}

غياب العرب عن "روتردام للشعر" ..إقصاءٌ متعمد أم سهو؟

عماد فؤاد 31 مارس 2015
أعلنت إدارة مهرجان روتردام العالمي للشعر قبل أيام على موقعها الإلكتروني، قائمة الشعراء المشاركين في دورتها السادسة والأربعين، التي ستقام في الفترة ما بين التاسع إلى الثالث عشر من شهر يونيو/حزيران المقبل في المدينة الهولندية. وضمّت القائمة ثمانية عشر شاعراً من ثلاث عشرة دولة، ليس بينهم شاعر عربي واحد، على غير عادة المهرجان العالمي الذي كان يحرص في السنوات الماضية على دعوة شاعر أو شاعرين عربيين. وهو ما استدعي منّا التوقف والتساؤل - ولو بقليل من سوء الظن - : من المسؤول عن هذا الغياب العربي، وكيف يمكن لنا أن نفهم أسبابه؟
توجّه "ملحق الثقافة" بالسؤال إلى رئيس المهرجان الكاتب والناقد الهولندي باص كويكمان، الذي قام، منذ توليه رئاسة المهرجان قبل نحو عشر سنوات، بالعديد من الخطوات التطويرية المهمة لبرنامج المهرجان السنوي وفعالياته، وجعل منه المهرجان الأهم أوروبياً: "لا توجد أسباب محدّدة لهذا الغياب. إذ إننا، في المهرجان نحاول في كلّ عام ألا يزيد عدد الشعراء المشاركين عن خمسة وعشرين شاعراً وشاعرة. يشكّل هذا الرقم خطنا الأحمر في عدد المشاركين وعلينا ألا نتجاوزه، إيماناً منّا بضرورة إتاحة الوقت لكلّ شاعر من المشاركين لقراءة قصائده أمام الجمهور، وكذلك إتاحة الفرصة للجمهور للاطلاع على قصائد كافية لكلّ شاعر. نحن نرفض الأساليب التي تدفع عدداً من المهرجانات الشعرية الدولية الأخرى إلى دعوة أعداد كبيرة من الشعراء، ظناً منهم أن هذا ما يصنع أهمية دولية، في حين أن العدد الكبير من الشعراء، يجبر إدارة المهرجان على منح كلّ شاعر دقائق قليلة لقراءة قصائده، فينتهي المهرجان كأنه لم يكن، فلا الجمهور سمع الشاعر، ولا الشاعر نال الوقت الكافي".
ما ورد على لسان كويكمان رئيس المهرجان، لا يختلف عليه اثنان. فهذه حقيقة تكاد تشمل أغلب المهرجانات العالمية للشعر. إلا أننا لم نسمع بعد إجابة تفسر لنا الغياب العربي عن المهرجان في دورته المقبلة، وهو ما حاول كويكمان تفنيده: "مدة المهرجان أيام قليلة من صيف كلّ عام، لكننا نعمل طيلة العام من أجل الاختيار والانتقاء من بين الشعراء الذين نود دعوتهم إلى المشاركة. الأمر الذي يعني قراءة عدد كبير من القصائد والترجمات. ومن ثم نجد أنفسنا في كلّ سنة محكومين بأسماء الشعراء العرب المتاحين أمامنا في لغات أخرى كالإنجليزية أو الفرنسية أو الإسبانية. لذا فإننا نعتمد على عدد من المجلات والدوريات الثقافية التي تقوم بترجمة أعمال الشعراء العرب. ومن أهم هذه المجلات مجلة "بانيبال" التي تصدر في لندن والمعنية بترجمة الأدب العربي الحديث إلى اللغة الإنكليزية. إذن فنحن ننتقي شعراء من جميع اللغات تقريباً كلّ عام، لكننا نغربلهم على أسس كثيرة. في النهاية يتبقى لدينا عدد محدود من الشعراء، وهم الذين نوجّه إليهم دعوات المشاركة. وبالتالي فإن غياب الشعراء العرب عن الدورة المقبلة، لا تقف خلفه أية أسباب باستثناء أن هناك شعراء آخرين وجدنا أنهم الأحقّ بالمشاركة هذا العام".
لوهلة ما خالجني الشعور بأن باص كويكمان لا يريد أن يأتي على ذكر ما يجري في العالم العربي اليوم، بوصفه السبب الرئيس، ربما، لغياب المشاركة العربية في المهرجان. وهو الإحساس الذي تأكّد في داخلي، حين تذكّرت أن الشاعرين العربيين اللذين شاركا في مهرجان العام الماضي كانا من سلطنة عمان والجزائر، في ابتعاد واضح عن البلدان العربية التي يشملها الحراك السياسي الراهن، وكانت في السابق تتسيّد البلدان العربية التي يشارك شعراؤها في المهرجان. لا أقول هذا تقليلاً من مكانة الشعر العربي في بلدان بعينها، بقدر ما أورد الملاحظة لأهميتها في توضيح السياسات التي صارت تنتهجها غالبية الدول الأوربية حالياً تجاه أية مشاركة عربية في الأنشطة الثقافية التي تقام داخل دول الاتحاد الأوروبي، لا سيما إذا كانت هذه المشاركة العربية آتية من بلد يعاني زلزلة "الربيع العربي"، الذي صار ذكره في الإعلام الغربي مرتبط بظهور "داعش" في العراق وسورية وليبيا واليمن، وهو أمر يلقي من دون شك بظلال من التحفّظ والخوف على دوائر اتخاذ القرارات الثقافية في عديد من البلدان الأوربية والغربية.
وفي هذا السياق نذكر حادثة منع الشاعر الأردني أمجد ناصر من الدخول إلى الأراضي الأميركية في شهر ديسمبر/كانون الأوّل الماضي، حيث كان مدعواً لافتتاح الموسم الثقافي في جامعة نيويورك، ومنعه رجال أمن أميركيون في مطار هيثرو البريطاني من التوجّه إلى الأراضي الأميركية من دون أن يفصحوا له عن أسباب هذا المنع، على الرغم من أن أمجد ناصر يحمل الجنسية البريطانية منذ سنوات طويلة، واسمه معروف على المستويين الأوروبي والعالمي كأحد الشعراء العرب المهمّين.
من ناحية أخرى، يعرف الكثيرون التأثير الإيجابي لمجلة "بانيبال" على انتشار الأدب العربي في الدول الأوروبية، فالمجلة التي تأسّست قبل سبعة عشر عاماً (1998)، أصبحت، بسبب مهنيتها، تملك صدقيّة كبيرة في الأوساط الثقافية والأدبية في عديد من البلدان الأوربية، وتعتمدها كثير من المؤسسات الثقافية الأوروبية كمرجعٍ استشاري في أمور الترجمة أو الترشّح للجوائز العالمية. وعلى مدار واحد وخمسين عدداً صدرت من "بانيبال" حتى اليوم، قدّمت المجلة جهوداً كبيرة في التعريف براهن الإبداع العربي شعراً وسرداً ونقداً، ومن ثمّ لا يمكننا تحميلها تبعة التقصير في نقل الشعر العربي الجديد إلى آفاق أوسع وأكثر رحابة، خاصة أن أعدادها الفصلية لا تخلو من الاحتفاء بالشعر الجديد وتقديمه إلى المتلقي الأوروبي والغربي في أبهى صورة.
القضية إذن ليست في غياب الحضور العربي عن المشاركة في واحد من أهم المهرجانات الشعرية، فقد حدث هذا من قبل، وأي مهرجان في العالم ليس مجبراً على دعوة شعراء لغة بعينها إلى فعالياته سنوياً، القضية تكمن - من وجهة نظري - في تعمّد "إقصاء" المشاركة العربية وتعمّد "تأجيلها" إلى حين انقشاع الضباب عما يحدث "هناك"، وعلى هذا النحو يجب علينا أن نستوعب حادثة منع الشاعر أمجد ناصر من الدخول إلى الأراضي الأميركية.
ويبقى السؤال: ماذا فعلت مؤسساتنا الثقافية العربية الرسمية لمواجهة هذا "الإقصاء" المتعمّد؟ الإجابة ليست غريبة، ويمكن لأي منا أن يتوقعها: "لا شيء".
وكإثبات أخير على عجز مؤسساتنا الثقافية العربية الرسمية في منع هذا الإقصاء "المتعمد" لأسماء مبدعيها من المشاركة في الفعاليات الثقافية الدولية، سأصف مشهدين حدثا أمام عيني في أروقة اثنين من المهرجانات الشعرية العالمية، وأوّلهما مشهد حدث سنة 2005 أثناء مشاركتي في مهرجان روتردام العالمي للشعر إيّاه. كانت ليلة قراءتي الثانية مع اثنين من الشعراء، وبسبب توتري الناجم عن الاضطراب الذي يسبق مواجهة الجمهور الذي ملأ الصالة الكبرى في المكتبة الوطنية لمدينة روتردام، خرجت لأدخن سيجارة قبل أن تبدأ الأمسية. في الخارج فوجئت بخمس سيارات ليموزين بيضاء فارهة تتوقّف أمام باب المكتبة، وتحمل لوحاتها كلها أرقاماً دبلوماسية. كانت السيارات الخمس تحمل العلمين الإسرائيلي والهولندي. حين استفسرت عن الأمر، قيل لي إن هذه السيارات آتية من السفارة الإسرائيلية في أمستردام للاحتفاء بشاعرة إسرائيلية تشارك في المهرجان.
المشهد الثاني كان في مهرجان نيكاراغوا العالمي للشعر سنة 2011. حيث فوجئنا نحن - المشاركين العرب - بمجرد وصولنا، بوجود علامة على جميع ملصقات المهرجان تفيد بتلقّي المهرجان دعماً مادياً من "دولة إسرائيل". هكذا تغدو المشاركات الثابتة للشعراء الإسرائيليين في أغلب المهرجانات الشعرية والثقافية العالمية، مبررة ومفهومة. في حين تغيب مؤسساتنا الثقافية العربية الرسمية عن المشهد، وتغيب معها أسماء مبدعيها، ليس في الشعر وحده، بل في كافة المجالات الإبداعية الأخرى.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.