}

أن نرث زغاريد الأمهات وحزن الوطن

مناهل السهوي 9 نوفمبر 2019
يوميات أن نرث زغاريد الأمهات وحزن الوطن
"علمتني أمهات هذا الوطن كيف نتألم بزغرودة"(Getty)

أورثتني أمّي زغرودة طويلة وقوية، ميّزتني منذ صغري، فماً صغير يثير الانتباه بزغرودة متقنة كالتي كنتُ أطلقها. أدركتُ حين كبرت أنني ورثتُ أمراً في غاية التناقض، ورثتُ سحراً يخرج من الفم، لغةً من صراخٍ مُغنّى، أمراً تتشارك به أمهات هذا البلد، لغةً لم يكتبها الإنسان الأول على جدران الكهوف ولم يخطّها الفراهيدي، إنّها نَفَسٌ طويل يروح ويجيء في جدران الفم، لينتهي فجأة دون سابق إنذار تاركاً صدى لصرخة أخيرة. تعلّمتْ أمهات هذا الأوطان الزغاريد، زغاريد يمكن استخدامها في الأفراح وفي الجنازات، وفي طهور الأطفال، وفي مولد ذكرٍ بعد طول انتظار، تخرج عند قتل العدو وعند الانتصار، وتخرج أيضاً حين قتل النساء غسلاً للعار في جرائم الشرف. ورثتُ أعلى الزغاريد وأكثرها ذعراً، بطبقة مرتفعة، زغرودة لا تخيب، تخرج واثقة وصلبة وتطغى على كلّ صوت من حولي، تماماً كما يجب أن يكون صوت الفرح وصوت الحزن والانتصار والجحود والغدر والقتل وإشارة "السبعة" التي رفعناها في صغرنا، ورثتُ أكثر ما يجمع الأمهات في هذا الوطن، الوثاق الذي يشدُّ ألمهن وخوفهن وفقدهن، ورثت وطناً كاملاً عليَّ أن أعلم متى يخرج وكيف وفي أيّ لحظة، خبأته لسنوات طويلة وامتنعت عن إطلاق زغرودة واحدة واكتفيت بمراقبة أفواهِ الأمهات تخرج أبناءها الذين التهمتم الحرب، ترافقهم إلى قبورهم وتدمل التراب فوقهم، تمسك ثيابهم وتزغرد.. أكنَّ يقصدن ذلك؟ أم أن فطرة هذه البلاد تدفعنا لفعل ذلك، كانت مجرد أفواهٍ وحيدة وخائفة تقول للمرة الأخيرة "يا ابني" على شكل زغرودة!
وحين جاء عرس أخي امتلأ منزلنا بالزغاريد وكنت ابتسم لقريباتنا وهن يطلقن زغاريدهن حتى لمجرد دخولي الغرفة، إنه الفرح في أعلى صوره، كان يكفي أن نتكلم عن العرس لتنطلق الزغاريد حتى بُحّت الأصوات تماماً، فعرفتُ أن الزغاريد تخبو وتتعب، تتعب من الفرح كما الحزن، وتخيلتُ كيف نكف عن مخاطبة الغائبين حين تتعب زغاريدنا.
حين استُشهد أخوه قال لي صديقي: أتعلمين معنى أن نمشي خلف زغاريد النساء؟ إنها هويتنا والشيء الوحيد الذي نستطيع أن نردّ به رداءة الحياة لنقول لها نستطيع أن نواجه مصائبك بزغاريد أمهاتنا، أتتخيلين هذا الموكب صامتاً مكتفياً بالنواح؟ لا بدَّ أن تزغرد نساؤنا حتى نربك الموت، من المستحيل أن يفهم الموت لِمَ يفعلن ذلك، سيخجل حتماً ويندم، زغاريد الأمهات وحدها من تدفع الموت إلى الندم، وتخيلتُ جنازةً بلا زغرودة ووطن بلا زغرودة، تخيلت جريمة شرف بلا زغرودة لئيمة، تخيلت حياتنا بدونها وعرفت، عرفت جيداً أن للأوطان هويات كثيرة قد يكون أكثرها حقيقة الزغرودة!
علمتني نساء هذا الوطن كيف أجعل من زغرودتي في بعض الأحيان ثوباً أسود وفي أحيان أخرى ثوباً أبيضَ. علمتني أمهات هذا الوطن كيف نتألم بزغرودة وكيف ننتقم لشرفنا بزغرودة، علمنني أن للنساء لغة واحدة، وحدنا من يدركها، يفشل الرجال في فهمها أو تصحيحها أو كسرها، لن يمنع رجلٌ امرأة من هذه اللغة، ولن يفهمها حقاً، سينكسر خلفها كعودٍ يابس أو يصحو كطربون حبق.. الرجال المساكين لمْ يرثوا لغة كاملة في زغرودة واحدة، اكتفوا بالقتل والفرح والخسارات واكتفينا بإطلاق الزغاريد خلفهم!

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.