}

روحي في أزقة اللاذقية وبحرها

هيفاء بيطار هيفاء بيطار 25 نوفمبر 2019
آراء روحي في أزقة اللاذقية وبحرها
لوحة شهداء سوريا للتشكيلي تامر التركماني
منذ بداية الثورة السورية وجدت نفسي وحيدة تماماً في اللاذقية، فابنتي الوحيدة سافرت إلى بريطانيا لتكمل دكتوراة في هندسة الاتصالات في جامعة سانت أندروز وتزوجت أستاذاً جامعياً إيطالياً في العلاقات الدولية. وأمي وأبي العجوزان حصلا على بطاقة الإقامة لمدة عشر سنوات في فرنسا. وأخي وأختي طبيبان يعيشان منذ ثلاثين سنة في باريس. كان خياري أن أبقى في اللاذقية، فالأمكنة أرواح وأنا معنية تماماً بوجع شعبي السوري الحبيب وأعشق كل زقاق في اللاذقية، حتى ضجري أشتاق إليه، رغم فقر اللاذقية بكل شيء ثقافي وإبداعي، ورغم أنها لا تقدم لك شيئاً يُغني العقل والروح، فلا سينما فيها ولا مسرح بمستوى ولا نشاطات ثقافية حقيقية (نشاطاتها الثقافية من نوع: كيف نقول لا لأميركا أو الغزو والتطبيع الثقافي.. إلخ). لكن رغم كل فقر تلك المدينة قررت أن أعيش ما تبقى من عمري فيها لأكون شاهدة عصر أنقل بصدق ونزاهة ما يجري في وطني (وخاصة اللاذقية).

ورغم تعرضي لمضايقات متكررة ومُهينة من قبل فروع متعددة من الأجهزة الأمنية، الذين كانوا يستدعونني بسبب مقالاتي التي أنشرها خاصة في جريدة "الحياة"، ويذلونني بالانتظار لساعات قبل أن يقابلني ضابط الأمن الذي يبدأ كلامه بأنه من المعيب عليّ وبأن وطنيتي مشكوك بها وناقصة لأنني بمقالاتي أنشر الغسيل الوسخ! واكتشفت أن هذه العبارة (الغسيل الوسخ) مشتركة ومُتفق عليها في كل فروع أجهزة الأمن التي استدعتني وكنت أقول لهم بأن الكتابة بالنسبة لي هي تحديداً نشر الغسيل الوسخ أي نقد الأخطاء في مجتمعنا، وكانت تشفع لي عبارة الرئيس حافظ الأسد الذي قال: السكوت عن الخطأ مشاركة فيه. فما أن أقول هذه العبارة حتى يحل الصمت المتوتر وينقطع الكلام، لكن الإزعاجات استمرت. ومن عجبي أنه كان يتم استدعائي إلى عدة أجهزة أمنية مختلفة بسبب المقال نفسه!! حتى أنني سألت ذات يوم أحد الضباط الذي يحقق معي: لماذا استدعيتني بسبب هذا المقال وأنا منذ ثلاثة أيام كنت في فرع أمني آخر! فقال لي بأن هناك ما يُسمى في القضاء بالتطابق أو نظرية التطابق!! وطبعاً لم أفهم شيئاً حتى أنني سألت محامين فيما بعد عن نظرية التطابق فأجمعوا على أنهم لم يسمعوا بها. إذاً كل الغاية من اختلاق تعبير تطابق هو لإذلالي واستدعائي ساعة يشاؤون إلى أجهزة أمن الدولة.

وبما أن السوري أصبح ملعوناً ومذلولاً عند باب السفارات، فقد عمد أخي، وهو رئيس قسم القسطرة القلبية في مدينة فيشي، إلى طلبي كنوع من لم الشمل، كي أتمكن من السفر ولقاء أسرتي وابنتي، وكنت أضطر أن آتي كل عدة أشهر إلى باريس بانتظار تجديد بطاقة الإقامة، وكنت غير متصالحة على الإطلاق مع باريس رغم عراقتها وحضارتها وجمالها الآسر لكنني كنت أشعر أنها لا تعنيني ولا تخصني وبأن روحي هي هناك في أزقة اللاذقية وبحرها الذي أعشقه والذي كتبت معظم قصصي القصيرة في مقاهيه البسيطة. كنت أشتاق حتى للشاب الفقير الذي كان يُشعل نار الأركيلة والذي يناديه الزبائن (نارة يا ولد) كأن لا اسم له، حتى عرفت أن اسمه علاء وبأنه من سراقب ووالده متوفي وهو يعيل أمه وأربعة من إخوته ويدرس ليلاً. كنت أشعر أن مكاني بجانب علاء أنقل وجعه وأصرخ بأن اسمه علاء وليس (نارة يا ولد).


وجع وأسرار وقصص
كنت يومياً أقصد المقاهي الشعبية أقضي فيها ساعة وأحياناً ساعتين شاعرة أن وجوه الناس حولي تبوح لي عن وجعها وأسرارها وقصصها. كنت أعد عدد الأطفال المتسولين الذين تتراوح أعمارهم بين سنتين وعشر سنوات وكانت أعدادهم تفوق 17 متسولاً في الساعة ومعظمهم حفاة وثيابهم رثة وشعورهم ملبدة من عدم الاستحمام، وكانوا كلهم يقولون بصوت يُدمي القلب: نحن جياع. هؤلاء هم الناس الذين أريد أن أعيش معهم وأكون صوتهم. طوابير الناس على الأفران أيضاً ينتظرون ساعات من أجل بضعة أرغفة خبز، وثمة كوة للنساء وأخرى للرجال وثمة كوة للعساكر! لأن الجنود أيضاً فقراء، ولأن هناك مشفى كبيرا كان اسمه المشفى العسكري أي يستقبل المجندين المصابين بالحرب، لكن هذا المشفى أغلق وتحول إلى مشفى لتركيب الأطراف الاصطناعية فقط لأن أعداداً هائلة من شباب سورية وخاصة المُجندين عُطبوا، فقدوا رجلاً أو يداً أو عيناً أو عدة أعضاء، وتحول مشفى الأسد الجامعي إلى المشفى العسكري. المهم كنت أضطر كل عدة أشهر لأن أسافر إلى باريس لتجديد بطاقة الإقامة وللقاء أهلي وابنتي وكنت أقضي ساعات يومياً في المشي والتسكع في شوارع باريس الساحرة وتحديداً أزقتها وألتقط صوراً أنشر معظمها على الفيسبوك، كما كنت ألتقط صوراً للمتسولين والمدمنين، وكانت شتائم مُروعة تنهال عليّ من أشخاص لا أعرفهم (وعلى الأغلب أسماؤهم مستعارة) يتهمونني بالبرجزة وبأنني شبيحة وموالية للنظام، وحجتهم أنني دائمة السفر من باريس إلى اللاذقية والعكس، حتى أنني كتبت أكثر من مرة أنني مُنعت من السفر ثلاث مرات وتلقيت قرار منع السفر على حدود العريضة (الحدود السورية- اللبنانية) لكن هؤلاء الحاقدين كانوا يقولون لي: صحيح مُنعت من السفر لكنهم سمحوا لك فيما بعد بالسفر!!!! يا سبحان الله من لا يسعى لإزالة منع السفر عنه، وهل إثباتي لوطنيتي وبأنني لستُ شبيحة يكون بأن أظل ممنوعة من السفر!! البعض كانت تهمهم وشتائمهم بأنني متواطئة ضمنياً مع النظام وفروع الأمن بدليل أنني كتبت أكثر من مئتي مقال وأنا في اللاذقية وهم يعترفون بأن أجهزة الأمن تستدعيني من وقت لآخر ويجبرونني أن أكتب تعهداً ألا أكتب في كذا جريدة، لكن هؤلاء الحاقدين يقللون من شأن انتهاك كرامتي باستدعائي لأجهزة الأمن ويقولون لي: أترين لم يعتقلوك!!! كأنني حتى أكون وطنية وأثبت وطنيتي يجب أن أُعتقل وأعذب حتى الموت في السجون، وعندها أكون بالنسبة لهؤلاء المرتاحين في بلاد النزوح والذين يحكون ما يريدون دون أن يجرؤوا على قول ما يقولونه لو كانوا في سورية، لكن تهمهم جاهزة وتخوينهم جاهز لكل مثقف (أو حتى إنسان) لا يزال يعيش في سورية. وأحد من يدعي أنه زعيم معارضة في الخارج قال لي: عيب عليك لازم تقدمي أوراق لجوء!! فما معنى أنك تسافرين ببساطة بين باريس ووطن النظام. قلت له: سورية ليست وطن النظام بل وطن السوريين، وأنا من حقي أن أعيش في وطني ومع أحبتي ولأنهم قضيتي ووجعي وناسي ومن حقي أن أموت في وطني أيضاً. أتعجب من شخص يدعي أنه بطل مُعارض في معارضة الخارج ويقبض مالاً وفيراً من إحدى الدول الخليجية أن يخوّنني لأنني لا أقدم لجوءاً ويريدني (مثله) ألا أدوس تراب سورية المُعمد بدم شهدائه. أما التخوين الذي أكثر ما يؤلمني فهو قول البعض (أقصد من يدعون أنهم معارضة الخارج الناطقة باسم الشعب السوري، والشعب السوري براء منها).. هؤلاء يخونونني بأنني مدعومة من قبل النظام وأجهزته الأمنية لأنني مسيحية! ولأن النظام يدعي أنه يدافع عن الأقليات، حتى أن أحدهم قال لي لو كنت مسلمة سنية لكان النظام اعتقلك.

يا للعار، يا للخزي، يا لتكريس الطائفية، أتخيل لو أن هذا الشخص تبوأ منصباً حساساً في الحكومة السورية فبأية طريقة سوف يتعامل مع الناس! سيفرزهم طائفياً بالتأكيد وسيرسخ الطائفية.
لأعد إلى الداخل السوري فأنا مُتهمة بأنني معارضة بامتياز لأن كل مقالاتي تفضح الفساد وذل العيش والراتب الحقير وانعدام الحريات، أحد أصدقائي تم استدعاؤه إلى الأمن العسكري لأنه تلقى مكالمة من معارض تجمعه به صداقة قديمة، ولأن الشعب السوري مُروع سلفاً ومنذ عقود فلم يجرؤ صديقي على الرد على المكالمة ومع ذلك تم استدعاؤه إلى أجهزة الأمن بتهمة التخابر مع الخارج، وكالعادة أذلوه بالانتظار لساعات قبل أن يحقق معه الضابط. ولا يمكن أن أنسى يوم التقيت لنصف ساعة فقط بموظفتين أميركيتين تعملان في المركز الثقافي الأميركي في دمشق عام 2010 ويومها كان مدير المركز الأستاذ عبد الرؤوف عدوان الذي قال لي ستلتقي معك موظفتان أميركيتان تعملان في المركز الثقافي الأميركي وكنت يومها مُرشحة لأشارك في المؤتمر العالمي للكتابة في جامعة أيوا في أميركا وقد سبقني للمشاركة فيه الكاتب المبدع خالد خليفة، لا أنسى أنني يوم التقيت الأميركيتين لمدة نصف ساعة فقط في الكازينو وتحدثنا عن المحاضرات التي سألقيها هناك (في مؤتمر الكتابة العالمي الذي يضم أكثر من ثلاثين كاتباً من كل أنحاء العالم) في اليوم نفسه تلقيت اتصالاً الواحدة بعد منتصف الليل من شخص اسمه ياسر قال إنه من أمن الدولة وطلب مني الحضور صباح اليوم التالي إلى مبنى أمن الدولة لشرب فنجان قهوة! وحين سألته ما التهمة الموجهة ضدي؟ قال: لا أستطيع الكلام لأن التلفونات مراقبة!! فصرخت رغماً عني: ومن يراقبها غيركم. ويمكنني ذكر مئات القصص والمواقف التي يخونني بها سوريون من الداخل والذين يحلو لهم أن يتخيلوا (ويؤمنوا بخيالاتهم) بأنني حين أسافر إلى باريس ألتقي كل المعارضين!!!

تُهم من الداخل ومن الخارج جاهزة سلفاً
إذاً هناك تُهم من الداخل جاهزة سلفاً وتهم من الخارج جاهزة سلفاً، وأنا بالنسبة لمعارضة الخارج شبيحة وموالية للنظام لأنه لم يعتقلني!! وبالنسبة لبعض السوريين في الداخل خاصة العاجزين عن السفر معارضة لأنني أكتب في جرائد تنتقد النظام ولأنني أسافر كثيراً. حتى أن أحد الحاقدين اتهمني لأنني أنشر صوراً من متاحف باريس ومن جامعة غلاسكو العظيمة (حيث مثلوا فيها مشاهد كثيرة من فيلم هاري بوتر) بأنني برجوازية ولا أشعر بمشاعر المحرومين والفقراء وبأنني أقضي أيامي في باريس متنقلة من مقهى إلى مقهى.. إلخ. لست وحدي من أعاني هذا التخوين المزدوج. فالكثير من المثقفين السوريين في الداخل السوري وهم معارضون للنظام لكن يُتهمون بأنهم شبيحة لأنهم لا يزالون في الداخل!! حتى أن أحد أعز أصدقائي يوم كتب مقالاً بعنوان: ليتها لم تكن؛ أي ليت هذه الثورة التي سرعان ما شوهت وخُطفت وعاث فيها المجرمون فساداً وهم يدعون أنهم أصدقاء الشعب السوري، وكتب يومها ليتها لم تكن هذه الثورة المشوهة ولم يمت طفل سوري، رد عليه بحقد فظيع أحد معارضي الخارج: ليتكم أنتم لم تكونوا.


أكتب هذا المقال ليس دفاعاً عن نفسي على الإطلاق، فكتاباتي خير دليل على موقفي، ويكفي أن المثقف السوري الوطني الأستاذ حسان عباس جمع كل مقالاتي في كتاب ووضع له عنواناً "أن تكون إنساناً"، لكن ما يؤلمني حقاً وما يُشعرني بالكثير من خيبة الأمل واليأس أن كل السوريين خاسرون في هذه الحرب القذرة، ويكفي الانهيار الاقتصادي المروّع، يكفي أن كل أسرة مات من شبابها شاب أو أكثر. يكفي هجرة نخبة الشبان إلى دول اللجوء، تكفي العنوسة التي أصبحت كارثة في المجتمع السوري، كل تلك العوامل وبدل أن تدفع السوريين ليتعاطفوا مع بعضهم وليساندوا بعضهم وليحبوا بعضهم لأنه بالحب وحده تُبنى الأوطان، نجدهم في قمة الأحقاد يخوّنون بعضهم ويشتمون بعضهم، والكثير منهم تلقى تهديداً بالقتل بسبب مواقفه أياً كانت. لم يتعلم السوريون بعد تسع سنوات من الجحيم السوري أن الوطن للجميع وبأننا أخوة في الإنسانية، وبأن كل الأديان هي دين محبة والله واحد. خسارة تلقي التهم من الخارج والداخل. المشكلة أن تكون إنسانياً ومنطقياً ومعتدلاً وعندها الكل يحاربك أما أن تكون متطرفاً وعدوانياً فالكل يصفق لك.

مقالات اخرى للكاتب

آراء
22 يناير 2020
يوميات
28 ديسمبر 2019
آراء
21 ديسمبر 2019

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.