعر أحد من المسؤولين وغير المسؤولين بمس كرامة أحد في هذا العمل الذي يليق بعصر الإنسان النيندرثالي.

ومع أن الأسرة في الطبقة المختارة في بعض هذا العالم العربي الشاسع قد تكون أهلًا للاحتذاء والإيتمام حتى في أرقى الأوساط المدنية الغربية فما لا ريب فيهِ أيضًا أنها قد تكون – في غير ذلك من الطبقات – على غرار العترة الخالية التي جعلها اتكنسن أساس نظريته في الزواج وتأليف الأسرة. حدّثنا الرواة الصادقون أنّ كبيرًا من كبراء العرب افتخر أمامهم بثلاث خصالٍ يتحلى بها، (الأولى) أنه أعرف الناس بطبائع البدو. (الثانية) أنهُ أشغف الناس بالطيب إذ يصرف عليهِ مسانهةً ما لا يقال [يقل]عن اثني عشر [اثنا عشر] ألف جنيه. (الثالثة) أنهُ أكثر الناس زواجًا فقد بنى على مائة وست وثلاثين عذراء بكرًا ودخل على ألف ثيّب!.

وبديهي أن مثل هذه الطلاقة في الزواج تفسح المجال لكتَّاب الفرنجة وللمطاعن التي يصوبونها إلى صميم الأسرة الإسلامية. وإنني لأخشى كثيرًا أن تُسرب مثل هذه الأخبار الوثيقة إلى الأوساط العلمية حَمَل بحاثة مثل هربرت سبنسر وأستاذًا مثل رودلف بايندر على اتخاذ حرية الزواج عند البدو شاهدًا على ما يُدعى "استرخاء في العلائق الشقية" كما هو الحال عند قوم يدعون المونتريين "فهم يتزوجون على غير معرفة، ويطلقون لأسباب تافهة، وقد يتزوج الرجل منهم أربعين أو خمسين مرة".

ومع أن موضوعًا علميًّا مثل هذا الموضوع لا شأن له في المجادلات الدينية إلّا أنَّ كاتبه لا يحجم عن التعرض للتهم الشنعاء التي يلصقها بالإسلام جيش من أدعياء الدين الذين اتخذوا التعصب سلمًا لتحقيق مصالحهم المادية الحقيرة بطريق الطعن، وشأن هؤلاء شأن السفهاء في الأحزاب السياسية ممن دنسوا سمعة أحزابهم بما استعملوه من هجر الكلام والتهجم على عظماء الرجال وقادة الأفكار.

وإذا صحَّ أن الإصلاح الحقيقي في المجتمع البشري لا يتم إلّا تدريجًا وأن الحكم على المُصلح العظيم إنما يُبنى على مقدار الحدث الذي يحدثه في المحيط الذي يعيش فيه فلا مفرَ حتى لألدّ الخصوم من الاعتراف بأن صاحب الشريعة الإسلامية رفع مستوى المرأة عما كانت عليه. وإليك حجته التي يدلي بها في محكمة التاريخ:

لقد كانت البنت في العصر الذي نشأ فيه تُوأد أو تُدفن في التراب حيّةً للخلاص من عارها والفرار من إعالتها فنزلت في القرآن آية قطعت دابر هذه العادة الهمجية ومسحتها مسحًا وهذا نصّها: "﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ( يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ للذينَ لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء، ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم﴾" [النحل، الآية 59].  

وكانت المرأة في العصر الذي عاش فيه تعدّ متاعًا يورثهُ الميت لأبنائهِ كما يورثهم الأبسطة والقدور وسائر أنواع الماعون بحيث كان يحق للابن أن يتزوج امرأة أبيه من بعده فنزلت الآية "﴿وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾" (النساء، الأية: 22)". وكان أنبياء الكتاب المقدس ممن سبقوه يتمتعون بزواج لا حدَّ له ويباح لهم من التسري ما شاءوا، والذي يزيد في المنكر أن الرجل منهم إذا تسرى كان يحق له – بخلاف الإسلام واعتداده بعصمة الأطفال وبراءتهم – أن ينكر الأولاد الذين يولدون من هذا السبيل وأن يعامل الزوجة معاملة العبدة الرقيقة. وقد نص الكتاب المقدس على أن نبيًّا عظيمًا وهو مضرب الأمثال في الحكمة – سليمان الحكيم – كان له سبعمائة زوجة وثلاثمائة سرية. فأين هذا من تعدد الزوجات في الإسلام والحد الموضوع له والشروط المطلوبة فيهِ. فقد نزلت آية تعدّد الزوجات في مناسبات خاصة لا تفسر إلّا بها لأن المغازي كانت قد أفنت الرجال وتركت النساء أيامى والأطفال يتامى مما أدى إلى ضيق المعيشة وشعور الزعماء بالتبعة الناشئة عن تلك المغازي فنزل النص في الآية الثالثة من سورة النساء ")وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا( [النساء، الآية: 3]".

ولم يكن للمرأة في الجاهلية من الحقوق ما يذكر بل إنها لم يكن لها الحق في ميراث أبيها وزوجها وقد أعطاها القرآن من الحقوق ما لم تحصل على مثله المرأة في أوربا إلّا في الأجيال الأخيرة. وكتب الفقه طافحة بحقها في الميراث، وإدارة المال، والنظر والوصاية وغير ذلك من الشؤون المهمة، وأحسن رد على من زعم من نافخي أبواق التعصب أن الإسلام ينكر على المرأة روحها [حقها] الآية السابعة والستون من سورة النحل وهي ")مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ( [النحل، الآية: 67]". وحسب الإسلام أن يعتبر الزواج عقدًا مدنيًّا بين متعاقدين اثنين يحق للمرأة فيهِ أن تكون عصمتها بيدها.



لوحة للنان السوري نزار صابور


ومتى تذكّر القارئ أن من أهم الغايات التي ننشدها في معالجة هذه القضايا الاجتماعية الكبرى هي الإصلاح الاجتماعي في العالم العربي فهو ولا شك يعذرنا على الإفاضة في بيان الروح الإسلامية في هذا الموضوع الخطير وتمشيها مع الحاجة الزمنية، وهذا ما يحدو بنا إلى الاستشهاد هنا بكاتب غربي معروف لم يكن صديقًا خاصًّا للنبي الذي أسس مجد العرب وهذا الكاتب هو روبرت روبرتس فقد جاء في أطروحته ما يأتي "إنه ليعجز القلم عن بيان الشرور الخطيرة المتنوعة التي تنشأ عن الضر بما يجلبهُ على الشقين الذكر والأنثى من العواقب الوخيمة. على أننا بمعالجتنا مسألة الضر بين المسلمين علينا أن نذكر دائمًا أن هنالك فرقًا عظيمًا بين إباحة الشيء وبين أحداثه واستنانه لأول مرة. وواجب العدل يقضي بأن نقول أن النبي قد وضع لهذه العادة حدًّا بدلًا من أن نقول إنه أدخلها بين العرب. فقد كان الضرُّ السنّة المنتشرة بين الشعوب الشرقية قبل ظهوره وكان هذا حال العرب أيضًا وقد وجدها مطبقة تطبيقًا طليقًا من كل قيد منذ الأجيال السحيقة. ولم يكن هو وحده متمتعًا بزوجات عديدة بل جميع أصحابه وأتباعه أيضًا. وبناءً عليه فإباحته للضر إنما كانت اتباعًا للعادة العربية العامة، وكذلك وجد النبي لهذه العادة سابقة في اليهودية ففي "العهد القديم" أمثلة كثيرة عليها موجودة في تاريخ الأنبياء والملوك وغيرهم من دون أن تقابل بشيء من غضب الله. وعلاوة على ذلك فنحن نشك هل كان في طاقتهِ أن يمنعها منعًا باتًّا لو أراد، ونذكر بهذه المناسبة كلمات صولون إذ قال للإغريقيين ليست شرائعي خير ما أستطيع أن أضع لكم ولكنها خير ما يمكن أن تتقبلوا لأنفسكم. ومع كل ما كان يتمتع به النبي من النفوذ العظيم، فعقيدتنا إنه كان يستحيل عليه أن يبطل شرعة الضر بين قومه. وقد عمل المستطاع فلئن لم يُبطل فقد تمكن من التحديد. وفي نص الآية الثالثة من السورة الرابعة أنهُ لا يجوز للرجل أن يتزوج من النساء أكثر مما في طاقتهِ أن يعول، وقد روعيت هذه السُّنَّة إجمالًا لأن الزوجة الواحدة هي القاعدة في الطبقات الفقيرة بل ليس ذلك محصورًا فيها أبدًا". وسيل الانقلاب الاجتماعي الاقتصادي العرم الذي طغى على المجتمع لم يقف دون الأمم الإسلامية بل قد شملها أيضًا واكتسحها فيما اكتسح، وقد أحسَّ العرب كما أحسَّ الإفرنج من قبلهم بضرورة تخفيف الأسرة وضبط المواليد ووضع حدّ لها، وهذا كله من تأثير الحاجة الاقتصادية فهي تعمل عملها من غير التفات إلى العنعنات والتقاليد. وكنت أقرأ للكتّاب وأنا تلميذ في المدرسة أنواعًا من الدفاع الضافي [الصافي] من عادة الضر مبناها كلها حاجتنا إلى إكثار النسل. أما اليوم فالدفاع صار قاصرًا على تبرير ما حدث في الماضي بناءً على قلة الناس يومئذٍ وعوز الآباء إلى الأبناء، والمثل الأعلى الذي ينشده المجتمع الحاضر في استيلاد الأولاد يتعلق بنوعهم لا بمقدارهم لأن الأرقام صارت عبئًا على المدنية. على أن هذه الضرورة الاقتصادية الملموسة لم تمنع الكثيرين من الأغنياء في العالم العربي أن يستفيدوا – أو أن يخسروا – من إباحة الضر فيمارسونهُ بصورة علنية محللة كما يُمارسه زملاؤهم من الأوربيين والأميركيين بصورة سرية محرّمة.

 الزواج الموحد

(خامسًا) الزواج الموحد: وهو الزواج المقصور على زوجة واحدة وزوج واحد ولا تعرف قيمته إلّا بمقارنة النتائج المتولدة عنهُ بالنتائج المتولدة عن أنواع الزواج الأخرى. ويعتبر الزواج من حيث الأساس اشتراكًا حيويًّا وتنظيمًا اجتماعيًّا فهو والحالة هذه وحدة مستجدة ذات كيان منفرد تخضع لدستور تنازع البقاء وبقاء الأنسب مثل سائر الوحدات المشتركة. وقد استعرضنا فيما تقدم أنواع الزواج فما هو النوع الذي سيصمد للحوادث وتُكتب له الغلبة في هذا الصراع المستفحل؟ سؤال نجيب عنهُ بقواعدٍ عامةً لا سبيل إلى جحدها. فكل اقتران أو اتحاد تكون من ورائه قوة جديدة للداخلين فيهِ من حيث نوع الإنتاج ومقداره ومن حيث البناء وصلابته وتماسكه في المادة والمعنى ومن حيث القواعد الاقتصادية التي يبنى عليها هو الاقتران الذي يكتب له البقاء. ففي العترة الأولى لا سبيل للذكور – ما عدا الشيخ الزعيم – أن يقوموا بوظيفتهم الحيوية واشتراكهم الجوهري وذلك للطريقة الاستبدادية الحيوانية التي يخضعون لها. وفي الاقتران الموقت على طريقة السباع لا توجد الروابط "العائلية" وأن وجدت فهي ابتدائية وإلى زمن الفطام، وفي الزواج المتعدد الأزواج يكون الرجل "الضرُّ" مثل المرأة الضرَّة على تنازع دائم مع زملائه ناهيك ان الولد لا يعرف أباه إلّا تخمينًا أو اصطلاحًا مما يجعل الروابط بينهما ضعيفة. وفي الزواج المتعدد الزوجات تكيد الضرائر بعضهن لبعض ولو على حساب البيت وخراب الزوج وهدم الأسرة، وتحول غيرتهن دون التضافر المطلوب بين الأب وزوجاته وبينهم وبين الأولاد بل بين الأولاد أنفسهم، لأنّ ابن الضرة هو أيضًا "ضرة" إلى درجة بعيدة. وعرفنا الأيم من الرجال الذي يراعي شعور أولاده أنهُ لا يتزوج من بعد وفاة والدتهم حتى لا يُعرضهم لشيء من المنغصات. ولا يقدر مصائب تعدد الزوجات مثل أهل الشرق لأنهم عرفوا بالاختبار المؤلم أن البيت الذي تدخل فيهِ الضرة تخرج منهُ السعادة.

ولا حاجة بنا بعد هذه التوطئة إلى القول أن التوحد هو الشكل الذي سيحافظ عليه المجتمع، وذلك للمزايا التي يكتسبها الداخلون فيه؛ فالمرأة تعرف أن البيت الذي تبنيه بحسن سلوكها وتوفير مصروفها وترفع عماده بما تبث من الأخلاق في نشئه هو بيتها وبيت زوجها وأولادها من غير منازع.

وكذلك التوحد هو أقرب لأن تكون الأسرة المؤلفة منه صغيرة تتمشى مع مطالب الزمن، وهو الشكل الفذ بين أنواع الزواج من حيث أنه نظامٌ مباح عند الشعوب كافة وحيثما وجدنا الضر أو الضمد أو الزواج الجمهوري أو الاقتران الموقت وجدنا إلى جانبه الزواج الموحد. وقد يكون هذا الزواج في بعض الأوساط الشكل الوحيد الذي تسمح به العادة أو الشريعة. وإذا قسنا قيمة الزواج بمقدار العناية التي تصرف على الأولاد وجدنا الزواج الموحد أثمن أنواع الزواج وذلك لأن العناية بالنسل تبلغ فيهِ أوجّها فنرى الأبوين في عهده يشتركان بلهفة واحدة وعناية متشابهة في خدمة الأبناء، وربما امتدت هذه العناية إلى أن يبلغ الولد الخامسة والعشرين من عمره فيكون صاحب شهادة عالية بفن من الفنون قبل أن يحرم من مساعدة أبويه في حين أن الطفل في الأسرة الأولى كان يترك وشأنه من بعد الفطام.

وقد زالت أسباب كثيرة كانت من العوامل في تثبيت الضر وانتشاره في الأزمنة الماضية منها العقائد الخرافية التي كانت تمنع الرجل من امرأته في إبان الحمل وإلى أجل بعيد بعد الولادة وهي عقائد قائمة على اعتبار المرأة ممسوسة بالشياطين متى كانت حاملًا، ومنها أن ثروة الرجل ومكانته أو قوته لم تعد تحسب بعدد زوجاته وأولاده وأخوالهم، خصوصًا لأن المرأة بطلت أن تكون عاملًا من العمال فقط، وقد زال العمل اليدوي إلى درجة بعيدة فحل محله عمل الحيوانات الداجنة والأدوات والآلات. وقد تلطف شعور الحبّ وارتقى فأصبح أطول أمدًا. ولم يعد الصبا والجمال في نظر الرجل المثقف العامل الجذاب الوحيد. ثم أن المدنية نفخت في الجمال النسائي روحًا جديدة. وأصبح الرجل أكثر احترامًا لشعور المرأة.

وغني عن البيان إننا التزمنا في هذا المقال جانب التوحد وقلنا أنه هو الزواج الذي سيصمد للحوادث وإنه هو الشكل النهائي وكل تغيرات نتوقعها في هذا الباب إنما تكون كما قال هربرت سبنسر من حيث إكماله وتوسيع نطاقه لكن هذا الكلام يجب ألّا يغمض أعيننا عن التطورات الخطيرة التي جلبتها على الأسرة المدنية الصناعية الحاضرة مما سنعرض له في المقال التالي ولا عن آراء بعض الأعلام ممن قالوا بالضر. فقد ظن الدكتور جستاف له بون  في كتابه "مدنية العرب" أن الشرائع الأوربية ستبيح الضر في المستقبل. وقال لتورنو "ليس لنا أن نعتبر الزواج الموحد غاية الغايات في نشوء وضع الزواج وارتقائه وإن كنا نراه مفضلًا على سائر أنواع الزواج المعروفة حتى اليوم". وذهب الأستاذ فون اهرنفلس الألماني المعروف إلى أن إدخال سُّنَّة تعدد الزوجات ضرورية لحفظ السلالة الآرية.

ولا يكون هذا الفصل من قضية [الشق] كاملًا من الوجهة التاريخية إذا نحن لم نختمه بالقطعة الآتية التي ننقلها عن الأستاذ وسترمارك تنويرًا للأذهان وهي: "وبالنظر إلى أن الزواج الموحد كان الزواج المشروع الوحيد المنتشر عند الإغريق والرومان فلا يجوز أن يقال أن النصرانية أدخلت هذا الشكل الاجباري من الزواج إلى العالم الغربي. وأنهُ وإن كان "العهد الجديد" يفرض أن التوحد هو الزواج الطبيعي أو الكمالي إلّا إنهُ لا ينص على تحريم تعدد الزوجات إلّا عند الأسقف والشماس..... ونحن لا نعرف مجلسًا كنسيًّا في القرون الأولى قاوم الضر، ولم توضع أية عقبة دون ممارسته لدى ملوك البلدان التي كان منتشرًا فيها على عهد الوثنية. ففي منتصف القرن السادس كان لديارميت ملك إرلنده ملكتان اثنتان وسريتان. وكثيرًا ما مارس الضر الملوك المروفنجيون. وكان لشارلمان زوجتان اثنتان وعدد عديد من السراري. وتدل إحدى شرائعه على أن الضر لم يكن مجهولًا حتى عند القسيسين. ثم أن فيليب الهسّي وفردريك ويليم البروسي الثاني كل منهما عقد على زوجتين اثنتين بمعرفة رجال الإكليروس اللوثريين. وقد استصوب لوثر نفسه هذا الزواج المثنى.... وتكلم عن الضر في أحوال متنوعة بالتسامح الكثير، فقد ذهب إلى أن الزواج لم يكن محرمًا عند الله، حتى أن إبراهيم وهو مسيحي كامل كانت له زوجتان. ولا ينكر أن الله أباح مثل هذا الزواج لبعض رجال العهد القديم في أحوال خاصة فقط. وإذا أراد مسيحي أن يحذو حذوهم فما عليه إلّا أن يظهر أن هذه الأحوال تنطبق عليهِ. ولكن الضر كان ولا شك مفضلًا على الطلاق. وفي سنة 1650 وذلك عقيب معاهدة وستفاليا.


لوحة للفنان الأردني عصام طنطاوي


لما نقص عدد الأهلين كثيرًا من جراء حرب الثلاثين سنة أصدر مجلس الكريستاج في مدينة نورمبرج قرارًا قال فيه إنهُ من ذلك الحين فصاعدًا يسمح لكل رجل أن يتزوج امرأتين. بل أن بعض المذاهب النصرانية أيدت شرعة تعدد الزوجات بحماسة شديدة وصرح [زعيم] جماعة زوينجلي المصلح الديني السويسري المشهور المعروفون [المعروفة] باسم أنَّا بابتست في سنة 1531 في مدينة منصتر بأن الرجل الذي يرغب في أن يكون مسيحيًّا حقيقيًّا يجب أن يكون له زوجات متعددة. أما طائفة المورمون في ولاية يوتا من الولايات المتحدة – وهم أتباع السيد المسيح على طريقة القديسين المتأخرين – فقد عدوا الضر وضعًا إلهيًّا". 

نتوقعها في هذا الباب إنما تكون كما قال هربرت سبنسر من حيث إكماله وتوسيع نطاقه(15) لكن هذا الكلام يجب ألّا يغمض أعيننا عن التطورات الخطيرة التي جلبتها على الأسرة المدنية الصناعية الحاضرة مما سنعرض له في المقال التالي ولا عن آراء بعض الأعلام ممن قالوا بالضر. فقد ظن الدكتور جستاف له بون(*) في كتابه "مدنية العرب" أن الشرائع الأوربية ستبيح الضر في المستقبل(16). وقال لتورنو "ليس لنا أن نعتبر الزواج الموحد غاية الغايات في نشوء وضع الزواج وارتقائه وإن كنا نراه مفضلًا على سائر أنواع الزواج المعروفة حتى اليوم".(17) وذهب الأستاذ فون اهرنفلس(*) الألماني المعروف إلى أن إدخال سُّنَّة تعدد الزوجات ضرورية لحفظ السلالة الآرية.

ولا يكون هذا الفصل من قضية [الشق] كاملًا من الوجهة التاريخية إذا نحن لم نختمه بالقطعة الآتية التي ننقلها عن الأستاذ وسترمارك تنويرًا للأذهان وهي: "وبالنظر إلى أن الزواج الموحد كان الزواج المشروع الوحيد المنتشر عند الإغريق والرومان فلا يجوز أن يقال أن النصرانية أدخلت هذا الشكل الاجباري من الزواج إلى العالم الغربي. وأنهُ وإن كان "العهد الجديد" يفرض أن التوحد هو الزواج الطبيعي أو الكمالي إلّا إنهُ لا ينص على تحريم تعدد الزوجات إلّا عند الأسقف والشماس(*)..... ونحن لا نعرف مجلسًا كنسيًّا في القرون الأولى قاوم الضر، ولم توضع أية عقبة دون ممارسته لدى ملوك البلدان التي كان منتشرًا فيها على عهد الوثنية. ففي منتصف القرن السادس كان لديارميت ملك إرلنده ملكتان اثنتان وسريتان. وكثيرًا ما مارس الضر الملوك المروفنجيون(*). وكان لشارلمان(*) زوجتان اثنتان وعدد عديد من السراري. وتدل إحدى شرائعه على أن الضر لم يكن مجهولًا حتى عند القسيسين. ثم أن فيليب الهسّي وفردريك ويليم البروسي الثاني كل منهما عقد على زوجتين اثنتين بمعرفة رجال الإكليروس اللوثريين. وقد استصوب لوثر(*) نفسه هذا الزواج المثنى.... وتكلم عن الضر في أحوال متنوعة بالتسامح الكثير، فقد ذهب إلى أن الزواج لم يكن محرمًا عند الله، حتى أن إبراهيم وهو مسيحي كامل كانت له زوجتان. ولا ينكر أن الله أباح مثل هذا الزواج لبعض رجال العهد القديم في أحوال خاصة فقط. وإذا أراد مسيحي أن يحذو حذوهم فما عليه إلّا أن يظهر أن هذه الأحوال تنطبق عليهِ. ولكن الضر كان ولا شك مفضلًا على الطلاق(*). وفي سنة 1650 وذلك عقيب معاهدة وستفاليا (*).

لما نقص عدد الأهلين كثيرًا من جراء حرب الثلاثين سنة أصدر مجلس الكريستاج في مدينة نورمبرج قرارًا قال فيه إنهُ من ذلك الحين فصاعدًا يسمح لكل رجل أن يتزوج امرأتين. بل أن بعض المذاهب النصرانية أيدت شرعة تعدد الزوجات بحماسة شديدة وصرح [زعيم] جماعة زوينجلي المصلح الديني السويسري المشهور المعروفون [المعروفة] باسم أنَّا بابتست(*) في سنة 1531 في مدينة منصتر بأن الرجل الذي يرغب في أن يكون مسيحيًّا حقيقيًّا يجب أن يكون له زوجات متعددة. أما طائفة المورمون (*) في ولاية يوتا من الولايات المتحدة – وهم أتباع السيد المسيح على طريقة القديسين المتأخرين – فقد عدوا الضر وضعًا إلهيًّا"(18)

وغني عن البيان إننا التزمنا في هذا المقال جانب التوحد وقلنا أنه هو الزواج الذي سيصمد للحوادث وإنه هو الشكل النهائي وكل تغيرات نتوقعها في هذا الباب إنما تكون كما قال هربرت سبنسر من حيث إكماله وتوسيع نطاقه(15) لكن هذا الكلام يجب ألّا يغمض أعيننا عن التطورات الخطيرة التي جلبتها على الأسرة المدنية الصناعية الحاضرة مما سنعرض له في المقال التالي ولا عن آراء بعض الأعلام ممن قالوا بالضر. فقد ظن الدكتور جستاف له بون(*) في كتابه "مدنية العرب" أن الشرائع الأوربية ستبيح الضر في المستقبل(16). وقال لتورنو "ليس لنا أن نعتبر الزواج الموحد غاية الغايات في نشوء وضع الزواج وارتقائه وإن كنا نراه مفضلًا على سائر أنواع الزواج المعروفة حتى اليوم".(17) وذهب الأستاذ فون اهرنفلس(*) الألماني المعروف إلى أن إدخال سُّنَّة تعدد الزوجات ضرورية لحفظ السلالة الآرية.

ولا يكون هذا الفصل من قضية [الشق] كاملًا من الوجهة التاريخية إذا نحن لم نختمه بالقطعة الآتية التي ننقلها عن الأستاذ وسترمارك تنويرًا للأذهان وهي: "وبالنظر إلى أن الزواج الموحد كان الزواج المشروع الوحيد المنتشر عند الإغريق والرومان فلا يجوز أن يقال أن النصرانية أدخلت هذا الشكل الاجباري من الزواج إلى العالم الغربي. وأنهُ وإن كان "العهد الجديد" يفرض أن التوحد هو الزواج الطبيعي أو الكمالي إلّا إنهُ لا ينص على تحريم تعدد الزوجات إلّا عند الأسقف والشماس(*)..... ونحن لا نعرف مجلسًا كنسيًّا في القرون الأولى قاوم الضر، ولم توضع أية عقبة دون ممارسته لدى ملوك البلدان التي كان منتشرًا فيها على عهد الوثنية. ففي منتصف القرن السادس كان لديارميت ملك إرلنده ملكتان اثنتان وسريتان. وكثيرًا ما مارس الضر الملوك المروفنجيون(*). وكان لشارلمان(*) زوجتان اثنتان وعدد عديد من السراري. وتدل إحدى شرائعه على أن الضر لم يكن مجهولًا حتى عند القسيسين. ثم أن فيليب الهسّي وفردريك ويليم البروسي الثاني كل منهما عقد على زوجتين اثنتين بمعرفة رجال الإكليروس اللوثريين. وقد استصوب لوثر(*) نفسه هذا الزواج المثنى.... وتكلم عن الضر في أحوال متنوعة بالتسامح الكثير، فقد ذهب إلى أن الزواج لم يكن محرمًا عند الله، حتى أن إبراهيم وهو مسيحي كامل كانت له زوجتان. ولا ينكر أن الله أباح مثل هذا الزواج لبعض رجال العهد القديم في أحوال خاصة فقط. وإذا أراد مسيحي أن يحذو حذوهم فما عليه إلّا أن يظهر أن هذه الأحوال تنطبق عليهِ. ولكن الضر كان ولا شك مفضلًا على الطلاق(*). وفي سنة 1650 وذلك عقيب معاهدة وستفاليا (*).

لما نقص عدد الأهلين كثيرًا من جراء حرب الثلاثين سنة أصدر مجلس الكريستاج في مدينة نورمبرج قرارًا قال فيه إنهُ من ذلك الحين فصاعدًا يسمح لكل رجل أن يتزوج امرأتين. بل أن بعض المذاهب النصرانية أيدت شرعة تعدد الزوجات بحماسة شديدة وصرح [زعيم] جماعة زوينجلي المصلح الديني السويسري المشهور المعروفون [المعروفة] باسم أنَّا بابتست(*) في سنة 1531 في مدينة منصتر بأن الرجل الذي يرغب في أن يكون مسيحيًّا حقيقيًّا يجب أن يكون له زوجات متعددة. أما طائفة المورمون (*) في ولاية يوتا من الولايات المتحدة – وهم أتباع السيد المسيح على طريقة القديسين المتأخرين – فقد عدوا الضر وضعًا إلهيًّا"(18). 


(15) Vol. 1. P. 725.  و H. Spencer, Principles of Sociology



*استعادة من كتاب "القضايا الاجتماعية الكبرى"لعبد الرحمن الشهبندر (دمشق 1882 - 1940)، صدر في طبعته الأولىعن مجلة المقتطف عام 1936 سيصدر، حديثاً عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، في اطار سلسلة "طي الذاكرة".

للمزيد عن الشهبندر:

http://www.marefa.org/%D8%B9%D8%A8%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AD%D9%85%D9%86_%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%87%D8%A8%D9%86%D8%AF%D8%B1

 

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.