}

إنها ليست أوهاماً

رامي فارس أسعد 8 أبريل 2019
قص إنها ليست أوهاماً
لوحة لمصطفى أمناين
سحب نفساً عميقاً من سيجارته، مخلفاً سحابة من الدخان الكثيف، سعل قليلاً وراحت بعدها الكلمات تنساب منه بصوت مرتجف:
- صدقني أنا خائف... أنا خائف، لا أخجل عندما أقول لك إني خائف بل وجبان، أحيانا أسأل نفسي لماذا أخاف، ولماذا يتوجب علي أن أكون حذراً من كل شيء، أين هي اللحظات الجميلة في حياتي أن كان الخوف مسيطراً عليها، رأسي يهلوس من شدة الألم والأفكار تعصف داخل جمجمتي ولا أستطيع مجاراتها، ما إن أتوقف عند فكرة ما حتى تخرج لي أخرى من العدم. قل لي ماذا أفعل وأين السبيل إلى راحتي. أتعلم بماذا أشعر أحيانا، أشعر وكأن شخصاً ما يطاردني ويتربص بي ليودع جسدي الضعيف رصاصة غادرة أو يخترقه بنصل حاد، كلما مرت سيارة من جانبي وأنا أسير في شوارع بغداد يقشعر بدني وتتقطع أنفاسي رعباً مما قد يقع لي. أرجوك لا تدع الظنون تأخذك بعيداً، أنا أعي ما اقول، بل وكل ما أنقله لك صحيحاً.
انقطع سيل كلامه لا إرادياً عندما لمح نادل المقهى يتجه نحو طاولته لتلبية طلبه.
كان قد اختار الجلوس على طاولة موضوعة في ركن من أركان المقهى بعيداً عن صخب الزبائن وأصوات قرقعة الأراكيل وطقطقة قطع الدومينو وصياح مذيع نشرة الأخبار عبر شاشة التلفاز المسطحة والمعلقة على إحدى جدران المقهى إلى جانب عشرات الصور لمدينة بغداد في أزمنة مختلفة وصور لشخصيات وأعلام فكرية وأدبية وسياسية، صور لأم كلثوم وعبد الكريم قاسم ونوري سعيد والملك فيصل، صور قديمة وباهتة رغم الأيادي الخبيرة التي عملت على إصلاحها عبر ترميمها وتلوينها من خلال برامج الحاسوب في محاولة أخيرة لإخفاء عوامل الزمن الظاهرة بوضوح على تفاصيل الصور. من بين كل الصور القديمة هناك صورة حديثة لمدينة بغداد من الفضاء الخارجي التقطها أحد رواد الفضاء وكانت محط إعجاب كل من في المقهى.
استفاق على صوت النادل الذي أجابه بصوت عال:
- بماذا يأمر الأستاذ؟
رد عليه من دون أن يرفع نظراته:
- قهوة وسط لو سمحت.

ظل النادل واقفاً للحظات قبل أن ينسحب مبتعداً يسبقه صوته، مشيراً بيده نحو الطاولة.. قهوة وسط لطاولة الأستاذ.
عندما ابتعد النادل عاد إلى حديثه، أخذ يتكلم بسرعة وقلبه يخفق بشدة وأفكاره مضطربة أشد الاضطراب، الدقائق التي يقضيها دون كلام يتوجها بسيجارة. كان يدخن بكثرة ملحوظة رغم نوبات السعال التي تنتابه بين الحين والآخر.
- والآن قل لي ما الحل، أنا أعيش في رعب دائم ومتصل، قد تعتذر اللغة وتنتحر الكلمات وتقفز الأحرف هاربة عن وصف الرعب في داخلي.
- ممن تخاف وأنا إلى جانبك كل الوقت، أينما تذهب أكون معك ملازماً لك كالظل... أرجوك لا تخف فقد كنت وما زلت إلى جانبك أحميك وأدفع عنك الأذى. صدقني إنها أوهام، مجرد أوهام يصورها لك عقلك المتعب، يصور لك أشياء لا أساس لها في الواقع.

أجاب بعصبية:
- إنها ليست أوهاماً، ليست أوهاماً، صدقني ما أقوله لك حقيقي... انتظر قليلاً... رسالة التهديد التي وصلتني قبل أيام هل تراها وهماً، الاتصالات التي تردني من أرقام مجهولة وغريبة هي أيضاً أوهام، نظرات البعض لي في الدائرة، القفل المكسور الذي أضعه على الباب يومياً قبل أن أخرج للعمل، قطتي التي عثرت عليها ليلة أمس مذبوحة بوحشية وملقاة قرب الباب هي أيضاً بالنسبة إليك أوهام يصورها لي رأسي المثقل بالأفكار الخيالية. أجبني أرجوك.
- انتبه، انتبه لا ترفع صوتك هكذا، البعض بدأ يلتفت نحوك، تحدث بهدوء أرجوك. اسمعني جيداً أنا أقول لك اطمئن ليس في الأمر ما يستدعي كل هذا الخوف والفزع. انظر من حولك تمعن جيداً بتلك الوجوه رغم، بل وأنا متأكد من ذلك، أن الجميع متعبون من الحياة وظروفها القاسية والرعب الدائم الذي يعيشونه بين القتل والاغتيالات والخطف إلا أن الابتسامة لا تفارق وجوههم المتعبة. قل لي بربك لماذا تترقب السوء في كل شيء، لماذا تصر دائماً على خلق شبح الخوف في داخلك، تخلقه وترعاه وتسقيه من أفكارك وأوهامك والنتيجة إنسان على حافة الانهيار.
فجأة انتاب الصمت زبائن المقهى وتحلقت الأنظار نحو التلفاز لحظة ظهور المذيع الذي بدأ يذيع نبأ عاجلاً حول قيام القوات الأمنية العراقية بإلقاء القبض على مجموعة مسلحة كانت تقف وراء العديد من الاغتيالات الممنهجة.
أشعل سيجارة أخرى ونفث دخانها وقال:
- الجميع بدأوا ينفضون من حولي، كل من أعرفهم حتى حبيبتي التي كنت أعيش معها لحظات من الدفء والأمان بدأت تبتعد عني بل وأحيانا تتجاهلني عمداً عندما تراني داخل أروقة الدائرة.
- لكم حذرتك من النساء وقلت لك مراراً إنك إنسان تفتقر إلى الانسجام معهن، إنك إنسان خلق ليعيش لحظاته مع نفسه وبحرية لا يشاركها بها أحد، وها أنا أقولها لك للمرة المليون ابتعد عنهن جميعاً وعش حياتك، ابتعد عنهن وعن حبيبتك وعن الناس جميعاً لأنهم سيورثونك اليأس والقنوط.
- ما أعيشه الآن أليس هو قمة اليأس والقنوط؟
- بالطبع، لا فأنت من يختلق كل هذا الخوف والرعب.
بعد دقائق اتجه النادل صوب الطاولة يحمل بيديه ركوة القهوة وكأساً من الماء، كان هو ساهم النظرات لدرجة لم يسمع صوت النادل عندما سأله إن كان بحاجة إلى شيء آخر. عندما لم يتلق النادل الرد الذي اعتاد عليه من زبائن المقهى انسحب بهدوء وقبل أن يبتعد توقف مرة أخرى ونظر نحوه، هز رأسه وابتسم بسخرية قبل أن يصيح بصوت عال... حاضر، حاضر.

عاد هو إلى كلامه وقال:
- والآن ما الذي سأفعله، ماذا تقترح، الخوف يلاحقني حتى وأنا جالس إلى جانبك وأنت معي، أشعر وكأن أحداً ما يراقبني... يا إلهي أنا في دوامة، أحيانا أفكر ببيع البيت وإنهاء جميع متعلقاتي والهجرة نحو بلاد لا أعرف أحداً فيها ولا يعرفني أحد.
- حتى لو تهاجر إلى أصقاع العالم ستلاحقك أوهامك، لأن السبب يكمن في قاع نفسك، اسبح مبتعداً عن ذلك القاع نحو شواطئ الأمان وعش حياتك لأن فيها من اللحظات الجميلة التي ستنسيك جانبها المظلم.
أجابه والارتباك والحيرة يشعان من عينيه ونظراته:
- لا... لا... أنت لن تفهمني إطلاقاً... لا أحد سيفهم ما أعاني منه لا أنت ولا غيرك ولا العالم بأسره... سأجن يا إلهي.
- أنت في حالة نفسية صعبة لدرجة أعجز فيها عن تهدئتك لذلك أقترح أن نغادر هذا المقهى إلى مكان أكثر هدوء... هيا بنا.
كان النادل يراقبه من بعيد، وهو يحدث نفسه:

- عجيب أمر هذا الزبون، أكثر من ساعة ونصف ساعة وهو يثرثر كالمجنون مع نفسه وكأنه يكلم أحداً ما.  

*كاتب من العراق   

مقالات اخرى للكاتب

قص
8 أبريل 2019

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.