}

خيري الذهبي: سورية أكبر من السوريين

محمد جميل خضر 5 سبتمبر 2019
حوارات خيري الذهبي: سورية أكبر من السوريين
خيري الذهبي ومجموعة من كتبه
ليست متعة السرد فقط ما تحققها عند مجالستك الروائي السوري خيري الذهبي، بل ثمة متعة أُخرى تتعلق بتحليلاته لتاريخ المنطقة. تشعر وكأنه يعيش زمن لوقيانوس السميسطائي، والإسكندر المقدوني. وتدهش وأنت تسمعه يعاين الغزوات التي تعرضت لها منطقة بلاد الشام، ومَن مِن بينها فادت وأفادت، ومن تمثلت كفعل قتل ودمار فقط لا غير. في هذا الإطار يرى صاحب "ملكوت البسطاء" أن غزوات المغول هي من النوع الثاني الفاقد لأي أهلية حضارية، ولم يتحقق على مرّ عصور غزوهم للآخرين أي حوار مثمر أو جدل بنّاء.
"سورية أكبر من السوريين"، يقول صاحب "لو لم يكن اسمها فاطمة" وعشرات الروايات والكتب والأعمال الدرامية، ويسرد على مسامع ضيفه سيرة الكتابة من لحظة المكتبة السرية في بيت العائلة، وحتى اكتشافه رواية شبه منجزة متروكة على حاسوبه النقّال (اللابتوب) الذي حمله معه حين قرر مغادرة دبي والاستقرار في عمّان، نسيها مع دوامة الترحال التي يعيشها السوريّ هذه الأيام، ليراها فجأة أمام ناظريه كما لو أنه وقع على كنز في كهف السبعين من عمره المديد.
"لوقيانوس هو أول الروائيين قاطبة"- يؤكد صاحب "الإصبع السادسة"، ومن ثم يستعرض بين يدي جليسه منجز هذا المبدع السوري العظيم.
وهو يرى أن الرواية هي فعل مدينيّ برجوازيّ بامتياز، وفيما هو يستشهد بمقولة الفيلسوف المجري جورج لوكاش (1885-1971) الذاهبة إلى أن الرواية هي ملحمة البرجوازية. 
في بلده التي عاد لها في ستينيات القرن الماضي بعد دراسة اللغات في مصر، كتب صاحب "فخ الأسماء" بهمس العارف دقّة الموقف السياسي الذي يرزح شعبه تحت ثقله، برجفة الخائف من بطش نظام لا يرحم ولا يحبّ دمشق على وجه الخصوص.
هنا حوار مع الذهبي:


أعدت للسوريين دمشقهم التي خطفها النظام..
(*) هل يحقد هذا النظام على دمشق؟
هو كرهٌ غريبٌ وعجيب، إلى الحد الذي دفع بعض أصدقائي من الكتّاب والفنانين إلى إنكار انتسابهم إلى عاصمة الأمويين.


(*) وماذا فعلت أنت؟
أنا أحببتها على طريقتي، فهناك في حي القنوات تعلمت أول الكلام وأول الجولات التي كنت فيها وحدي ككائن متوحد منذ الطفولة، بين كروم المشمش واللوزيات وكل خيرات المدينة التي نبتت من ضلعٍ خصب لمدينة أصغر تسمى "كفر سوسة". أحببتها وأنا أقضي الساعات في

مكتبتيّ: العلنية والسريّة. وللسرية قصة طريفة، فقد كنت يوماً في المكتبة أبحث عن كتاب ما وإذا بمجموعة من الكتب (تندلق) أرضاً وينكشف تحتها الباب السريّ لمكتبة خبأها الوالد هناك، وإذا بي أقع على ذخيرة من الكتب المشوّقة والمثيرة، وأجوب عوالم من السحر والخيال مع "ألف ليلة وليلة" ومع الأجزاء الأربعة لهذه الألف ليلة وليلة أمضيت ستة أشهر متواصلة من القراءة، أخرج من هناك وعيناي مجمرتان، فتشفق عليّ والدتي، وتسألني عن أحوالي. أحببت دمشق بإنجازي لها ثلاثيتي (حسيبة وفياض وهشام) التي شكّلت منعطفاً مهماً في مسيرتي الروائية. في الثلاثية استعدت نفسي وأعدت للسوريين دمشقهم التي خطفها النظام منهم مثقلاً كاهلها بالعشوائيات التي سكنها جماعتهم القادمون من الساحل. اقتحموا دمشق بعقلية الغزاة الذين لا تعني لهم المدينة شيئاً. وخنقوها بالمباني فوضوية التصميم غير جميلة القوام، عشوائيات لا تشبه دمشق التي نعرفها. هم يقضمون دمشق وأنا أستعيدها كتابة.
في تلك الأيام دلّني صديق على صاحب دكان كان يؤجر الكتب، ومن خلاله انغمست مع عالم آرسين لوبين وشرلوك هولمز وموريس لبلان، كنت أستأجر الكتاب بفرنك سوري، شريطة أن أدفع له أول مرّة ربع ليرة سورية، وعندما أعيد الكتاب تبقى الربع ليرة معه وأستعير الكتاب الجديد بفرنك وهكذا دواليك. توسعت مداركي، لكن "ألف ليلة وليلة" كان لها طعم خاص جداً.
يزعمون أن "ألف ليلة وليلة" مترجمة عن الفارسية فأين الأصل الفارسي؟ ليأت به أحدهم ويسكتني. (جيبولي النص الفارسي ما في.. جيبولي النص الهندي ما في). هي خلاصة ثقافات الشعوب جميعها باعتقادي ولم ينجزها شخص واحد.

(*) متى بدأت الكتابة؟
بدأتها عندما كنت أخدم في العسكرية كضابط ارتباط لقوات الطوارئ الدولية على الحدود بين سورية وفلسطين. كان معي كل الوقت وكل الرغبة بالكتابة، وكل ما نهلته من مكتبتيّ والدي ومن سور الأزبكية في مصر.


(*) وما قصة سور الأزبكية؟
في مصر تحقق في ستينيات القرن الماضي الانفجار الأكبر قرائياً ومعرفياً في حياتي. فعندما قرر عبد الناصر تعريب مصر أي إخراج الأجانب منها: يونانيين وطليان وقبارصة وفرنسيين وإنجليز وأجناس أخرى، وعندما بدأ هؤلاء بمغادرة مصر أخذوا معهم ما خفّ وزنه وارتفع ثمنه، تاركين ما ثقل وزنه وانخفضت قيمته، فكانت الكتب هي الضحية الأولى لهذه المعادلة، إذ تركوا خلفهم مئات الأطنان من الكتب التي توزعت سور الأزبكية، بأسعار شبه مجانية. فالبائعون غالباً لم يكونوا يدركون قيمة الكتب المعروضة مثل البالات، خصوصاً وأن معظم تلك الكتب مكتوبة بلغات أجنبية. ولن أنسى ما حييت أنني اشتريت المجموعة الكاملة للشاعر والكاتب المسرحي الفرنسي جان راسين بـ(خمسة ساغ). سور الأزبكية هو البلاطة الرئيسية التي كونت ثقافتي وفتحت لي الآفاق على الأدب الغربي عموماً.


(*) عد بنا إلى "ألف ليلة وليلة".
"ألف ليلة وليلة" هي رواية البرجوازية المدينية العربية الأهم. رواية المدينة عندما يتساوى الناس كأسنان المشط مواطنين في مدينة الوطن ومدينة الناس: الأشعريّ والمعتزليّ، هناك حيث وقفا مرّة أمام الخليفة المأمون تحت عنوان (لندع كتاب الله جانباً ونتحاور)، فإذا بالحوار يجوب آفاقاً طازجة من الرأي والرأي الآخر. إنها رواية الشريحة الجيولوجية للحضارة الإسلامية قاطبة، وفيها يتساوى الفارسيّ مع الهنديّ مع المصريّ/ الفرعونيّ مع الشاميّ وأخيراً مع البغداديّ/ العباسيّ.
"ألف ليلة وليلة" من أروع الكتب التي استطاع الإنسان إنتاجها، حكايات لا تنتهي وشخصيات غريبة وإنجاز عجيب، وكل هذا أنجز قبل ألف عام. نهم ومتعة وإثارة قصوى وإبحار في عوالم هذا الكنز الهائل.



"المكتبة السرية والجنرال" وجوهر الرواية
(*) من جديدك روائياً "المكتبة السرية والجنرال"، ما الذي أردت أن تقوله في تلك الرواية؟
علاقتي مع الجنرال كانت علاقة رعب وذعر وخوف وأنت فعلاً في ظل حكمه (ما بتعرف متى يمكن أن تضيع). فأنا أقول له في روايتي "المكتبة السرية والجنرال": إن المكتبة السرية هي مكتبة الأجداد التي لن تصل إليها. اخترت المكان بيتاً شامياً وهو بيتي القديم، وكنت أعرف أن تحت البيت مكتبة سرية لا يستطيع أن يصل إليها إلا من تريده هي أن يصل إليها. في تلك المكتبة اجتمعت كل علوم الشرق وأسراره وكنوزه.
وللأمر قصة أيضاً، فقد أخبرني أهلي أن البيت كان له مخبأ سري، يدخلون منه للاختباء في قبو أو ملجأ إبان الاستعمار الفرنسي، وعندما رحلت فرنسا طيّنوا الباب، ومع الأيام لم يعودوا يعرفون أين هو الباب السري للملجأ الذي كانوا يختبئون داخله من بطش الفرنسيين. فلم يعد هناك وجود بالنسبة لهم لا للباب ولا لما هو تحته. توارى في الغياب والغموض والامتناع. من هنا جاءت فكرة الرواية.


(*) يتكاثر الروائيون هذه الأيام بما يكاد أن يصبح ظاهرة. وينتقل شعراء إلى عالم الرواية، ويهجر كتّابٌ القصة إلى فضاء الرواية الأرحب. هل تزعجك هذه الظاهرة؟
هذا الهوس الروائي السائد حالياً هو أمر إيجابي كما أرى، فعندما يكثر الطاعمون فلا بد أن يتحسن الطعام. ولكن لا ننسى أنه كما كثر الطاعمون كثر أيضاً الانتهازيون، الذين لا يفكرون إلا بإرضاء القارئ بأي طريقة كانت. هذا لا ينفي أن كثيراً من الروائيين العرب الشباب والجدد رائعون ومتميزون.في السباق يتنافس العشرات وواحد فقط يفوز.

(*) هل الرواية تأريخ لمرحلة؟
الكتابة الروائية لا تستطيع أن تهرب من التاريخ، ولا تستطيع أن تعلو فوق التاريخ. تستخدم التاريخ لتكشف سوءات الحاضر ولتهرب من استحقاقاته.
والرواية ليست عملاً يستجيب لأزمة اللحظة، بل هي جهد يكمّل التاريخ ويرمّم نواقصه. حضارتنا العربية الإسلامية ظلت تتنازعها منذ قيامها وجهتان اجتماعيّتان قيميّتان: الوجهة المدينية التي انتصر لها الرسول فور انتقاله من قرية مكة إلى قرية يثرب عاملاً على تحويل يثرب إلى مدينة وهي التي صار اسمها المدينة المنوّرة، وأما الوجهة المقابلة (المضادة) فهي الوجهة البدوية التي أخذ منها رسول الإسلام منذ البداية موقفاً رافضاً: "الأعراب أشد كفراً ونفاقاً".

أكثر ما ابتلت به بغداد، على سبيل المثال، عندما تجلت كحاضرة مدينية برجوازية عربية إسلامية، هو الغزو البدوي الهمجي القادم من شرق آسيا: المغول والتتار (هولاكو وجنكيز خان وتيمورلينك) القادمون من صحارى آسيا وأكثر مساحاتها قفراً ويباباً وبرداً وفقراً مدينياً معرفياً ثقافياً حضارياً، وهم بما اقترفوه بحقها من دمار وخراب أبقوها 500 عام متواصلة دون مدنيتها التي كانت تفاخر العالم بها وتصدّرها باتجاه جهات الكون الأربع.
ولأن الرواية هي فعل مدينيّ/ برجوازيّ خالص، فإن معظم الروايات التي كتبت، في بلدان مبتلاة بهيمنة الإقطاعيات الزراعية أو الإقطاعيات العسكرية، خانت طبيعتها، ولم تعاين مدينيتها، ولم تروِ سيرة نفسها، وهربت من كل هذا وذاك للرواية التاريخية التي ترصد سير الأولين وتتغنى بأمجاد الآفلين، وهو ما فعله، على سبيل المثال، الروائي السوري معروف الأرناؤوط.
عقود اجتماعية عديدة تحكم شكل العلاقات بين الحاكم والمحكوم إنْ في الغرب أو في الشرق، ولكن أكثرها شراسة واختلالاً هي تلك العقود القائمة إما على مبدأ: أعطونا أموالكم وثرواتكم وأحلامكم ونحن نمنحكم بالمقابل الحماية، أو على مبدأ: أقتل السلطان فتصبح السلطان. وهما العقدان المغروزان، في بلادنا، لا يبرحان ولا يتزحزحان.
الرواية الواقعية التي تسربت إلينا من بقايا الواقعية الفرنسية وبقايا الواقعية الاشتراكية الروسية ومن دار في فلكهما، شكّلت بمجملها سُلَّماً للكسالى من الروائيين والكتّاب العرب، الذين أنتجوا متأثرين من خلال هذه العادية شكلاً من أشكال الرواية التلفزيونية المبكرة. وأزمة الرواية العربية هي في رفضها لكنوزها كـ"ألف ليلة وليلة"، وفي بحثها عن كل "فرنجي برنجي".


قصتي مع لوقيانوس
(*) ما قصتك مع لوقيانوس؟
لوقيانوس صديقي الذي أفخر به، إنه المؤسس السوري العظيم. صانع الدهشة التي شكّلت نواة

كل دهشة بعدها. فن الرواية لم يبدأ من "دون كيخوته" ثيربانتس بل من لوقيانوس وروايته "قصة حقيقية" التي هي نوع من الفانتازيا الخيالية التي لم يسبقه أحد إليها، وشكّل الكتاب/ الرواية نواة لأعمال بعدها استفادت منها ونهلت من معينها الخصب الذكي. فلوقيانوس هو الرائد والمؤسس والسابق وليس المسبوق.
هو المؤثر في "ألف ليلة وليلة" وفي "عجائب المخلوقات" للقزويني، وفي سيرة "سيف بن ذي يزن" وهو المؤثر بالمعري "رسالة الغفران" ودانتي "الكوميديا الإلهية". وهو أول من وضع لبنة الصعود إلى السماء ومحاورة الأموات.
أما الساهون عن المرحلة "الهيلينستية"، المتجاهلون لمنجزها الإنسانيّ المعرفيّ العظيم، فهذه مشكلتهم، وأنا أدين نوسانهم عنها، وأحمل على إدارة الأدب العربي ظهره لها، وعدم إدراكه لأهميتها وما أنجزه أسياد تلك المرحلة السوريون "الشاميون" من أدب فذ ليست الفانتازيا سوى بعض تجلياته المدهشة.
لوقيانوس صاحب كتاب "الربة السورية" ترك للعالم حوالي 88 كتاباً، لم يُترجم منها عربياً سوى أربعة أو خمسة كتب على أكثر تقدير.

(*) وما قصة عبارة لوقيانوس: "نحن السوريين"؟
"نحن السوريين" منصوب على الاختصاص وليس مبتدأ لخبر.


(*) وهل كانت سورية تسمى سورية أيامه؟
تسمية سورية بدأت في الزمن السلوقي، عندما جاء الإسكندر المقدوني، الغازي الوحيد الذي قدسه المفتوحون، وجاء محمولاً على أكف أرسطو (العقل).


(*) ومن غير لوقيانوس؟
أفتيموس، ميلياغروس الشاعر العظيم ابن مدينة أم قيس في الأردن، وأبقراط الذي يشكل أساس القسم الطبي سوري دمشقي وقبره موجود فوق جبل قاسيون.


كتاب حول المعرّي
(*) ماذا عن جديدك؟
إضافة إلى الرواية التي كانت منسية، فأنا في المراحل النهائية لكتاب حول أبو العلاء المعرّي، جار لوقيانوس وصنوه في التمرد والتأمل والمغايرة. وثم "دمشق كما أعرفها".

(*) كيف هي كما تعرفها؟
هو كتاب بحثي وما يشبه السيرة أقدّم من خلاله شهادتي الشخصية حول شاميتي. وأتطرق فيه إلى زقاق الجن، وهو مكان بين القنوات وبين كفر سوسة.
دمشق التي أعرفها بنت الكرم، عندما كان الفلاحون يضعون (اللقاط) الأول من محاصيلهم (الخضروات والفواكه والحبوب) عند فتحة بجانب باب البيت، لعابري السبيل ولمن يحتاج هذا الخير من فقراء الناس وبسطائهم. هذه كانت زكاة بساتينهم. صديقي المخرج علاء الدين كوكش روى لي مرّة قصة حدثت معه عندما أقام في المعظمية، وظلت صبية تقرع باب بيته صباح كل يوم جمعة إلى أن خرج للطارق غاضباً ولم يكن ضوء النهار قد بزغ، ليفاجأ بتلك الصبية تحمل (دبّية) حليب وتطلب منه إحضار وعاء لتملأه له من خير البقرة لذلك اليوم، فحليب البقرة يوم الجمعة ليس للبيع بل للتوزيع المجّاني.

(*) هل من خلاصة تود أن تطلعنا عليها؟
أولاً، سورية أكبر من السوريين. ثانياً، سورية التاريخية شاركت في النهضة الإنسانية جميعها قبل الأديان. ثالثاً، الشعب السوري تعرض إلى محن كثيرة وصمد وعاد في كل مرّة من تحت الرماد.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.