}

مدينتنا التي سقط عن واجهاتها الطلاء،

السيد طه 21 ديسمبر 2018




كنا (اسكندرانيين) جدًا؛
قفزنا فوق الحروف
واسقطنا جميع الهمزات
واستبدلنا الضاد دالًا
كي لا تقف في حلوقفنا -
وتكلمنا بنون الجماعة
بينما كل منا يشير إلى نفسه

مدينتنا التي سقط عن واجهاتها الطلاء،

مدينتنا التي تعرف خفة الماء المالح
والرقص تحت الشمس الحارقة
وألم المفاصل
وأنصاف الأكواب المكسورة التي يتفتت فيها النور
في شوارع تنبت من شقوق الأسفلت،
مدينتنا التي تحتفظ بمياه الأمطار في بركها وحواريها
وبين قضبان الترام،
مدينتنا التي تمنح صفرة الخريف زرقتها إخضرارًا -
تعرف شعرك
كيف تغسلينه وتجففينه
وتعرف الشامة التي تخفينها على كتفك
وتعرف أنها ستحزم حقائبك ذات مساء
كجدة طيبة
لكي تجربي مدينةً أخرى

 

***

نجلس في مقهى بوسط المدينة
نشرب القهوة ونحرق صدورنا تمامًا
بدخان الحرائق في أجسادنا،
لا نعتذر للمارة عن سيقاننا الممدودة
تقطع الطريق في منتصفه -
هذا أقرب ما نكون للثورة،
انتظري حتى يكتمل الغروب
وتغرق المدينة بالكامل في ظلامها،
وامسكي بيدي بينما نعبر شارع فؤاد
تقولين أن سيارتك فقدت نصف وزنها
على هذا الطريق بالتحديد
واليافتة الخضراء تقول أن الشارع
اسمه طريق الحرية،
أسحب كفي من كفك كي أشعل سيجارة
وأعيد رواية الحلم الذي رأيته ليلة أمس:
كانت ذقني فيه أكثف
ووجهي تملأه الحساسية -
نجلس في سيارتك النحيلة
في منتصف شارع فؤاد
وهاتفك لا يكف عن الرنين؛
ما زالت السكة طويلة
ونحن لم نعد واثقين
أن الطريق إلى ما نريد يمر من هنا

***

لأنني تعلمت الخوف من ماما
والصمت المشحون حتى الانفجار،
لأنني تعلمت الرقص في الحجرات المغلقة
والمشي على أطراف أصابعي
ولأنني تعلمت كيف تكون الهزيمة
بينما تسحبني المدينة خلف عجلتها الحربية
تحت قوس النصر العملاق،
ولأنني ابن ماما
وابن الأقنعة
أرتدي دائمًا الضجيج
بألوانه الصاخبة وفتحاته على ساقي -
بإمكاني أن أرفع رأسي
برغم أن أو لأن
جسدي كتاب تلوين، أنهيته بالكامل
قبل أن أتعلم كيف لا أخرج عن الخط!

***

تضعني في إطارك
وتعلقني على حائط غرفتك؛
بابا
ظهري يؤلمني
من طول ما تدلى
من الأسقف العالية


***

تقول ماما أنها تشعر بمغص
يذكرها بيوم ولادتي
وتعيد حكاية تفاصيل اليوم
الذي لا تنساه كأنها للتو انتهت من دفعي
في اتجاه كل ذلك الألم،
كأنها كان لا بد أن تمنحني بعضًا منه
لأنه أكثر من أن يتحمله شخص واحد على أي حال -
تقول أنه كان يوم ثلاثاء
تمامًا في منتصف الأسبوع
تمامًا في منتصف الصيف
تمامًا في منتصف السنة
تمامًا في منتصف الهوية
كي أصبح رجلًا في ثوب لا يناسبه
يبحث عن صوت أخر في أحباله الصوتية،
تقول ماما أن رحمها اتسع بما يكفي ذلك اليوم
كي يمنح الحياة لأربعة أطفال أخرين
دون أن تصاب عضالته بالترهل،
وأنها فوجئت حين احتضنتي بين ذراعيها صبيًا
لأنها وضعت في ذلك الجنين
أكثر مما قد يحتمله جسد رجل

***

هذا المساء
غرفتي فارغة تمامًا؛
لا أجد ما أكتب عنه
ملابسي جميعها نظيفة
ومرتبة في دولاب صغير،
الهاتف جثة على المكتب منذ الصباح
وارتباطاتي جميعها مؤجلة،
يبدو مساءً هادئًا ومناسبًا جدًا
لأخذ دش طويل
وتدخين سيجارة في بلكونتي
التي لا تطل على شيء.

 



*شاعر من مصر

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.