سيدي القائد... أنت مسخرة

نبيل سليمان 14 يوليو 2017
آراء سيدي القائد... أنت مسخرة
عمل للفنان السوري سبهان آدم

 

ثمة ذروتان في الإبداع الأدبي العربي الساخر المعاصر، هما مما أنعم به علينا الراحلان إميل حبيبي وغازي القصيبي. وفي ما يتصل بالسخرية السياسية، وبخاصة من الديكتاتور، تتبدى ذروة غازي القصيبي في روايته (العصفورية)، ومنها شخصية برهان سرور الذي قاد حزب الانطلاقة – هل هو حزب البعث؟ - إلى سدة الحكم في عربستان 49، أي بلد عربي هو؟

بدأ هذا القائد المفدى عهده بمحاربة الديمقراطية، فشكّل إحدى وخمسين لجنة، واحدة لتصويره وأخرى لبث أخباره وثالثة لمراقبة أعدائه ورابعة لخطبه... وحلم القائد الملهم أنه أصدر قراراً بالحكم على كل بيرقراطي بالتخلص من ستين كيلوغراماً من وزنه خلال شهر، وإلا فالإعدام ينتظره. وسرعان ما جاء وزير التصفيات الدموية بالغ النحول، ومثله وزير المحاكمات العادلة الدموية. كما حلم الزعيم أنه أمر بإعدام نصف مليون مرتشٍ. ولما أعجزته وسيلة التنفيذ الجماعية ، قرر أن يعدم كل يوم ألفاً، وسمّى منطقة التنفيذ أم الإعدامات – تراها أم المعارك العراقية؟. لكن المرتشي الأول أعلن أمنيته الأخيرة أن يرفع الغطاء عن عينيه ليكون وجه الرئيس آخر وجه يراه، فعفا الرئيس عنه. ثم توالت أماني المرتشين: واحد أن يقبل وجه القائد المفدى، وآخر ركبتيه، وثالث حذاءه، فعفا القائد الملهم عن الجميع، وأمر لكل مرتشٍ بوسام الرشوة الوطنية من الدرجة الثانية، وسمى الساحة بأم الأوسمة (؟)، وجلجلت البيروقراطية بألقاب الديكتاتور: زئير العلماء، فجر الحكمة، صوت السنوات الضوئية...

بالاطّراد مع ما بلغ القائد/ الزعيم/ الرئيس/ من دَرَكٍ ما بعده دَرَك، تواتر الإبداع الروائي العربي الساخر من هذا المتأله المتأبد، ومن بدائع ذلك ما تحلو عنونته بإحدى علّتي الديكتاتور في البروستاتا أو في البواسير.

سنوات البروستاتا:

هذا العنوان هو لرواية الصافي السعيد، التي يحمل الرئيس فيها اسم النعمان أبو النعيم. وسرعان ما يكتشف القارئ أنها تنادي سيرة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، لكنها تنادي أيضاً هذا الرئيس العربي أو ذاك، وذاك الرئيس غير العربي أو ذيّاك، وللقراءة أن تبدل اسماً باسم كما تشاء.

بعد عقد من استيلاء الرئيس على الحكم، روجت السيدة الأولى نجلاء الحلواني أن سرطان البروستاتا يفتك به، فثارت ثائرته، بعدما تراجع المرض ونوى على ولاية جديدة، وتم تعديل الدستور من أجل ذلك. ومن قبل كانت رواية ماريو بارغاس يوسا (حفلة التيس) قد صورت إصابة القائد تروخييو بسرطان البروستاتا. وبعد عملية جراحية عادت العلّة سريعاً. وبعد تحليلات وملامسات شرجية مزعجة تقيّأ الطبيب كلماتٍ هذيانية: بروستاتيس عنقودية، ثم ألحّ طبيب البولية على جراحة فورية، إذ يمكن للداء أن ينتقل، كما يمكن للجراحة والعلاج الكيميائي أن يُطيلا الحياة سنوات. لكن طبيباً آخر نفى السرطان ونفى ضرورة استئصال البروستاتا، فماذا كان جزاء ذينك الطبيبين؟

 كانت السيدة الأولى القادمة من أسرة متواضعة، مثله، قد قرأت أن السلطة في بلاد العرب تخلو من النساء، فحلمت بأن تكون أول رئيسة لدولة عربية، وراحت تدشن في رأس كل سنة هجرية مسجداً جديداً، ردّاً على التطرف الإسلامي، فباتت الملتزمة بدينها بعدما كانت المتهمة بأخلاقها، وجعلت من الرئيس المتهم بالزندقة والعداء للإسلام رئيساً مؤمناً في عيون الشعب، وأشرفت على مشاريع اجتماعية وخيرية، حتى إذا أنجبت له ذكراً، دقّت ساعتها ورضخ الرئيس لمشيئتها، فعقد الحزب الحاكم مؤتمراً استثنائياً ورشّحها للرئاسة بالإجماع. وقبيل الانتخابات أعلن الرئيس عزمه على التنحي بسبب سرطان البروستاتا، وتقدم منافسون متفق معهم، وفازت الرئيسة بنسبة 70% فقط، درءاً للسخرية.

بعد موت الجميع، جمعتهم الرواية في زمن آخر، في البرزخ بين الجنة والنار، حيث أخذت كل شخصية تسترجع حياتها. وبالطبع، تركزت هذه اللعبة الروائية على الرئيس الذي بدأ صعوده بزواجه من ابنة جنرال. وما إن عاد من دورة تدريبية في فرنسا حتى افتعل مؤامرة عسكرية، واتهم ضباطاً بالإعداد لانقلاب. ولما عيّن سفيراً في فيينا، نظم أول لقاء بين العرب والإسرائيليين ليلفت إليه نظر أميركا. ثم نقل إلى لندن حيث تسلل إلى الحركات الإسلامية. وفي تونس أحرقت مجموعة إسلامية مقر الحزب الحاكم وقتلت حارسه، فاستدعى الرئيس الشيخ – أليس الحبيب بورقيبة؟- النعمان أبو النعيم مديراً للأمن، فوزيراً للداخلية، فرئيساً للوزراء، واقترح النعمان على رئيسه الشيخ تصنيع المعارضات قبل أن تصنع نفسها.

أحلَّ النعمان نفسه محل الرئيس الشيخ. واشتهر الرئيس الجديد بأنه زير نساء، وبارع في ابتزازهن وخداعهن وإهمالهن. وقد قدمت له عشيقته سيدة أعمال "دوخت نصف دزينة من رؤساء العرب، تتميز بالمكر والجرأة وقوة الذاكرة". وهي متزوجة ولها بنات وعلاقات، مثل الرئيس. وبعد زواجها منه جمعت ثروة طائلة، وعملت في تهريب الأموال وتبييضها، وصار إخوتها أشبه بالمافيا، وأخذت تتدخل في شؤون الدولة، وتعين أتباعها في مناصب عليا، إلى أن ورثت الرئيس الذي كان يحتقر الشعب، وهو من ورث سلفه الذي كان يرى الشعب غباراً "لا قبائل ولا طوائف ولا أحزاب ولا أقليات ولا حتى مرجعيات ثقافية أو راديكالية.. إسلامهم فولكلور، ولغتهم مدجنة" وبالتالي، ما من شعب في هذه البلاد. أما الرئيس النعمان فكان يرى أنه لا يمكن لحاكم إلا أن يكون مستبداً. وليس مهماً بعد ذلك أن يكون مستنيراً أو عادلاً أو مخلصاً لوطنه وشعبه، فهذه إضافات وأوصاف بلا معنى. وبما أنه ما من عدل في الدنيا يمكن أن يعم على الناس جميعاً، فالناس على مر التاريخ يتقبلون الطغيان، حتى يصبح الطاغية أو الحاكم المستبد بمثابة القدر أو ظل الله على الأرض، والناس يتسابقون إلى تقديسه وتأليهه.

سنوات البواسير:

في منتهى رواية علي مصباح (حارة السفهاء) يُبتلى الرئيس بمحنة البواسير، وكانت قلة الحياء في عهده قد غدت أقصر السبل إلى بلوغ المآرب. وبالطبع، لا حياء في الطب، لذلك يموء بوقيس، قرد الرئيس ووزيره: "إنها البواسير يا سيادة الرئيس، مرض أكابر يا صاحب الفخامة. وها إنك ستدخل التاريخ بمؤخرتك أيضاً، أو مشياً إلى الخلف، فتقول عنك الكتب فيما بعد إنك دخلت التاريخ (زقفونة)".

بسبب بواسير الرئيس أخذ عدد الأطباء يتناقص طبيباً كل أسبوع، إذ لا يحق أن يظل على الأرض من كشف مؤخرة الرئيس. وفي هذا الباب المتأخر من الرواية المبنية على هيئة أبواب، يتحدث السارد عن نطق البهائم بين يدي الرئيس، وعن إتقان الرئيس لغاتها المتعددة، حتى خاطب الناس بلغته التراثية الناصعة: علمنا منطق الطير، وأوتينا من كل شيء، إن هذا لهو الفضل المبين. أما السارد فيتابع بلسانه – لغته المختلفة أن الرئيس استعاض عن الهدهد بالقرد، وحجّت إلى قصره فصائل الدواب والزواحف والحشرات وكل ذي نفس من غير بني آدم، وعمّد بملك البهم، وقيل السيمرُغْ". وقد أمر الرئيس بالاستغناء عن كتاب فريد الدين العطار (منطق الطير) لما فيه من مقولات الزهد والتصوف التي ينكرها (سيادته). كما أمر (سيادته) بالاستغناء عن كتاب (كليلة ودمنة) لما يحوم حول أغراض تأليفه من شبهات سياسية. ولأن (فخامته) تعلم لغة الدواب والطيور حتى أتقنها، فقد بدأ يفكر في جعلها اللغة الرسمية الثانية للدولة، وعين وزيراً للدواب والمراعي، وأمر بتشكيل مجلس استشاري شبيه بمجلس الشيوخ، ومكون من نواب عن البقر والنمل والنحل. وهذا التحوين الديكتاتوري للبشر سبق لرواية هاني الراهب (رسمت خطاً في الرمال) أن أبدعت فيه كما أبدعت في لغتها التراثية الناصعة وفي سخريتها الكاوية.

 لأن للرئيس النعمان حساسية حادة ضد رائحة الياسمين، حتى أثارت نوبات عطاسه شكوك الأطباء، فقد أمر بإخفاء الرائحة. وبعد يومين من إعلانه مدينة تونس عاصمة كونية للياسمين، أعلن الحرب على الياسمين، لكن الياسمين ظل ينمو ويزهر بسرعة.

وفي سانحة من كثير لجنون السرد في رواية (حارة السفهاء)، يشتبك الحكواتي بالقرد بصاحب الفخامة بأبو قيس بـ.. شهرزاد. أما الإنسان، فهو، بلسان القرد الذي يتحول إلى أبو قيس: الحيوان الميتافيزيقي الوحيد، يهفو إلى الخلود والربوبية، ووحده يؤمن بالأوهام، ووحده يجن ويختبل دون خلل فيزيائي موحد. وقد أفحم القرد/ أبو قيس الفقهاء، وأدهش العوام، وهو يعد كرامات سيادته الذي تكلمت البهيمة بين يديه عند ولادته، ولم يصرخ، بل قهقه. وقيل إنه في سنة ولادته ولدت الماعز والبقر والأغنام ثلاث مرات في السنة، وكلها متئم وليس فيها عقيم. وقال منجّم إن عدد الوليد هو السابع ونجمه ساطع، في إشارة إلى السابع من نوفمبر عام 1987، وهو تاريخ استيلاء زين العابدين بن علي على الرئاسة التونسية.

بالبركة جاء تفسير معجزة اختصار الرئيس لمراحل تسلق سلم الترقيات العسكرية إلى رتبة العقيد، التي تخطاها بزواجه من ابنة جنرال – كما رأينا في رواية (سنوات البروستاتا) – وذلك لأن إشراقة ربانية فتحت عيني زوجة الجنرال على سر البركة الكامنة في العقيد الذي كان عظيم الجثة، خامل الذهن، غليظ الطبع، حاد المزاج، كذاباً نهاباً. وقد اشتهر طويلاً عند العسكر والعاهرات والقوادين بالبغل العسكري، وكانت أخته الكبرى تلقبه برأس البغل وبالسطل المقعور. لكنه كان في عيني الجنرالة زوجة الجنرال كنز البركات والكرامات.

من كرامات الرئيس بعد استرئاسه أن ماءً كثيراً غمر الأرض التي احترقت عطشاً سنتين. وقد أمر الرئيس بالاحتفال تبركاً بالطوفان الذي جعل المدينة بحيرة، فصلّى مفتي الجمهورية في الناس صلاة الاستكفاء – على وزن الاستسقاء – وخطب: "أيها الناس إني أشهد، ووليّي الله، أن هذا أميرنا وإمامنا وملكنا وخليفة الله فينا وقائدنا وزعيمنا وأسد على ذريتنا".

تصور الرواية صعود الرئيس على لسانه بالسير على النسق الحلزوني البطيء الدؤوب الذي لا يستفز ولا يصدم. ويرى نفسه الماكر المحتال الطماع الخوّاف العطوف حيناً، القاسي أحياناً، المنبسط المنقبض الذي يتطاوس على الصغار وينحني أمام الكبار، المرح حد الفجور، المثقل بالضغائن والأحقاد، الذي انسرب من "أتوجّع، أنكمش، أمشي على الرقاب، أدوس، أهرس، أهرش، يمناي تمنح، ويسراي ممدودة للنهب والنهش والافتكاك، مثلكم جميعاً".

لكن الرئيس هو أيضاً من يهدر: "لست مثلكم ولا أنا منكم". وسيمضي في تفرده حتى يقال إنه جاء مفرقاً بين النور والظلمة، بل هو المؤاخي بينهما، لأن المتناقضات والثنائيات تنتفي على يديه. وبهذه اللغة – اللسان الفلسفي ترسم الرواية سيادته واحداً في ذاته، كما الحق واحد، من جهة كونه المبدأ الأول والأخير للوجود. وهو متعدد في صفاته، لا بتجزئة ولا بانقسام، بل بكرم وفيض وتنوع. لكن الرئيس المتأله غدا محتاراً في كل ذلك. ولأن الانقلابات والأعمال الدنيئة لا تتم إلا في الظلام قرر أنه ليس ذاتاً ثالثة بين النور والظلمة، بل "أنا النور". وقد أبدعت روايات عديدة في هذا التأله والتأليه، وفي السخرية منه، مما كتب غازي القصيبي وفرج العشة ومؤنس الرزاز وعماد شيحة...

في (باب سعدون) من أبواب الرواية، وفي حفل استقباله عائداً من معركة الجراد، يلقي الرئيس خطاباً يفقده صوابه، فقد تفلسف سيادته، حتى بات في (باب سيدي عبد السلام) يتحرش بالمطالعة، وجيء بمعلم، وبدأ الدرس الفلسفي. لكن حكمة الرئيس أرقى من الفلسفة، وهو غني عن الفلسفة بالحكمة الإلهية. لذلك لم تتأخر الحملة التطهيرية، حيث عمم بوقيس، بأمر رئاسي، بلاغاً عاجلاً يدعو إلى قطع دابر الفلاسفة، ونصب الفلقات في الساحات العمومية لجلد التلاميذ والمريدين وكل المتحرشين بالفلسفة وما شابهها، وذلك ضمن تمرين وطني يشرف عليه ممثلو إدارة الأمن والثقافة، وتُعفى الحوامل لأسباب إنسانية. وقد اتهم في الحملة مواطنون بسطاء بتعاطي الفلسفة، ونالوا الجزاء.

في (باب البحر) أُقنع الرئيس بضرورة الالتفات إلى الأدب، وهو الذي كان يمضّه الرهط المتعاطي بالعبث الأدبي المجاني، ويحلم بلقب حارس الآداب وراعي الثقافة والعلوم، حتى إذا نادى بربيع للشعر، نظم بوقيس ووزير القلم والميكرفون البيان الشعري الطلائعي، ثم حركة تعديلية وعكاظيات، ومعركة شعرية بين الشاعر الأفجح الذي لقبه رئيسه بالدحداح، وبين خصمه الملقب بالسردول، لكن الرئيس يئس من الشعراء، واحتقاراً لهم لم يحبس أحداً، وأهداهم ضيعة معزولة..

لم يكن يحلو لصاحب الفخامة أمر مثل الهراش الجسدي، من صفع وركل وتعرية للمؤخرات، والممازحة  بالكشف على العورات، عملاً بالمثل القائل: "لا يحب المُلَح إلا ذكران الرجال ولا يكرهها إلا مخنثهم". وقد أمر صاحب الفخامة الناس بنبذ أحاديث القيل والقال "وحكايات تطلب المحال، وتزين لكم أوهاماً من صنع الخيال، ولا تقبلوا على كل قصّاص أو حدّاثٍ دجّال محتال". ومقابل هذا اللسان السجعي من ألسنة – لغات الرواية، يصدح فيها اللسان الشعبي – العامي، كما في الانثيال اللغوي في (باب الحديد) بهذيان مدحي ولائي، وغاية هذا اللسان تتمثل في نداء المنادي في الأسواق والحارات، في يوم العيد، آمراً أن "افرح يا بن الكلب، فسيادته يحب الفرحان، وكن حماراً، ولا تتطاوس، كن دابة حرث يؤمن علفك وكساؤك، فقد انتهى عهد العصا، وحل عهد المعلف والعلف الصناعي والهرمونات، فلا ترفع رأسك عن المعلف، وانتبه لكرفاتك، إنها تنتقع في المرق أيها الحمار.

إنه نداء التحوين "تكالبوا تناطحوا لا خوف عليكم بعد اليوم". ومقابل التحوين صار الرئيس يستصغر بلاده، فأقنعه مستشاروه أنها صرة العالم، ومركز إشعاعه، فصارت خطبه لا تخلو من كلمة (الإشعاع)، وصار الشعار الوطني "نشعّ نشعّ ويحيا الوطن".

من كرنفال الانتخابات الرئاسية إلى ليلة الكريستال، أي ليلة السابع من شهر الكرامات، ليلة الاستيلاء على الحكم، يردد الرئيس: "سبحانه، بل سبحاني، نعم سبحاني". وهكذا تبلغ الديكتاتورية غايتها، فغدا التغني بالمكاسب والإنجازات واجباً وطنياً رفيعاً، وما عداه يحشر في جوقة الزعيق والتهريج والتنديد والتنكيل والتشكيك والخذلان والتآمر. وغدا الصمت أضمن، وأمر الرئيس بقطع دابر كل المشاغبين بالكلام، ونعتهم بالجراثيم الفتاكة. كما أمر بإعلان المزود والمزمار والطبل آلات طرب رسمية وطنية، وطرد الفرق السيمفونية والنحاسية والوترية، وذلك من أجل إعادة الاعتبار لفن الشعب. وفي ختام ليلة الكريستال إياها، ليلة العودة إلى الصفاء ووحدة الكلمة ووحدة الأمة والمصير ووحدة الرئاسة ووحدة الآلة الموسيقية، خطب الرئيس، فحدد مقصده بثلاث: النظام والنظام والنظام. وحدد ثلاثاً يتكئ عليها: يد الله (أي أعوان/ عناصر مبثوثون في كل مكان)، وعين الله (كاميرات مبثوثة في الأرض والبحر والجو)، وتجارب من سبقه من الملوك والرؤساء والسلاطين. وخصّ الرئيس المجتمع المتدني، أي المدني، بالأمر: وقل اعملوا واعلفوا وإني لكم لبالمرصاد. وبيّن أن الإنسان لديه هو: "من نضج تمدناً، ودفع الضرائب، وصوّت لنا، ودخل بيته قبل الساعة الثامنة مساء. أما السائبة والهاملة، وتلك الضمائر المنخورة بفساد الحريات الفردية الانشقاقية والانعزالية، فتلك هي الدابة، وللدابة العصا".

هذا الديكتاتور الذي قيل إن له سبعين روحاً، ولن يشهد أحد طلوع روحه الأخيرة، لأنه ضرب موعداً مع نهاية الكون؛ بات يعاني من الكوابيس المليئة بالمؤامرات والانقلابات، حتى صار يهرب إلى مخبر الألكترونيك، ويدقق في ملف زوجته وأخيها وصهره. وصار يرى الهواء خانقاً، والبلد ضيقاً، لا يتسع لأحلام الجميع. لذلك أمر بتوقيف كل من سولت له نفسه بأن يحلم أكثر مما ينبغي، سواء أكان من الأعداء أو المناصرين. ثم أمر بتوقيف المساندين دون قيد ولا شرط، لأنه صار يريد مشاغبين ومعارضين. وفي هذا المآل الأخير يرغي ويزبد مهدداً بأنه سيعد حريقاً داخل جسده، حتى إذا هوى على الناس، نزل مثل صاعقة تأتي على كل شيء (حريق كوني).

لقد تحنطت ملامح سيادته أخيراً في هيئة جامدة محايدة. وأصدر أمراً بمنع البكاء. وكان الضحك قد غدا مادة غريبة يقتنيها الناس ليلاً وسراً، بعدما استأصلت آلة الديكتاتورية الضحك، فصارت البلاد منسجمة تحت غشاوة البهتة والشرود، وأخذت الفتيات تغادر البلاد بعد اختفاء اللواتي غنّين مبتهجات، ثم تفشت ظاهرة الهروب، وليس الشباب فقط، بل حتى الوزراء مزاراً من التوزير.

لقد سبق لرواية فاضل العزاوي (الأسلاف) أن صورت خلوّ البلاد في زمن الجنرال الشاعر/ الرئيس/ الديكتاتور الذي طلب لقاء الشعب في منتصف الليل، فقال رجاله إن المدينة مغلقة إلا المقابر، والدفانين وحدهم لا يتوقفون عن العمل، لأن الخونة الذين يعدمون تضاعفوا، ومعظم الشعب استشهد في حروب الرئيس المنتصرة، أما الباقون فقد فروا، ولم يبق شعب، فأمر الرئيس بتدبير شعب ليحكمه، وهدر: كيف يمكن لي أن أكون رئيساً بدون شعب؟

أليس هذا القائد مسخرة؟ وقبله وبعده، أليس ديكتاتور البروستاتا وديكتاتور البواسير مسخرة؟ ولكن هل من ديكتاتور/ قائد لا يصح فيه القول: أنت مسخرة؟

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.