Print
محمد م. الارناؤوط

هرم تيرانا: من متحف لديكتاتور إلى مركز ثقافي معاصر

25 أكتوبر 2018
أمكنة

تصادف وجودي في العاصمة الألبانية تيرانا مع الذكرى الثلاثين لافتتاح أهم وأغلى مبنى كلّف الحكم الشيوعي في ألبانيا، التي كانت أفقر دولة في أوروبا، ألا هو "متحف أنور خوجا" الذي كان قد توفي قبل ذلك بثلاث سنوات (1985).

كان المبنى في حدّ ذاته يحمل استفزازا أو تحديا للواقع والمثال، وبالتحديد بسبب شكل البناء الذي اتخذ شكل الهرم، وهو الذي صمّمته المهندسة المعمارية ذوراتا خوجا ابنة الدكتاتور أنور خوجا الذي حكم ألبانيا أربعين سنة ونيف. هذا الاستفزاز طاول الأدباء والسياح القلائل الذين كان يسمح لهم بدخول البلاد آنذاك.

فقد كانت ألبانيا الفقيرة تعيش في عزلة عن أوروبا المجاورة والعالم وتفتقد للأساسيات حتى أن التقشف و"شد الأحزمة" و"الاعتماد على الذات" كانت شعارات المرحلة التي تطبّق على الجماهير فقط. ولذلك عندما توفي "الزعيم العظيم" في 1985 وبكت الجماهير عليه حزنا أو فرحا (لأن الموت هو الوحيد الذي لم يستطع الدكتاتور أن يتخلص منه)، كانت الأفكار والاقتراحات تتوارد لإنشاء مبنى عظيم يخلّد "الزعيم العظيم" بعد وفاته. ولذلك كُلّفت ابنته بتصميم المبنى الذي أنفق عليه دونما حساب حتى أنه لأول مرة استورد الرخام من "بلد رأسمالي" (إيطاليا). وعند افتتاحه في تشرين الأول/ أكتوبر 1988 كان الحدث الأبرز للتعبير عن "وفاء الشعب" لـ"الزعيم العظيم".

هذا الأمر استفز بعض الكتّاب في ألبانيا آنذاك مع تباشير "الربيع الأوروبي" الذي جرف كل الأنظمة المشابهة في أوروبا الشرقية، وخصّص له الكاتب المعروف اسماعيل كاداريه بعد أن "انشق" عن النظام واحدة من أجمل رواياته بعنوان "الهرم"، التي لم تترجم بعد إلى العربية. في هذه الرواية يكشف كاداريه عن كنه الهرم بالنسبة للحاكم الدكتاتور. فالحاكم الدكتاتور يستطيع بوسائل شتى أن يستمر في الحكم وأن يعظّم طيلة حياته، وهو ما فعله أنور خوجا الذي تخلص خلال أربعين سنة من كل معارض محتمل من داخل الحزب وخارجه، ولكن لعلمه أن الموت آت ولا يستطيع التهرب منه يسعى إلى الخلود بشكل آخر ألا وهو بناء هرم يخلده على طريقة الفراعنة. فالهرم من الخارج أو من الداخل يوحي بالرهبة وعظمة الحاكم ويؤمن له الخلود كما هو الأمر مع أهرامات خوفو وخفرع ومنقرع  في الجيزة التي غدت من القاهرة.

كان "الهرم"، كما أصبح يشتهر في تيرانا وألبانيا والعالم، مستفزا للمحيط العمراني في تيرانا. فقد كانت تيرانا أشبه بقرية كبيرة أو بلدة صغيرة عام 1920 عندما أُعلنت عاصمة للدولة الأوروبية الأولى ذات الغالبية المسلمة (ألبانيا)، والتي لم تعرف "التحديث" إلا بعد أصبح رئيسها أحمد زوغو ملكا في 1928، وذلك بمساعدة المهندسين الإيطاليين، لكي يحقق طموحه في التخلص من الإرث العثماني الذي ساد البلاد حوالي 500 سنة وتحويل تيرانا إلى عاصمة بملامح أوروبية حديثة. ومن هنا أصبح جامع أدهم بك (من القرن الثامن عشر) نقطة الانطلاق نحو الشرق لبناء تيرانا الحديثة.

ومع وصول الحزب الشيوعي الألباني إلى الحكم في 1945 وانجراف زعيمه الشاب نحو الستالية أولا ثم نحو الماوية بدت مظاهر "العمارة الشيوعية" أيضا، التي تجمع بين البساطة في المظهر والوظيفيّة العملية دون الاهتمام بالفخامة أو الصرعات المعمارية في الواجهات، تبرز في قلب تيرانا أو في "ساحة اسكندر بك" حيث بنيت المكتبة الوطنية ودار الأوبرا ومتحف التاريخ القومي الخ. وكان آخر ما بني "فندق تيرانا" في جوار دار الأوبرا بعد أن كان "فندق دايتي"، الذي بناه الإيطاليون خلال احتلالهم لألبانيا 1939-1943، هو الوحيد الذي يليق بضيوف ألبانيا الذين يأتون للتعبير عن إعجابهم بنجاح ألبانيا الصغيرة في مقاومة "الإمبريالية الأميركية" و"الإمبريالية السوفيتية".

في هذا السياق جاء "هرم تيرانا" (كما أصبح يعرف) ليقلب المعايير المعمارية الجمالية في المنظومة الماركسية- اللينينية- الخوجوية، وربما لو أن أحدا آخر غير ابنة الزعيم وضع مثل هذا التصميم لاتُّهم بتقليد "المعايير البرجوازية المنحطة". ولكن القدر أو حركة التاريخ شاءت ألا ينعم الزعيم أنور خوجا بالخلود مع هذا الهرم سوى سنتين ونيف. فبعد سنة وشهر من تدشين "متحف أنور خوجا" زال جدار برلين في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 1989 ليبدأ "الربيع الأوروبي" في اكتساح شرق أوروبا وصولا إلى ألبانيا التي بقيت "القلعة الستالينية الأخيرة". فبعد المظاهرات الأولى المطالبة بالديموقراطية في جامعة تيرانا التي تتصدر الشارع الذي يقع فيه "هرم تيرانا" انكسر حاجز الخوف المتراكم منذ 1945 وهجم الشباب الهائج في يوم 20 شباط/ فبراير 1991 على التمثال الضخم لأنور خوجا القريب من "الهرم"، ليكون ذلك إعلانا عن الانتقال من احتكار الحزب الشيوعي للسلطة إلى النظام التعددي وإجراء أول انتخابات ديموقراطية فاز فيها "الحزب الديموقراطي" الجديد.

هذا التحول السريع والتاريخي انعكس فورا على "متحف أنور خوجا" أو هرم تيرانا. فبعد أن كان "الوقار" سيد الموقف انقلب الحال إلى هيجان للتخلص من كل ما يذكّر بإرث الدكتاتور. وبعد أن كان النظام الشيوعي يمنع الشباب من تقليد "الصرعات البرجوازية المنحطة"، وحتى لا يسمح للسياح بالدخول إذا كان شعرهم ولباسهم لا ينسجمان مع المعايير الموجودة ويصادر منهم المجلات وأشرطة الموسيقى "المنحطة"، تحول "متحف أنور خوجا" إلى "مركز ثقافي" للشباب الهائج الذي أراد بسرعة تعويض كل ما فاته أو ما حُرم منه من موسيقى واستعراضات الخ.

كان الحكم الديموقراطي الجديد، الذي مثله الطبيب صالح بريشا رئيسا منتخبا للجمهورية الجديدة، في حيرة من أمره إزاء "هرم تيرانا". فقد أصبح المبنى في البداية رمزا لـ"الفوضى الخلاقة" وتصاعدت الأصوات لهدمه ضمن الحملة المحمومة للتخلص من كل ما يذكّر بالدكتاتور، ولكن الظروف المستجدة حالت دون ذلك. فقد كان من مفارقات التاريخ أن يتحول "متحف أنور خوجا" إلى مقر لقيادة قوات حلف الناتو خلال قصف صربيا المجاورة في 1999.

وبعد طول جدال حول هذا المبنى قررت بلدية تيرانا، التي أصبح هرم تيرانا يعود إليها، أن تقوم بتجديد كبير لـ"هرم تيرانا" (كما استقرّ اسمه الآن) يتحول معه إلى مركز ثقافي معاصر. فقد بني المتحف، على نمط الأهرامات، ليسمح بقدر بسيط من ضوء الشمس بالدخول للحفاظ على جو الوقار في الداخل، بينما يعتمد المخطط المعماري الجديد الذي أعلنته بلدية تيرانا مؤخرا على قلب المعايير بحيث تتحول أغلبية جدرانه إلى زجاج يسمح بدخول أكبر كمية من الضوء. وعوضا عن جوّ الوقار في الداخل فقد شمل المخطط الجديد تحويل "هرم تيرانا" إلى مركز ثقافي معاصر يشتمل على قاعة مسرح وقاعات سينما ومحاضرات ومعارض وأمكنة مفتوحة للكومبيوتر وغير ذلك، مما سيجعل "هرم تيرانا" معلما من معالم العاصمة الألبانية.

ولعلّ في ذلك درسا لمن يعتبر!