}

الأشجار لا تنمو في الماء المالح

السيد طه 12 أغسطس 2018
شعر الأشجار لا تنمو في الماء المالح
لوحة للفنان خليفة الدرعي
(1)

تستشعر اغتراب جسدك عن الملاءة
تهجرك الأفاعي وتترك فيك جحورها
يملأك الصمت المطبق
ويمنعك الوجع القاسي
من الأوزان المكسورة
يهجرك الشعر
صديقك الخائن
وتشرق الشمس للمرة الأولى من البحر
فتغترب أكثر وأكثر
وتكتشف أن تحقيق الأحلام بذات القسوة
تسأل نفسك مرارًا
كيف جففت الشمس جحورك الرطبة!

(2)

لا يؤذيك غياب الشعر
بل على العكس تمامًا
أنت الآن حرٌ بالكامل
كي تكتب دونما تصنيف
خانتك القصيدة مرارًا
وأنت الآن تخونها
بكل ما فيك من شر
بكل ما فيك من كراهية
تهدم حتى ما بنيته بيديك

(3)

كي لا أفتقدك أكثر
صنعت من اسمك قصيدة؛
تعرف كيف يبدأ الشعر بجملة
وكيف تغزو الروائح النوافذ الزجاجية
أحمل رائحتك في أنفي؛
وبرغم أن لا شيء حولي يشبهك -
لا شيء حولي يشبهني -
يذكرني الغياب
ويسقط اسمك فجأة من فمي
كي يصنع مطلعًا مرتجلًا
عن البحر المالح
عن الماء الذي يزيد العطش

(4)

ما زلت تحب كل ما
كنت تحبه قبل شروق الشمس؛
ما زلت تحلم بذات الأشياء -
إناء زهور فارغ
لم يجد بعد ما يناسبه
وقصة لا تكتبها وحدك في الغرفة،
ما زلت أراك كما أنت
هائمًا كسحابة وعاديًا مثلها
لونك الأبيض لا يميزك
ووحدتك لا تمنحك تفردًا -
ما زلت أبحث فيك عن ذات الأشياء
وذات الأشياء تطاردك
أنت والشمس والسحاب
وغروب دائم في عين البحر
وانتظار في ساحة من أسفلت
يتراقص فوقها صهد الحر -
لونك يتغير
لكنك ما زلت تحب ذات الأشياء
ذات الأحلام
وداخلك لم تمسه الأيام الطويلة؛
تمنح نفسك جائزة الصمود
وتزمجر في وجه المدينة
التي ألقت في وجهك بكل ما تملك من قذارة -
ما زلت تحب
ما زلت تحلم
واتساعك ما زال بإمكانه احتمال أكثر،
على شاطئك الرملي الناعم
ينام البحر الآن مستسلمًا من جديد
منتظرًا جولته التالية -
هزيمته التالية -
لم يتعلم بعد أنك عاديٌ جدًا
لا شيء يميزك
وبرغم ذلك -
أو ربما بسببه -
تنتصر.

(5)

في نهاية المطاف
أنت رجل استعراض
لا يجدر بك إعطاء النصائح؛
تغسل ملابسك في نهاية اليوم
بعد أن تتأكد أن جيوبها فارغة:
لا تحب أن تعلق بجسدك الأيام،
تستنشق رائحتك
وتنفث رئتك في وجه العالم
لا شيء يعنيك
وترتجل دورك كل مساء
لا يهمك إن كان نثرًا أو شعرًا
لا يهمك إن قذفك الجمهور بالورود أو الحجارة
كلاهما يلوث ملابسك
التي تغسلها جيدًا
كي لا يعلق بها شيء -
خيالك شبكة صيد
وجسدك تؤذيه الشمس
تحيل لونه إلى البرونزي،
يأتيك الناس ليروا تلك الأعجوبة
ولا يهمهم إن قلت شعرًا أو نثرًا

(6)

تفقد من طعمك كثيرًا
حين تتحدث عن فقدان الأمل؛
نكهة الفانيلا القوية
ورائحتها التي كنت تعبق بها -
آيس كريمك لا يحتمل الصيف
وشيءٌ ما لا يناسبك
في فم العالم المتشوق لانتعاشك
وأنت لا تكترث كما يليق بالثلج،
أنت
كوب ليمونٍ فارغ
على طاولة في ركنٍ بعيدٍ هادئ
وأنغام موسيقى يونانية
تبعث على النوستالجيا
على زمن قديم
كان ثلجك فيه يصمد لعين الشمس المكسورة؛
لعبة أثيرة
تطارد فيها ذيلك كقطة
لتكتشف مذاقه المر كلما أمسكت به -
ظلك الآن عالٍ جدًا
ولكنك لم تعد تثق بساقك
تفقد الكثير من الطعم
حين يهتز إيمانك
حين تتوقف عن مطاردة ذيلك

(7)

إلى السيد جوزيف كونراد صاحب رواية قلب الظلام

أما أنت فمدفأتك وكرسيك الهزاز بجوارها
ومتسع الوقت لقراءةٍ معمقةٍ عن الأدغال
جعلوك تردد هذا العواء السخيف عن الرعب
أي رعب؟ أي رعب؟
في غرفتك، ربما  -
في الغابة
تطلق حدسك في الممرات الضيقة؛
ولا تمتلك رفاهية أن تمنح مشاعرك اسمًا

(8)

يطلع الصبح
فيجدك واقفًا في انتظاره
ما زلت تجيد الابتسام
والانتظار انتصار جديد
تضيفه لقائمة أطعمتك المفضلة
هكذا يقاوم جسدك التعب
هكذا يتغذى على اللحظات الطويلة؛
تريد أن تكافئ احتماله
أن تمنحه انتظارًا أطول
كي يتقن اقتناص الابتسامات
من مخالب الوجع!
يطلع الصبح
من قلب الضباب
واعدًا يومك بشمس لا تتعاطف
مع خلاياك المنهكة
أنت انتصار كبير
ما زال لم يعلنه أحد  -
مدينة مهدمة
من بقايا الحرب الأخيرة
تنتظر انكسار حدة الشمس
كي تعلن حقها في تقرير المصير
كي تعلن أن كنوزها لم يمسها الحريق
مدينة يأكل سكانها
ثمار اللحظات الطويلة
والانتظار

(9)

أقتفي أثر أغنامي حافي القدمين
يقطر دمي في نهار منتصف الصيف،
وثقوبي تملؤها الرمال الساخنة؛
راعٍ يبحث عن قطيعه
صامتًا تمامًا
كي لا يضيع الطريق الهش
كي لا يتبخر الإصرار -
أسير
والرحلة أقل شاعرية من القصيدة
فأكذب على نفسي عامدًا
وأخفي الكذبة في المجاز
كي لا تبخرها الشمس؛
أنتظر الصدى ليملأ أذني
التي اعتادت الضجيج

(10)

الوجع
يمحو من جسدك ذاكرته
ليبقى منصوبًا في ساحة المدينة
تذكارًا لتاريخ منسي،
ينحت فيك الملح تجاويف فارغة
تسقط قشرتك البيضاء؛
ويظهر حديدك الصدئ -
تبقى منصوبًا على أي حال
يهزمك الوجع تمامًا
وتظل منتظرًا
كي تتحول القصيدة إلى انتصار -
يهزمك الوجع والانتظار:
كما في الشعر
كما في الحياة!

كما في الحياة!



*شاعر من مصر

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.