}

ما بين درويش ولوركا

ميسون شقير ميسون شقير 17 أغسطس 2018
يوميات ما بين درويش ولوركا
لوركا

 

ما بين لوركا ودرويش ألف ريتا وألف بندقية وزوج حمام، ألف حلم مشترك وألف إعدام مشترك وألف توقف للقلب والكون.

رحل لوركا ولم يتسن له أن يكتب جداريته لكن درويش كتبها بالنيابة عنه،

رحل درويش ولم تقتله رصاصة صوبت نحو الحرية، لكنها قتلت لوركا نيابة عنه

وكلاهما يوهم بالرحيل كنهاياتهما المباغتة الجارحة، وكلاهما يموت ولا يموت

لم يلتق لوركا بدرويش، لكن ترك له وصية الموسيقى في الكلام كاملة.

ولم يلتق درويش مع لوركا، لكنه كان وفياً لترقيص الشهيد في الأغنية.

لم يسمع درويش لوركا يلقي شعره، لكن وتر درويش أيضاً قُدَّ من حجر ولم يسمع لوركا درويش يقول الشعر، لكن قيثارة لوركا كانت تعرف أنه سيأتي شاعر يقول الكلام على شكل معنى في الرخام، وأنه سيعيده على شكل قيثارة بخمسة سيوف.

وكان درويش يكتب للوركا في خمسين عاماً على رحيله حين كان يبوح له بتنفيذ الوصية وبما فعله ذاك الغجري الذي يغني قصائد لوركا في قلب محمود درويش وفي روح تلك الراقصة،  وكان يعده بالموسيقى خضراء في كل الفصول من القصيدة وكان ينعيه ليحييه فيه وفي شجر المعنى وفي صوت العبارة والخيال، وكان يعيد ما قاله الضابط الذي نفذ إعدام لوركا من أن لوركا قد سأله عن جهة الركض التي أمره بها الضابط قبل أن يطلق عليه الرصاص، وكأنه كان يقول: أن لوركا الطفل سأل عن اتجاه الموت كما يسأل الشاعر عن جهات العواطف،  وأنه كان يريد فقط وقتاً أطول كي يرى جبال غرناطة ويسمع صوت الغجري في القمة البعيدة، وكأنه كان يطلب منه  لو كان قد  ركض باتجاه البحر حين طلب منه ذاك الضابط  الركض فلربما كانت الأصداف قد  ملأت  شواطئ  قصائد درويش الأخيرة، وربما كان درويش قد رحل مرة ثانية في شراع.

حمل الشعر دم لوركا وجثته الضائعة وحلمه الجمهوري الى آخر بقاع الأرض، وحمل الشعر اسم درويش كأجمل أسماء فلسطين الحسنى، كأجمل أرض عليها ما يستحق الحياة.

كان لوركا يطلب فقط أن لا يتم إعدامه أمام القمر، وكان درويش قمر لوركا الذي اختبأ قليلاً ريثما يكمل لوركا موته ويستريح.

لوركا تنبأ بموته في القصيدة، قبل أن يموت خارجها، ثم دفن فيها بلا كفن.

درويش شاهد موته في جداريته فكتبه، ثم أكمل حياته فيها وتركنا نكمل موتنا به.
اغتالهما آب بفارق عشرة أيام، وعشرات القصائد، ربما هو آب الذي يغلي فتغلي معه الحياة، ثم تتبخر، لتعود لنا على شكل غيم مليء بالقصائد وبالملح. 

عشرة أيام وعشر سنوات على غيابك يا درويش، لكننا ما زلنا نبني خيامنا في قصيدتك. 

الغرقى السوريون يملؤون العبارة ويطفون على صفحة المعنى.

مالح نشيدنا يا درويش مالح.

فكيف سنحمي قصيدتك الآن من الغرق؟

اثنان وثمانون عاماً على إعدامك يا لوركا، لكننا نراكَ أمامنا في هذه اللحظة، يأمركَ الضابط الذي سينفذ إعدامكَ بالركض، وتركض. لماذا سألته عن أيّ اتجاهٍ ينبغي لكَ أن تركض فيه؟ هل سيغيّر اتجاه ركضكَ، اتجاه الرصاصة التي تخرج من الفم؟ أو من الكلام؟ هل كنتَ تريد أن تخدع الرعب بالسؤال؟ أم كنت َتعرف أن كل الاتجاهات تصبح واحدة حين يضيّع الدم جهة القلب؟ أكنتَ تريد لقصائدكَ وقتاً أطول كي تستطيع أن تحمل قلبك عنك؟ وعن الأندلس؟ وكي تبقى قصائدك حادة قبل الموت؟ وطازجة وقوية، مثل السؤال عن اتجاه الركض قبل لحظة الإعدام؟
اثنان وثمانون عاماً، لكن الأرض تعيد إنتاج مَن يقتلكَ، وتعيدنا. نحن السوريين الموريسكيين الراحلين عن دمنا وعن موتنا، لم يتركوا لنا وقتاً كي نسأل عن اتجاه الركض، ولا يزال قاتلنا جالساً يكمل مساءه، ويغلق باب الغابة.
اثنان وثمانون عاماً لوركا ونحن نغنّي لموتانا، كي يبقى الغناء حياً في القصيدة.
أعدمكَ شعركَ يا صديقي، يا صديق الفقراء والراحلين، يا صديق الوجع في النايات، وفي كمان الحنين.
يا صديق الثورة الطالعة من العيون، يا صديق الموسيقى الساكنة في دانتيل الحجر في قصر الحمراء، يا غرناطيّ الروح، يا روح غرناطة فينا، يا صديق الليل الأنثوي الطويل، وصديق المصلوبين على أرصفته، وصديق الأحصنة السوداء التي تصنعه، ويا صديق الحجر الذي صار وتراً.
لا تذهب مرةً أخرى إلى الموت وحدكَ، خذ درويش وخذنا وخذ أطفالنا الذين يقيمون لدمائهم التي ماتت من الجوع جنازات في العراء.
لا تذهب مرةً أخرى إلى الموت وحدكَ، فشخصيات مسرحياتكَ تبحث كل يوم عن نفسها فيها، والقصائد تفتش عن فضة دهشتها في صوتكَ، وعن صوت رقص الغجر الراحلين الطالع من دمكَ. الشعر الذي "يحوّل المستحيل إلى ممكن، والقيثارة إلى قلوب من نار"، لا يزال يربّي لك القوقعة التي حملوها إليك كي "تسمع صوت البحر فيها فملأت قلبك الأسماك الشفافة مثل الظل والفضة".
لم تكن المعركة متكافئة يا لوركا. كانوا يحملون بنادقهم، وكنتَ تحمل أشعاركَ. لذا كان لا بد أن يموتوا، وأن تنتصر.
اثنان وثمانون عاماً على إعدامك وكل لحظة  يُعدَم الشاعر فيها، تسقط السماء في حفرة في الأرض. أنتَ الذي تُعدَم كل يوم فينا، كيف لأرواحنا أن تكون يوماً زرقاء!

اثنان وثمانون عاماً ولا تزال "القيثارات تبكي أشياء بعيدة، تبكي سهماً بلا هدف، لا تزال قلباً جريحاً حتى الموت بخمسة سيوف"، ونحن لا نزال عالقين في الأغنية.

 

 

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.