}

توقيع الكاتب: الذاكرة والأرشيف

أحمد العمراوي 17 ديسمبر 2016

 

 

" لن أستطيع التفكير دون كتابة، وإذا عَرض لي في الغالب أن أفكر في أثناء المشي أو السياقة. إذا أردت أن أرتب خطابي، يُحكم عليّ بالكتابة. "

ميشيل فوكوـ جاك دريدا، حوارات ونصوص:، ترجمة، محمد ميلاد، دار الحوار سورية، ط"،1، 2006.



   1

في ساحة عامة، حيث الكثير من الناس " متفرجون/ منفرجون" و"صانعو فرجة "، تجلس سيدة (هن الآن كثيرات)، تجلس على مقعد حديث بعض الشيء. السيدة تضع حجابا بينها وبين زائريها، وهن نساء بالضرورة، لا يحدث إلا نادرا أن يكون الزائر رجلا، ورغم ذلك فالحجاب واجب في الأمر الجمعي. نساء قبالة نساء ولكن بحضور رجال آخرين يتفرجون على الطقس.

الطقس طقس حناء، حناء جماعية لا حدود فيها، والمحني قد يكون غريبا، أعني خارجا عن طقس الحناء. هل طقس الحناء هو طقس خاص بالمسلمين؟

الحناء هي صباغة، (صباغة مشروعة). هل هناك صباغة غير مشروعة؟ وإذا كانت مشروعة فما مكان الماكياجات الممارسة والصباغات المنطلقة من الحناء؟

تمتد اليد. يد تلامس يداً. يد امرأة ويد امرأة أخرى. في واضحة الشمس وأمام الملإ تتم عملية الحناء. عملية تدوين الحناء.

كل تدوين هو أرشفة. هل تخرج الحناء من الذاكرة؟ ماذا تدون المخيلة؟ ستختار الصابغة شكل الأصباغ، وستتنافس في ذلك مع أخريات، فالطقس هو طقس احتياجي، أي أن المبلغ المالي الذي ستحصل عليه هذه السيدة صابغة الأيدي هو الذي سيدفعها للاجتهاد والتجديد في مسألة الحناء. ستختلف المسألة في الوشم اختلافا بينا.

حناء على جلد. جلد بشري. في جهات أخرى نجد عملية " الحنة" على جلود أخرى تتخذ للتزيين في المنازل، في الحفلات. في حفلات الختان، تتم "تحنية" المختون، تحنية جلد. وقد تتم في المنطقة التي يتم فيها الختان على العضو الصغير لتتم الأرشفة.

سيجتمع أرشيفان هنا: الحناء والختان ما دامت الأرشفة هي عملية شبه جراحية تتم للخارج حتما "ولكن أين يبدأ الخارج ؟ هذا السؤال هو سؤال الأرشيف". 

تموت الحروف على جلد المرأة التي تمارس عليها عملية فعل الحناء بنشوة، امرأة بحجاب ستمارس فعل "التحنية" على رِجْلِ أو ساق امرأة غالبا ما ستكون من جنسية أخرى، أعني من ديانة غير إسلامية. حناء في الساق هي ذاكرة ووشم مؤقت.

الحناء وشم مؤقت، خارجي، من الذاكرة للذاكرة. على اليد، على الرِّجْل ( شكلناها رفعا لكل التباس، إذ لو قلنا رَجُل لتغير تحليلنا إلى اتجاه آخر) وماذا عن الرأس؟ تخضيب الرأس بالحناء هي عملية مشروعة جداً نص عليها الرسول وطبقها الصحابة.

الحناء عملية حضارية كما الوشم، كما الرسم، كما التشكيل، كما الكتابة. ولكن كل كتابة مآلها الأرشيف والأرشفة، التي ستفنى كما فني الإنسان قبلها.

الأرشفة هي تأجيل وتمديد للموت. أعني صيانة للذاكرة من الضياع. الذاكرة تجمّعها الكتابة، الورقة، المداد، الحبر. وحين تمارس الحناء بواسطة آلات وحواسيب بتقنيات جديدة مثلا فما الذي سيحدث؟ ثم لماذا هذا الوقت المضيع؟ لماذا أرشفة ذلك؟ لماذا هذه الاستثمارات في الورق ؟ في الحبر؟ في الحروف؟ لماذا نحشد هذا الكم الكبير من التأليف الطباعي؟ هل هذا يستحق الطباعة؟ أليس من المفترض أن تكون هذه القصص معروفة في كل مكان ". إنه دافع الموت والعدوان والتدمير في أحيان أخرى حسب فرويد بأرشيف دريدا. ولنلاحظ ما يحدث مع الحناء كطقس مغربي، حيث تعتبر العملية رمزا للحياة حتى بعد الموت، والذين يموتون من الرجال والنساء وهم عزابا تحنى أيديهم وتصحبهم زغردات النساء في بعض مناطق المغرب وهم يشيعون لمثواهم الأخير. هم يعتبرون عرسانا يقدمون للآخرة عرسانا. ولنقارن طقوس الحناء بالنسبة للمرأة والرجل معا في مثل هذه الحالة أثناء المرحلة الأولى من العرس. يوم الحناء، وقد تتم الأرشفة هنا بأدوات حديثة جدا (كاميرات رقمية تؤرخ للطقس)، والخارج والداخل وطقس الدم والحناء تتداخل فيما بينها لدرجة الاختلاط. الحياة والموت. تدمير حالة العزوبة من أجل مرحلة أخرى سيتم فيها التوالد والتناسل الضروريين لإكثار سواد الأمة. فالأرشيف هو تذكير وتنبيه وحماية، والحناء هي العلامة المميزة المصاحبة. (ولنلاحظ كيف تطلى جبهة كبش عيد الأضحى بالحناء قبل التضحية يوم الأضحية).

فن الطرز. لنعرج على أمثلة أخرى مرتبطة بالذاكرة والتذكير والتذكر (ورد لفظ التذكر مرات متعددة وبصيغ متعددة في القرآن والحديث). الطرز والتطريز هي كتابة نسائية أيضا، والتطريز عملية تتم على الثوب، والرجل قد يزين جلبابه بتطريز منظم. التطريز سنشاهده في المساجد أيضا. كاليغرافات منظمة. نجده في البيوت، على السجادة التي يضع المصلي جبهته فوقها ويبصرها بيعينيه اللتان تنظران للأسفل أثناء السجود. نظر بالعين لتطريز يذكر بمكان أو حرف، فالمهم هو تنبيه الذاكرة.

التطريز، التشكيل، الرسم، الحناء، أشكال متعددة، يكمن الاختلاف بينها في الأداة التي تمارس عليها العملية. الجلد أعني الإنسان. أعني الذاكرة.

3

أثناء توقيعي لديوان شعري، تقدَّمت إلي مجموعة من الفتيات، وطلبن مني أن أو قع على جلدهن وأكتب كلمة عوض أن أوقع على الديوان. فعلت ذلك ولم أنتبه لمعناه إلا الآن وأنا أتأمل عملية الحناء التي تمارسها نساء جامع الفناء بمراكش، وبذهني بقايا من أرشيف ديريدا وتأملاته التي هدتني لهذا التأمل المقلوب.

 توقيع على اليد، على الكتف تارة، وعلى الساعد تارة أخرى. كان علي أن أقبض على أيدي الفتيات الطريات وأنا أكتب أسماءهن. صرحت لي واحدة منهن أن هذا المكتوب سيدخل الذاكرة من الجلد. انتبهت الآن وأنا أتأمل كتاب "حمى الأرشيف الفرويدي لجاك دريدا".ان هذه العملية، عملية الكتابة على الجلد وعلى الجسد، هي توقيع  بشكل ما ضد الضياع. ولكن المفارقة هنا هي هذه العلاقة بين الداخل والخارج. ما هو الداخل وما هو الخارج هنا؟

توقيع كلام. مجرد كلام على جسد طفلات صغيرات، وعلى أجساد مراهقات هي عملية تثير الكثير من الأسئلة: هل هذا حب للشعر؟ هل للشاعر؟ هل هو احتماء من الضياع؟ أي ضياع؟ هل هو خوف على الكلام من الزوال؟

هذه أرشفة جديدة. سيضيع التوقيع بعد مدة قصيرة، ولكنه معنويا سيدخل الجسدَ الموقع عليه.

 4 

لنعد لطقس الحناء إذن، ولهذه المرأة الجالسة على كرسي قصير، ولهذا الجسد الذي يتمدد أمامها. هناك آلات. آلات جديدة تدخل هذا الجسد. أقلام رقيقة تخطط بدقة متناهية الأشكال، قد تكون خطوطا، قد تحمل حروفا عربية ( قد يكون الجسد غير عربي) والمهم هو أن تتم الأرشفة. الأرشفة المؤقتة.

الأرشفة على جسد حي صغير صاعد يتطلع للغد هي قتل للتوقيع على باليد التي هي جزء أساسي من الجسد هنا، وهو طقس خارجي يبغي الداخل. والحناء طقس خارجي أيضا يستقبل هذا الجسد موقعا دون مراعاة لسن من يقع عليها التوقيع.

أين يبدأ الخارج؟ سؤال ديريدا الوجيه في الأرشيف إذا أحلناه هنا على حالتنا، حالة هذه المرأة، سيعمق السؤال ويولد أسئلة أخرى لا نهائية، فمجرد النظر لهذا المنظر وطريقة جلوسها، وشكل لباسها، وحركاتها تثير مسألة الذاكرة والجسد، نعني الأرشيف.

يبدو أننا نقحم أشياء في غير محلها، ولكنها سلطة المؤول المبصر بعين أخرى هي ما يقود لمثل هذا الربط، ربط بين يد ( يد أنثى) ويد أخرى (يد أنثى أخرى) وكلتاهما يلامس الحناء.

تخرج الحناء بآلة صغيرة ( تكون من البلاستيك عادة، والبلاستيك مادة مناقضة للجلد، ولذا يصعب وضع قطرة ماء عليها). حناء ويد وخروج ودخول فأين الأرشيف هنا ؟ أين الذاكرة ؟ تحيل الحناء وطقس الحناء إلى مخبئ قديم في الذاكرة. ذاكرة المرأة خاصة. فما الأمر حين تتعلق المسألة بالرجل ؟ لنعد قليلا للأرشيف، وكلامنا سيصير أرشيفا بمجرد نزوله. تماما كما تنزل قطرات الحناء هذه على الجسد المحنّى، وشمس مراكش وليلها يشابهان هنا. الحناء لا وقت لها، أي لا شمس لها، والمهم أن تكون هي الشمس ذاتها.

لقد كان الكثير من الصحابة يُخضِّبون شعر رأسهم بالحناء، وحتى اللحي تخضب بالحناء. الطقس إذن له امتدادات في الذاكرة الجماعية، أعني له أرشيف، هذا الذي نستنجد فيه بحمى الأرشيف الفرويدي.

نسجل هذه المفارقة بين الحناء وهي تمارس على لحية الرجل، وهي شيء خارجي، أعني تدخل في الأرشفة أيضا، وبين التي- أذكر الآن- وقّعتُ عليها بقلم جاف اسم إحدى الفتيات والتي قالت: أردت أن يدخل التوقيع في جسدي.

    5 

ماذا سنجمع من هذا الكلام الآن ونحن في انطباعات؟ لقد كان جاك ديريدا قد تحدث عن الانطباع في ارتباط بدلالة كلمة طباعة impression ، ونحن نربط الطبع بالطباعة، إذ الطباعة في اللغة العربية ترتبط بالطبع كذلك، أي ما هو لاصق أو أصيل،  فالكلمتان مختلفتان، ولفظ مطبوع يعنى مسجل في الخارج ليستقر في الذاكرة المنفصلة الهاربة خوفا من الضياع.

طقس الحناء إذن هو كالكتابة الضرورية، هو حماية من الضياع. طبع وتسجيل وإمضاء من الجسد إلى الجسد. الجسد نفسه واليد نفسها. إذا اتحدتا في الجنس ( ذكر/ذكر، أنثى/أنثى ) فالمسألة تتجه اتجاها معينا، وإذا اختلفتا فالمسألة ستختلف أيضا. ولكن لنسجل أن الذكر، أعني يده تُضمّخ بالحناء في وقت العرس، وخاصة قبل الليلة المعلومة، ليلة الدخلة، حين يدخل قضيب الرجل في غشاء المرأة ويفتحه ليفك حجابه، ويكشف عن سره ( سر مكنون ). الأرشفة هنا ستتخذ بعدا مختلفا. دخول لا خروج ( هل هذه شطحات؟ ) ولكن أين الأرشفة ؟ أين الذاكرة ؟ هل يمكن التخلص من الأرشيف ؟ أعني من الذاكرة المكتوبة؟ المكتوبة هنا بمعنى المكتوب علينا والمقدر تقديرا.

طقس الحناء هو طقس ذكوري في الأصل رغم الإيهام الذي قد يبدو ممارسا. النقش فعل ذكوري، والحناء هي نقش على الجسد بقضيب، بآلة أو بعود يشبه عود الثقاب، وعود الثقاب دلالة الاشتعال. نفس دلالة القضيب  ولا أدري موقف فرويد هنا.

  6 

حين يضع الكاتب توقيعه على الصفحات الأولى من كتابه كإهداء لقارئ ما فهو يسعى بذلك لتوريطه في الكتابة بالقراءة. وحين يوقع على جلد ما كاليد مثلا،  بالحناء أو الوشم أو الرسم فتلك مسألة أخرى ترتبط بالتشكيل. تشكيل هو بمثابة رسم آخر لعالم داخلي بخارج، وبهدف كشف أسرار الكتابة بجسدين يلتقيان عبر الكتابة والإبداع، وبقراءة تعشق المكتوب. هذا التداخل العميق هو ما يسعى كل كاتب أو شاعر الوصول إليه.

 

 

    *شاعر وناقد من المغرب

   

 

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.