}

فيروز العصيّة.. فيروز الدمعة المنسيّة

محمد جميل خضر 1 يناير 2020
آراء فيروز العصيّة.. فيروز الدمعة المنسيّة
"وسط كل هذا وذاك، صعد سؤال كبير: أين فيروز؟"
وهي تدخل شهرها الرابع، سجّلت الثورة اللبنانية مشاركة لافتة من فنانات وفنانين وجدوا فيها ضالتهم، أو تبييض صفحاتهم، أو إعادة بعض الدماء لجماهيرية ضاعت خلال سنين عجاف.

وحدها فيروز ظلّت الأرزة العصية والدمعة المنسية وسط دموع لم تألفها من قبل بلد الفتنة والموضة والفن والبهاء والبحر والسهل والجبل.
دموع ربطة الخبز وحفنة النفط وفتيل العتمة وشح الزيت، كل الزيت، في القنديل.
جاب أحمد قعبور بصوته الجهوري قرى الجنوب وبلداته، صدح مع الصادحين في ساحة الشهدا البيروتية "أناديكم أشد على أياديكم"، ودندن معه أهل بعلبك وصيدا والبقاع جميعه "يا رايح صوب بلادي دخلك وصّلي السلام بلّغ أهلي وولادي مشتاءلن رف الحمام/ اسألّي إمي يا منادي بعدا ممنوعة الأحلام/ وإلّا أياما في بالي والله بتعز الأيام". قعبور البيروتيّ الولادة والنشأة الجنوبيّ الهوى هو من قبض عام 1975 على اللحن عندما قبض الآخرون على الزناد، وساند ضحايا الحرب الأهلية عندما طحنهم الآخرون بشعاراتهم، هو من استهلّ مشواره الفني برائعة الشاعر الفلسطيني توفيق زيّاد "أناديكم"، وهو، بالتالي، من يتجلى نزوله لشارع الثورة ضد الإقطاع الطائفيّ والمحاصصة المصرفية، كمنطق حسابيّ رياضيّ قويم.
وبصوت ضاع في زحام ساحة النور الطرابلسية شارك الفنان مارسيل خليفة "شدوا الهمّة.. الهمّة قوية.. هيلا.. هيلا.." التي لم يكملها مردداً مع الجماهير "ثورة.. ثورة".. وبعدها أسعفه مهندسو صوت ساحة الثورة في طرابلس ببث الأغنية مسجلة.
ومثل بورصة شعبوية كاسحة وبعد توهج المشهد والتقاط اختلافٍ واضحٍ صنعه 17 تشرين اللبناني (التقويم اللبناني الجديد)، تقاطرت الفنانات، وكذا فعل الفنانون، كل يغني على ثورته ويرسم ملامح لبنانه المشتهى.
الفنانات كارين رزق وكارمن لبّس ونادين نسيب نجيم وأنجو ريحان وأمل حجازي وماغي أبي غصن ونادين الراسي وغيرهن وغيرهن، والفنانون زياد سحاب وعبدو شاهين وبديع أبو شقرا وراغب علامة ورامي عياش وجاد خليفة وسعد رمضان ومحمد إسكندر وغيرهم وغيرهم، احتشدت بهم الساحات أو احتشدوا بها، طالبين مشروعيتهم مؤمّلين قبل ذلك تحقيقها مشروعيتها.
وسط كل هذا وذاك، صعد سؤال كبير كاد أن يصبح ممثلاً لـ اللاشعور الجمعيّ اللبنانيّ: أين فيروز؟
إبّان الحرب الأهلية البشعة، سئلت فيروز أنت مع أي طرف، فجاء جوابها المتوقع ربما، أو ربما الديبلوماسي، أو لعله الصادق: "أنا مع كل لبنان".
وفي الحوارات القليلة والنادرة التي أجريت معها أو الأفلام التي صنعت حولها، ظلت صنيعة الرحابنة، كما لو أنها تمشي فوق حقل ألغام اسمه الكلام.
فيروز لا تحب الكلام، فمنذ كانت لا تتعدى الخامسة عشرة من عمرها استبدلوا كلامها بكلماتهما الأخوين، واستعارا رنّة صوتها لألحانهما. وعندما كانا يتعبان أو تجف القريحة مؤقتاً، لم يكن الخيار الثاني أن تستعيد هي مهارة الحكي، لا، بل يمكن هنا تلحين قصيدة لسعيد عقل أو جبران خليل جبران ("أعطني الناي" مثالاً ساطعاً) أو بشارة الخوري (الأخطل الصغير) الذي أخذوا منه "قد أتاك يعتذر" وغيرها، أو إيليا أبو ماضي "وطن النجوم أنا هنا، حدّقْ، أتذكر من أنا"، أو طلال حيدر "وحدن" وقائمة تطول. حتى عندما كانا يتعبان من التلحين فيمكن أن يكون الملحن أحداً غيرهما كما في "وطن النجوم" التي لحنها لفيروز خالد أبو النصر اليافي اللبناني السوري (أكاد أجزم أن لقب اليافي الذي يحمله لم يأتِ عفو الخاطر فلعل له علاقة ما بيافا المدينة التي كانت تعج فناً في ذلك الزمان، حتى أن إلياس سحاب يتحدث عن جمع والده اليافيّ ألبومات غنائية عربية وأجنبية قبل أن يطل القرن العشرين بأعوامه)، وكذلك لحّن لها نجيب حنكش "أعطني الناي"، ومحمد عبد الوهاب "سهار" وغيرها، وزكي ناصيف وفيلمون وهبه وإلياس رحباني شقيقهما الثالث، وطبعاً زياد منذ سبعينيات القرن الماضي وقائمة تطول.
ما أريد أن أقوله إن فيروز لم تَحْكِ لم تثرثر لم تنزل ولا مرّة للشارع، الكلام عندها قصيدة فصيحة أو محكية مشفوعة بلحن صنع هوية الفن اللبناني منذ سبعين عاماً تقريباً.
الحكي الكثير والقليل، الطالع والنازل، جاء من خاصرتها، عندما كشف زياد الابن البارّ أحياناً المارق أحايين، كثيراً من أسرار بيت الرحابنة، وكثيراً من تحالفاتهما، إبّان الحرب وقبل الحرب وبعدها.

ففي مقابلات ومقالات وتسريبات تحدث بشكل فاقع عن زوار يتبعون جهات أمنية واستخبارية بعضهم غير لبنانيين (سوريون على وجه الخصوص)، كانوا يترددون بشكل منتظم على بيت العائلة، كما تحدث عن قصة وضعه بوصفه شاباً يسارياً متمرداً بمشاركة شقيقته الراحلة ليال ميكروفوناً وتسجيله بعض محتويات هذه اللقاءات، وهنا أحيل الراغبين للتحقق من هذه المعلومات إلى مقابلته مع غسان بن جدو على قناة الميادين عام 2012، عندما سأله بن جدو لماذا انتقلت خلال الحرب الأهلية إلى بيروت الغربية، فأخبره زياد أن السبب هو اجتماعات كانت تجري في بيتهم للتخطيط لاحتلال مخيم تل الزعتر، وذكر من زوار بيتهم في الرابية الكتائبيان كريم بقرادوني وميشيل سماحة، ومن السوريين ذكر زيارة ناجي جميل لهم ومعه علي دوبا وعلي المدني، يسهرون في عليّه البيت بينما الصواريخ والمدافع والقنابل تمطر المخيم، بحسب ما يكشف زياد وبن جدو فاغراً فاه غير مستوعب ما يقوله صاحب لحن "سألوني الناس عنك يا حبيبي". لهذا السبب غادر زياد إلى غير رجعة بيت الرابية نحو بيروت الغربية، ولهذا السبب وغيره آثرت فيروز الصمت الطويل، فإن حكت تقول "بحبك يا لبنان يا وطني بحبك/ بشمالك بجنوبك بسهلك بحبك"، وإن أنّت لكل هذه التناقضات من حولها تصدح بحب قمر مشغرة وبطلها وأمير الجبل وحامي الحمى القائد الدرزي الموحِّد فخر الدين المعني الثاني:

"يا قمر مشغرة‏

يا بدر وادي التيْم‏

يا جبهة العالي‏

ومزنرة بالغيم‏"

لتكمل بعد الموّال صرختها "دقة قدمكن" بالاعتداد اللبنانيّ كلّه، بتناولها السياسة من الزاوية الرحبانية النقدية الساخرة، بخوفها من رعونة زياد وانجرافاته المتهورة، بحساباتها الدقيقة، بوقفتها عام 2000 على منصة بيت الدين بعد طول غياب لتغني لعاصي وليس للسلام الأهلي المنتظر: "صباح ومسا.. شي ما بينتسى تركت الحب وأخدت الأسى.. شو بدي دُور لا شو عم دور على غيره.. في ناس كتير لكن ما في غيره.. حبيبي كان هَني وسهيان ما في غيره حملني سنين مانون هينين كتر خيرو.. حبيبي منيح لشو التجريح تعب مني.. أنا اللي كِنْت ما بفهم بِنت حمل عني"، في باقة وفاء نديّة التجلّي، وفي تلخيص، لعله، لمجمل ما كان من فيروز مع الرحابنة والعالم، ومجمل من كان من العالم والرحابنة معها: "أنا اللي كِنْت ما بفهم بِنت حمل عني".
فيروز الغارقة في فوضى المركبة العطلانة في ميس الريم، لا تريد لأهل ميس الريم إلا أن يتذكروا براءة أوداجها واحمرار خدودها وبركات الأيام التي قضتها في الضيعة المنسية مثل دموعها وقد حلّت النزاعات وقرّبت المسافات، وظلت زيّون (اسمها في مسرحية "ميس الريم") في حلّها وترحالها تشتاق إلى (ستها) التي تنتظرها في ضيعة كحلون ومعها فستان العرس. زيّون الـ(جايه ومنّا جايه وهَوْن ومنّش هَوْن)، هي نفسها فيروز الغائبة الحاضرة، الحاضرة الغائبة.
فمن ذا الذي يمكنه أن يحاكم فيروز؟ ومن المخوّل حمل سؤال أينها؟ ومن في مقدوره أن يركض خلف الصبية الثمانينية الراكضة بدورها تلوّح لطيارة من ورقٍ وخيطان وتواصل بحثها السرمديّ عن شادي الضائع بين حربيْن ومقلبيْن وحقيقتيْن: الفن ودور الفن؟

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.