}

ذكرى رحيل جميل راتب.. المتمرد الهادئ على القهر

هشام أصلان 20 سبتمبر 2019

(1)
"يا ريت الحماسة والأماني الطيبة تمنع قوة الحديد. إحنا عملنا اللي علينا يا ولاد. مقصرناش ومسلمناش بسهولة، ومارفعناش الراية البيضا إلا وإحنا مرغمين"- كلمات يقترب بها الدكتور مفيد أبو الغار من نهاية مفتوحة لواحد من أشهر صراعات الخير والشر؛ رأس المال الجاهل مسنوداً بسُلطة فاسدة، في مواجهة حُرّاس قيم الجمال غير المسلحين سوى بيقين في الحق وأياد عارية، وغضب يقاوم شبح قلّة الحيلة. انتهى مسلسل "الراية البيضا" بينما يجلس أبو الغار على الأرض بين أصدقائه في مواجهة بلدوزر فضة المعداوي، يحولون بينه وبين هدم التاريخ. لم نعرف من المنتصر.
تظل شخصية مفيد أبو الغار هي الأقرب إلى طبيعة الفنان الكبير جميل راتب. وأخبرتني الزميلة إيناس عبد الله أنه لم ير نفسه فيها مُمثلاً كبيراً، لأنه لم يكن يمثل، بل كان نفسه. وهو مُحق بشكل كبير، ليس فقط لكونها شخصية نموذجية لمثقف ينتمي للطبقة الأرستقراطية، حال جميل راتب في الحقيقة، لكنهما اتفقا أيضاً، جميل وأبو الغار، في التمرد الهادئ على القهر، في كراهية الظلم ومساندة الرغبة في العدل. جلس أبو الغار أرضاً في مواجهة البلدوزر، ومشى جميل راتب بين صفوف متظاهري 25 يناير ثائراً في الخامسة والثمانين من العمر. وأمس، الخميس، مرّت الذكرى الأولى لرحيله وسيماً في الثانية والتسعين، بعدما حبس المرض صوته تماماً.


(2)

متمرداً قرر أن يعيش كما يحب، خيّب أمل أسرته الأرستقراطية في إكمال مسار التعليم الدبلوماسي. لم يحب طبيعتها الرأسمالية، كونه ميّالاً للعدل والحق في المساواة بين البشر. ذهب في حب الفن غير معتن بغضب الأسرة وعقابها عبر قطع الأموال التي كانت ترسلها إليه في باريس حيث ذهب في البداية لدراسة القانون. عمل في مهن بسيطة كبائع في أسواق الخضر والفاكهة أو شيّال في محطة قطار ليعيل نفسه إلى حين تضبط الدنيا أمورها. أدوار شبابه سنسمع عنها متأخراً. عدد من المشاركات المهمة في المسرح الأوروبي وأفلام فرنسية وتونسية وعالمية ربما أشهرها لورنس العرب، قبل أن يأتي إلى مصر لاستكمال مشواره في عدد كبير من الأفلام والمسلسلات لم يُجلِ دوره في أحدها تقريباً. كان من القلائل الذين ستصدقهم وتحبهم أينما تسلطت عليهم الكاميرا. ستتذكر، من دون عناء البحث، أعمال من قبيل: "رحلة المليون، البداية، الكيف، حب في الزنزانة، الصعود إلى الهاوية، شفيقة ومتولي، الراية البيضا، أحلام الفتى الطائر، عفاريت الأسفلت، زيزينيا"، وكثير غيرها.

(3)
يومها صعد حدث رحيله إلى سقف اهتمام السوشال ميديا والاهتمام الجماهيري وبعض الرسمي دولياً، ومع ذلك شيّع الفنان الكبير حوالي خمسة من زملائه فقط. البعض يقول إن الأمر انتهى قبل أن ينتشر الخبر، وآخرون قالوا إن وجود أغلب الفنانين في افتتاح مهرجان الجونة السينمائي حال دون جنازة تليق به. والمرء يتمنى أن تكون هذه مبررات حقيقية. ما دون ذلك لا يعبر فقط عن عدم تقدير أو وفاء لزميل مهم، وإنما يعبر عن شيء سيء في فقدان الإحساس بالعلاقة بين الفنان والجمهور. الوداعات الباهتة للمحبوبين تزعج محبيهم.
قالت السفارة الأميركية في القاهرة: "بالإضافة إلى أعماله الاستثنائية في السينما المصرية، يتذكره الأميركيون باعتزاز من دوره في فيلم لورنس العرب".
وقالت السفارة الفرنسية: "حياة الفنان جميل راتب المهنية التي جابها بين ضفتي المتوسط ترمز وحدها إلى الطابع الوثيق في العلاقات بين فرنسا ومصر، في المسرح كما في السينما، فإن كاريزما جميل راتب تجعله فناناً لا يمكن نسيانه".
هكذا، وبغض النظر عن الصيغ الرسمية، ربما تأتي حياة فنان، أو حتى رحيله، بشكل لتواصل الإنسانية. تلك الفكرة التي اقتربت من "الكليشيه" بسبب كثرة ترديدنا لها دون بصيص من أمل أن يدرك القائمون على الأشياء في بلادنا المعنى منزوع التحايُل لمصطلح "القوة الناعمة".
هذا فنان التحم حبه للفن بحبه لنفسه، ووصل إخلاصه للتمثيل بطريقة العيش التي يحب. لم ير سبباً للتعجل في الزواج طالما أن هناك صديقات يوفرن علاقات جميلة، وعندما تزوج في أربعينياته لم يهتم بأمر الإنجاب، ذلك أن الفن لا يحقق، وفق حوار قديم أعاد "إعلام دوت أورج" نشره، الاستقرار المادي الكافي لطمأنة تجاه مستقبل أبناء محتملين، مؤكداً عدم ندمه في الكبر، وأن طبيعته قد تؤهله للجنون لو أن بيته كان امتلأ بالأحفاد.

(4)
الحضور الفادح غير مشروط بعمل محكم الصناعة. أكثر أدواره انتشاراً وتحفيزاً على الاقتباس جاء في فيلم "الكيف"، الذي، على جماهيريته، لا يتجاوز كونه أحد أفلام المخرج علي عبد الخالق للإرشاد والنصيحة وتقديم العبرة: "أنا عشت حياتي كلها تاجر كيوف. ابتديتها بالشاي والبن والدخان. قهوجي وبار مان وصاحب كباريه. الكيف شهوة، والشهوة بتشد القرش من جيوب الناس. الناس هم اللي مغفلين، وفي شهوتهم غرقانين. اللي يقف على البر ما يغرقش. اللي بيحبنا هو اللي بيرمي نفسه في حضننا. زمان كنت بغش الشاي بنشارة خشب وأبيعه في بواكي شكلها حلو مكتوب عليها: شاي أبو الأصور. كسبت والماركة بقالها اسم وسمعت، وفجأة النشارة غليت، والنجارين اتملعنوا. عبينا الشاي من غير نشارة، تعرف إيه اللي حصل؟ اتخرب بيتي وفلست. الزباين طفشت وقالوا عليّ بغش الشاي. مش بقول لك مغفلين؟".
هكذا، وعلى رغم أدوار كثيرة صنعت له تلك المساحة في ذاكرة المصريين، فإن بروزه الجمهوري العريض كان كأجمل تاجر مخدرات في تاريخ السينما، مستشهداً طوال الوقت بحكمة "فيلسوف الكيف"، وواضع أبسط نظريات إفساد الذائقة وأكثرها جاذبية.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.