}

آخر المطاف

يوسف وقّاص يوسف وقّاص 14 أكتوبر 2017
آراء آخر المطاف
لوحة للفنان السوري همام السيد

في كل مرة نشاهد فيها فيلماً أو مسلسلاً تلفزيونياً تقوم ببطولته شخصية شريرة، نجد أنفسنا أحياناً مدفوعين للوقوف إلى جانبه، ويخطر ببالنا السؤال التالي: هل نعاني من ضعف أو انحطاط أخلاقي لكي نأخذ طرف الشر، أو نغضّ الطرف عمّا يفعله؟ وربّما يصل بنا الأمر أن نناقش الموضوع بجدّية ونتساءل مستغربين: ما الذي حوّلنا إلى أناس غير مبالين؟ وما هو هذا الميل الغريب للوقوف إلى جانب من يعتدي علينا وينكّل بنا ويهدم بيوتنا فوق رؤوسنا؟ بل يصل بنا الأمر، ويا للغرابة، أن نمجّده ونفتخر بإنجازاته ونتزاحم لكي نأخذ مكاناً لنا في الآلة الدعائية العملاقة التي وطّدها عبر السنين، ونساهم، يداً بيد، في ترسيخ عبوديتنا.

ولكي نفهم هذه النقطة التي باتت تشكّل بحقٍّ معضلة أخلاقية شائكة وحتماً مشينة، انتشرت حتى بين طبقة كبيرة من المثقفين والفنانين ورجال دين متزلفين، وندرك قليلاً ما يحدث على أرض الواقع، أحسب أنه ينبغي علينا العودة قليلاً إلى الوراء في الزمن ونروي، على سبيل المثال، قصة فيلم "الحبل" الذي أنجزه ألفريد هيتشكوك عام 1948.

جاري روبرتو، العامل المتقاعد في مصانع فيات للسيارات، أتاح لي مؤخراً فرصة مشاهدة هذا الفيلم مرة ثانية بعد أعوام طويلة. على فكرة، صديقي هذا، مولع بالأفلام القديمة، ومكتبته تضمّ مجموعة كبيرة منها، أبرزها وأهمّهما على الإطلاق، "المدمّرة بوتمكين"، وهو فيلم سوفييتي صامت أُنتج عام 1925، من إخراج سيرغي أيزنشتاين، وقد شاهدناه خمس مرّات لغاية الآن، ولا أستبعد مشاهدته مرّات أخرى، لا لشيء، سوى لأن نصرخ في النهاية، بحماس المنتصرين: يا لها من ثورة! ... فيفاآآآآآ! (تحياااااا!).

تجري معظم أحداث فيلم "الحبل" في بيت اثنين من الطلاب، أي أنه متكامل فضائياً وزمنياً ومكانياً. يبدأ الفيلم بكاميرا التصوير وهي تدخل إلى المنزل بعد سماع صراخ قوي، وابتداء من تلك اللحظة، لا تبارح البيت لمدة ساعة ونصف، والمشهد الأول الذي نتابعه هو لشابين وهما يشدّان الحبل حول عنق شاب آخر، وندرك أنهما انتهيا لتوّهما من قتله خنقاً. بعد ذلك، ينزعان الحبل عن رقبته ويخبئان الجثة داخل صندوق في الصالون. المسألة لها عدة جوانب: الأول، يجعلنا نفكّر أنّ الأمر ربّما يتعلق بمشاجرة حدثت بين الثلاثة، ولكن عندما نلاحظ أنّ الاثنين يرتديان قفّازات، نتخلى فوراً عن هذه الفكرة. بينما نجد أن هذه الجريمة مرتبطة بطريقة ما بنظرية مدير مدرستهما الذي يَدّعي أن الأشخاص "الموهوبين أو الذين يمتلكون السلطة" من حقّهم إزالة "البلهاء أو بسطاء الناس" من الوجود، أي خلق مجتمع "متجانس" إيديولوجياً، وربّما عرقياً أيضاً. وبالفعل، أحد الشابين يقول: "الأشخاص على شاكلة دافيد، لا يفعلون أكثر من احتلال مساحة ما!". في هذه الأثناء، مدير المدرسة، روبرت كاديل، في طريقه لتناول العشاء معهم، برفقة ذوي دافيد وخطيبته. والخادمة أيضاً على وشك الوصول، التي كانت قد جهّزت طاولة "البوفيه" في مدخل المطبخ، مثلما تفعل دائماً، ولكن ها هي الفكرة العبقرية لبراندون: "فلنضع كتب دافيد على الطاولة، ونضع البوفيه فوق الصندوق، وبهذه الطريقة، سوف لن يخطر على بال أحد فتحه، وأثناء الليل سنتخلص من الجثة".

نحن المشاهدون نقف إلى جانب براندون وفيليب منذ بداية الفيلم. والآن تدخل الخادمة، بعد وصول المدعوين. نحن من طرف المُجْرِمَيْن، نعرف معهما أن جثة دافيد مُخبّأة داخل الصندوق، وهما لا يريدان أن يفتضح سرّهما، يريدان أن ينقذا أنفسهما. غريزياً نحن أيضاً نرغب ذلك، لأنهما بطلينا، ولأننا تابعنا ما فعلاه منذ البداية، والغريزة، أو ربّما التماهي مع القتلة، تقودنا لأن نقف معهما.

يصل المدعوون. الأب يحضر مع زوجة ابنه، لأن زوجته تعاني من زكام حاد. يكتنف مدير المدرسة الشكّ حالما يلاحظ أن هنالك شيء غير طبيعي، ونحن تنتابنا الرغبة في أن نصرخ قائلين: "انظروا داخل الصندوق!". إنما نكتشف بأننا نقول في داخلنا: يا حبذا لو يتملّصان من هذه الجريمة، بل يا ليتهما يرتكبان جرائم أخرى، مثل سحل الخادمة مثلاً، أو شنق مدير المدرسة، المهم ألّا يمثلا أمام العدالة، لأننا بحاجة إلى بطل، إلى رمز نقتدي به حتى ولو كان مجرماً لا تفي الكلمات وصفه. إنها وجهة نظر فحسب، كما يقال عادة، ولكنها تتملّكنا رغماً عنّا! هكذا ندّعي في دواخلنا، كمحاولة يائسة وبائسة لتبرير انخذالنا. ولا تتملكنا أية دهشة عندما يتحول هذا التحيّز المقلق شيئاً فشيء إلى تماهٍ وحجّة، نعتقد أنها دامغة، ونحاول أن نقنع بها الآخرين بمواربة لا تنطلي سوى على أنفسنا. حتماً إنه ليس اختياراً موفقاً – نعترف ضمنياً -لأن من يتّخذ طرف الشر، غالباً ما يجد نفسه فريسة له، حتى أنه يمكن أن يجازف بخسارة كل ما يملكه، بما في ذلك أرضه وكيانه. نرتاح كثيراً من تبريرنا هذا، ونحاول ألا نفشي به لأحد، وربّما نعتبره آخر المطاف، مثل حالنا تماماً أمام كل الجرائم التي تقع تحت أعيننا ونحن لا نستطيع أن نصرخ بصوت واحد: كفى!

 

مقالات اخرى للكاتب

آراء
8 نوفمبر 2017
آراء
14 أكتوبر 2017
آراء
1 أكتوبر 2017

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.