}

أبناء المدينة التي تطل على الغروب

السيد طه 25 يوليو 2017
شعر أبناء المدينة التي تطل على الغروب
عمل للفنان العراقي صدام الجميلي

 

(1)

نحن
مجموعة صغيرة من مطاريد الرب
جمعتنا الصدفة
على هامش المدينة،
نحن
اجتمعنا في البداية حول أمل دنقل
ورددنا خلفه
"المجد للشيطان، معبود الرياح"،
نحن
منفيون من اللغة
ولا نخضع لقواعد التأنيث والتذكير
ولا نرى فرقاً كبيراً بين الفاعل والمفعول،
نحن
أبناء ليل المدينة
نرى في طرقات المساء الخالية
دروبًا نحو الفجر المصبوغ بلون دمائنا،
نحن
أبناء المدينة التي تطل على الغروب
وماضيها الموقوت
حول خواصرنا يستعد للانفجار،
نحن
مطاريد الرب:
رب الأسرة
رب القرية
رب المدينة
رب الدولة
المحتجب خلف عمامته البيضاء الهائلة؛
الذكر، المسلم، السني، المتزوج ضلعه
لأنه نرجسي لتلك الدرجة.
نحن
نود اختراع لغة محايدة قليلًا
تستوعبنا.
نحن
ذلك الحرف الناقص من الأبجدية
والصفحة المقطوعة
من كتاب التاريخ،
النهاية التي غيّرها بابا
كي لا يزعج نوم أطفاله
بأحلام الواقع والحقيقة.
بابا
عزيزي
دعني أفاجئك؛
آخد بيدك، تعال،
هذه حجرتي
وتلك نافذتي،
هذه مكتبتي التي طالما أرعبتك.
انظر
العالم مكان كبير،
فيه من كل لون درجاته.
نحن يا بابا العزيز
أبناء ليل المدينة
وذلك العالم لنا
فدعني أشرح لك؛
"في البدء كانت الكلمة"
والكلمة مؤنثة في اللغة ومذكرة في الواقع،
ما رأيك بتلك البداية المعقدة!
الهوية الجنسية لم تكن أبدًا بسيطة!
الشيطان خدعنا حين قال/ت: لا
فهو/هي ليس/ت مناضل/ــة،
بل كان/ت جزءًا من المؤسسة العتيقة،
وجهها الآخر فحسب
لذلك
نحن لم نعد نثق بأمل دنقل أيضًا،
لأنه وجهك الآخر يا بابا العزيز.

(2)

كنت طفلًا وكان العالم
يختبئ تحت وسادتي كل مساء؛
أحكي له القصص التي أغزلها خصيصًا لزياراته.
أحكي له
عن صديقي الذي قبلني على شفتي
عن مدرسة اللغة العربية
عن فيلم سيمبا الذي شاهدته للمرة العاشرة.
أحكي له
عن دموعي لحظة موت موفاسا
عن صديقي الذي يضربني
بعد تقبيلي.
أحكي له عن رغبتي في الالتحاق بكلية الهندسة
وأخبره أني أحلم أن أصبح مهندسًا معماريًا.
يتثاءب العالم،
وينام بجواري.
. . .
أجلس الآن
وقد تعلمت أن الأحلام رخيصة
وزيارات قوس قزح متكررة
والعالم يختبئ تحت وسادات الأطفال جميعًا،
أفكر في أحلامي
هل كانت حقًا أحلامي؟
إلى حد كبير أغلقت جميع الملفات؛
أعرف الآن:
أن موفاسا كان يجب أن يموت،
وأن مدرسة اللغة العربية
لم تجعلني أكره تلك اللغة،
وأن الهندسة ليست لي.
لكني
لا أعرف حتى الآن
طعم التقبيل بلا لكمات.

(3)

لم يحالفني الحظ قط مع الشرفات؛
فشرفة منزلنا صغيرة
لم تسع أقفاص العصافير
التي حاولت تربيتها،
والريحان
الذي حاولت زراعته
مات
لأن شارعنا ضيق
لا تدخله الشمس.
وبيت جدتي لم يكن فيه شرفة
بل منور تربي فيه الأرانب
وتحجبها خوفًا من العين،
فكنت أتسلل لأجس بياض الفروة.
ربما لهذا السبب لا أحب القطط
لأنها تذكرني بالأرانب التي سلبتني
منور جدتي.

(4)

أحب الأرواح التي لا تشبع؛
تصرخ كجهنم
"هل من مزيد"!
لا شيء يكفيها
ولا شيء يرضيها غير الكمال،
تبحث عن لحظات الجنون
كي تعتصر منها ما تحتاجه من انتشاء
وترفض المساومات والحلول الوسط،
الأرواح المتطرفة
التي تعشق بجنون
وتكره بجنون،
تلك الأرواح التي لا تعتذر،
تخوض الحياة عنوة
وتكسر في كل خطوة محظوراً،
تعيش على الحافة كزهور برية.
تلك الأرواح السحيقة
التي لا تنضب منها المفاجآت
ولا تكف عن الإبهار،
تلك الأرواح المكسورة
التي ترتدي أقنعة
وتخفي الحقائق
لأن الحقيقة مملة وغير مسلية.
تلك الأرواح التي تؤمن بالاستعراض
وبالمسرح
حيث الأصوات متضخمة
 والملامح أكثر حدة.

(5)

أخاف أن يتوقف قلبي فجأة
كمحاولة أخيرة منه للفت انتباهي،
ورغم معرفتي بذلك الوضع البائس
إلا أنني أخاف اتخاذ أي خطوات.
ألتزم حيادًا يستهلكني.
لي قلبٌ من زجاج
يعكس الضوء، ويحبس الحرارة
ويرفض محاولات الانزلاق
فوق ظهر الحياة،
لي قلبٌ حاد الحواف
لم تلمسه يد صانع المرايا بعد.
لي قلبٌ قاتل
يود لو يتجرد من أسلحته
لكنه اعتاد الدفاع
والأسوار العالية،
والقلوب تحت الحصار تنمو لها أظافر.

(6)

الوقت لم يكن أبدًا في صالحنا،
لذلك فإن الانتظار نوعٌ من المقاومة؛
مقاومة الحاجة الدائمة
لتحقيق شيء ما.
الانتظار ليس سهلًا
بل إنه يحتاج الكثير من الجهد والتدريب،
ليس سهلًا أن تجلس منتظرًا من اللحظة أن تعانق ذروتها
دون محاولة دفعها،
ليس من السهل التوقف لبرهة
كي تتضح معالم الدراما التي تلاحقنا
من الدراما التي نصنعها.
وليس من السهل التنفس بهدوء
وسط كل أدخنة الأحلام المحترقة تلك.
مقاومة التسارع المستمر للزمن
والتوقف للحظة
- رغم المطالبات المستمرة
بتحقيق شيء ما -
هو محاولة لرؤية الواقع مجردًا من التاريخ
الذي يفرد ظلاله الطويلة.
الوقت لم يكن أبدًا في صالحنا
لذلك فإن كل لحظة تمر؛
أقاوم فيها
رغبتي العبثية في استباق ظلي.

(7)

ضجيج المقاهي
يملأ الرأس بصخب التفاصيل
المبتورة؛
الكلمات المتطايرة فوق الطاولات
تفشل في العبور إلى الضفة الأخرى،
وتضيع في أدخنة الشيشة.
يختنق الجميع في الدخان
الذي ينفثونه،
وتتساقط المحاولات في فناجين القهوة
فتطيح بالوش،
ولا يتبقى غير السائل الأسود المر
الذي يتجرعه الصاخبون
كطقس أخير 
من أجل طرد
 أرواح الصمت الشريرة.

(8)

أنا لا أكره جسدي،
لا أخجل منه.
أنا لا أود الهروب من رغباته
بل بالعكس تمامًا،
أتمنى لو أن بإمكاني فتح مسام الجلد كله
أمام الهواء،
أن أغسل رغباتي وأنشرها في الشمس
كي تجف
وأستخدمها من جديد.
لا أريد لأطرافي أن تتيبس في تابوت
ليس على مقاسي
ولا أريد أن أهرب من الضوء الباهر للشمس
بل على العكس تمامًا
أريدها أن تعميني
وتلقيني على ظهري
كي تجف الرطوبة من مفاصلي
وأشرع في تدشين جسدي
كطاحونة هواء؛
تطحن الرغبات
 من أجل صنع كريم مرطب للبشرة.

(9)

كيف أكتب عن الحياة؟
وحدود تجربتي لا تكاد تتسع
لسريري
ودولاب زجاجي صغير
أحتفظ فيه بتذكارات
كي أثبت لنفسي أن لدي ما يستحق
الكتابة عنه!
يصدر عني كل هذا الضحيح
ولكني في الواقع
بالونة هواء كبيرة
فيها بعض حبات أرز،
والخيال طفل مزعج
يمسكني ويقذف بي.

(10)

تعرف أن القصة حقيقية
حين تفشل أن تكتب عنها،
حين تختلط الوقائع والحقائق في ذهنك
وترفض الكلمات محاولاتك ترويضها 
في جمل مفهومة،
تعرف أن مشاعرك حقيقية
حين لا تجد ما يناسبها
وتود اختراع كلمة جديدة
خصيصًا لقصتك.
تعرف أن القصة حقيقة
حين تتحول لقنفذ
 كلما حاول أحدهم مناقشة القصة معك.

(11)

تخلع رأسك وتقذف به
إلى الحائط،
تكرر الفعل عدة مرات
لعل الطنين يخف
وتسيل الرغبة في قول شيء ما مع الدماء،
تصطحب نفسك،
تاركًا رأسك متكوراً بجوار الحائط ينزف دمًا،
وتنزل للمقهى
لتدفن أحزانك في حجر الشيشة
الذي تود لو توصله بالرئتين مباشرة
دون الحاجة للمريء،
تود لو يحترق قلبك في الدخان الأبيض القاتل.
تخلع جلدك بالتدريج
وتلعن الحراشف القاسية
التي نمت على مر السنين،
لماذا ليس بإمكاني الخوض في التجربة
دون الحاجة لحساب الاحتمالات؟
ألعن ميتيّ كلهم
لأنهم يقفون الآن في حنايا عقلي
كالأشباح،
أفكر في إبسن رغم أني تركت رأسي في البيت.

(12)

حين تقلع الطائرة
سيتضاءل كل ما كنت تظنه كبير!
ستصبح المدينة
حبة ذرة
والوطن وهم هائل
يحتل ذلك الجزء من الخريطة،
ستتضاءل الخريطة
وتصبح الجغرافيا بلا معنى
والتاريخ مجرد كتاب تحمله في حقيبتك من أجل التسلية.
ستتبخر الأوهام في طبقات الهواء العليا
وستكتشف أن والدك الطويل جدًا
مجرد قزم
لا يصل إليك صوته،
وأطباق والدتك التي كنت تقسم بها
ليست سوى محاولات فاشلة
لتقيدك بالطاولة.
ربما تفتح هاتفك لتمسح كل الأغاني الوطنية
التي كنت خزنتها في لحظة شجن
ظننت فيها بالخطأ أنك ستشتاق،
لن تشتاق،
ولن يقتلك الحنين،
لأنك تعرف أن الحنين لا يقتل،
الجوع يقتل
الخوف يقتل
الإرهاب يقتل
المحاكم والأحزاب وقصر القبة،
سيبدأ جسدك في طرد السموم
وستكتشف قدرتك على التنفس
بهدوء
وستسقط العمامة البيضاء من فوق رأسك
لا تليق بك،
لا تليق بك "المعاطف الشتوية" القاتمة،
لا تليق بك الأحلام المبتورة
والطرق التي وضع فيها أصحاب المحلات مطبات
بدافع الحفاظ عليك.
ستخلع جسدك وتنتظر أن ينمو لك جسد آخر،
أكثر خفة
أكثر انفتاحًا
أكثر شبقًا
لأنك تكتشف أن الشبق يروي حنايا الروح
أيضًا.
تكتشف كل ذلك فجأة
في اللحظة التي تطير فيها
وتكتشف أن جسدك بالفعل حلّق
وأن العودة لحضن الوهم مستحيلة.

(13)

قبل ثلاث سنوات
اصطحبت "الغريب" وجلست في أحد الكافيهات على البحر أقرأ وأشرب نيسكافيه،
أذكر اليوم جيدًا:
الشمس الصباحية الهادئة
رائحة القهوة ورائحة البحر
وصدمتي حين قرأت السطر الأول.
بعدها قرأت "قصة مدينتين" لأول مرة بلغتها الأصلية
لا أذكر اليوم أو الظروف
لكنني أذكر جيدًا
السطور الأولى
وأذكر رغبتي في التصفيق،
بعدها قرأت آنا كارنينا
وما زال السطر الأول منها يخايلني
في مناماتي.
الآن
أفكر في البدايات كلها التي جمعتني بمن أعرفهم
واستشف منها العقدة
التي تجاهلناها في شغف اللقاء الأول
والاستكشاف.
إلا أنت،
إلا لقاءنا الأول
فقد كنت أرى منذ اللحظة الأولى
أن العقدة ستكبر،
وأن زغب بشرتك سيتجمع في فمي
حتى أتوقف تمامًا عن التنفس،
وأن الروايات جميعًا والأفلام
ونصائح ماما
لن تجدي
وأني سأسقط تمامًا
وسأرسل لك على الواتس آب رغم مرور عام الآن
 وأخبرك أني مصاب بداء الذاكرة.



*شاعر من مصر

 

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.