}

محمد عبد العزيز: السينمائي السوري في دائرة مغلقة

مناهل السهوي 16 أغسطس 2019
حوارات محمد عبد العزيز: السينمائي السوري في دائرة مغلقة
المخرج السوري محمد عبد العزيز
في الغرفة السوداء، وتحت إنارة حمراء خافتة، تظهر الملامح شيئاً فشيئاً. السرّ إذاً في الأسود، وفي الغرفة المعتمة داخلنا، تلك التي وبقدر علاقة صاحبها بها يذهب إلى المعنى والحياة.
تبدو علاقة المخرج السوري محمد عبد العزيز مع غرفة تحميض الصور علاقة بحث دائمة، واكتشافات لا تتوقف عند حدّ، كتلك التي سعى إلى تفكيكها رولان بارت في كتابه المتفرّد "الغرفة المضيئة". هكذا يتسلل إلى عمق الأسود الذي يبتلع كلّ الألوان، ومن ثم يظهّر الصورة على شكل ملامح وزمان ومكان، ويذكُرُ مخرجنا اللون الأسود كثيراً: "الثقب الأسود، الغرفة المعتمة، السحر الأسود"، وكأن هذا اللون هو المفتاح السريّ للصورة بكل أشكالها "الإنسانية، الفوتوغرافية، والسينمائية".
يرتبط صاحب "حرائق" بعلاقة شغف بالفوتوغرافيا، خصوصاً بتحميض الصور يدوياً، والتي تبدو أشبه بعملية جمالية وذاتية للغاية. هذه الفتنة بالجذور العميقة للأرشيف والفوتوغرافيا لازمته في السينما وإذا بنا حيال لقطات آسرة لقالب إنساني يغوص أكثر في التجربة الجمالية التي تنطوي على عالم مجهول ومدهش من جهة، ومساحة لمشهديات مبتكرة من جهة أخرى.
محمد عبد العزيز من مواليد مدينة القامشلي 1974. من أعماله: "نصف ملغ نيكوتين"، "الرابعة بتوقيت الفردوس"، "دمشق مع حبي"، و"حرائق" الحاصل على ذهبية مهرجان "سيفن هيلز" الدولي للسينما بهنغاريا، ومن أعماله التلفزيونية "صانع الأحلام"، و"ترجمان الأشواق".
كان لـ"ضفة ثالثة" هذا اللقاء مع المخرج السوري للحديث عن السينما والتصوير، وعن الأحلام الأولى التي تصنع ذاكرتنا لاحقاً:


(*) تشكّل وعيك تجاه التصوير منذ صغرك في اللحظة التي أدركتَ أن والدك غير موجود سوى في الصورة الفوتوغرافية على دفتر الجيش وصورته المعلقة في منزلكم، وغدا هو بطلك، هل يمكن أن نتحدث قليلاً عن التشكيلات اللاحقة تجاه التصوير، وتأثيره على المدى البعيد؟
في تلك البيئة الحمضيّة التي تشبه الغرفة المظلمة بإضاءة حمراء كان كلّ تشكيل مهيئاً "ككرت بوستال"، الأمُّ في حقل القطن، الرجال فوق عربات القشّ، الأحصنة الهرمة إلى جانب الطريق، القبور الترابية المنثورة كخرز من الطين في محيط من الطين والطيش واللغة الممنوعة

والكلاب السلوقية ودوريات الشرطة ومخبري الأمن والظلّ الثقيل للحزب، لكن المنعطف كان الاشتباك الأوليّ مع الكتاب المدرسي، ألبوم الخيال، شخصياتٌ ملونة وسيارات وتنانير قصيرة، أسواقٌ وقطاراتٌ ومعامل صابون، ممتاز البحرة برسوماته تلك فتحَ أمامي الحفرة العميقة لأدخلَ إلى عالم "أليس في بلاد العجائب"، حتى اليوم أحلم أحياناً بتلك الكتب وعندما استيقظ أشعرُ برائحة الحبر تملأ صدري وتلك الرسوم تعصر وجدانيتي طوال اليوم كخطافات تجذبني نحو الذاكرة المتفجرة بأعشاش العصافير والسكاكين ذات المقابض الخشبية وعظام الكلاب المتدلية من أسقف المنازل والسحالي المجففة، كلّ ذلك إلى جانب البيئة الأستديو، أستديو الطين وصورة الأب الغائب وحزم الضوء المتسربة من نوافذ القشّ التي شكلت وعيي الغريزيّ تجاه ملكوت الصورة.


البحث عن الأشياء القديمة
(*) اكتشف بريتون والسيرياليون متاجر السلعة المستعملة، فغدت معابد للذوق الطليعي، يبدو أن لديك شيئاً مشتركاً معهم، وهو البحث عن الأشياء القديمة، من دفاتر لأشخاص راحلين، صور عائلية مجهولة المصدر، وحتى قطع الأنتيكات. كيف يمكن أن نصف هذه الخصوصية التي تقوم بها بشكل دائم؟
أعتقد أن الدراما بمعناها العميق تنبع من تلك الأشياء، متعةٌ شديدةُ النقاء، الفضولُ في تركيب الحكاية الغائبة، مشتهى يصعب تفسيره. النادر يعكس عليك طاقته، وقودُ البصيرة، أشيائي تلك ساعدتني في بناء جدار من العزلة عن محيطي، ربما أيضاً ساعدتني في محاولة التقاط لحظات من أزمنةٍ عدة، المكان يتحوّل بأشيائه إلى "تايم ماشين"، رحلة في أزمنة متعددة، التقاطات لإدارة الزمن، رحلة في المعنى.


(*) تقول إنك انطلقت من صورة فوتوغرافية لبناء معظم أفلامك لاحقاً بمنهجية معينة، ما هي الصورة التي انطلقت منها في فيلم "حرائق"؟
سلم خشبيٌّ طويل في صالة سينما، ومن يشاهد الفيلم سيجد أن ذاك السلم سيصبح مُفردةً وربما مفتاحاً لقراءة المستوى الخفي من الفيلم وسيجده في أكثر من مكان في الفيلم، سلمٌ طويلٌ في صالة السينما أو في القفر أعلاه فتاة حزينة كطائر بانتظار إشارة.

(*) بين فيلم "نصف ميلغ نيكوتين" وفيلم "حرائق"، ما الذي تغير في علاقتك مع العدسة؟
أعتقد أنه بالشكل الطبيعي تغير الكثير، ومع الوقت تزداد معرفتك بشكلٍ تراكميّ. في فيلم "نصف ميلغ نيكوتين" كان الأمر غريزياً ولهذا الجانب حسناته، وفي "حرائق" كان معرفيّا وميكانيكيّا وأيضاً لهذا الأمر حسناته في إدراك ماهية المعدن والزجاج المعالج بعمق بؤري، وربما الأفضل بلا تخطيط أو تزييف هو خلط الأمرين: الغريزة والميكانيكية.

(*) ما السؤال السينمائي الذي أردت الكشف عنه من خلال أفلامك؟
لا أسئلة بل رحلة في المعنى، أحياناً خضتها بسذاجة وركاكة وأحياناً بعمق. إن العملية برمتها تشبه النخر، دودة تنخر في جسمٍ معدنيّ صلب أثناء هذه الرحلة تفرز أسئلة لزجة وايحاءات

تتمحور حول المعنى العميق للسينما، المعنى العميق للوجود عن محاولة امتلاكك للغتك والبحث عن صوتك الخاص بعيداً عن تقاليد الحرفة المكرسة. إنها ورطة بحجم ثقب أسود هائل عليك دائماً تحليلها وتفكيكها والبناء عليها والعودة إلى النخر باتجاه الضوء دون الالتفات إلى فخاخ الجمهور والنقاد، إنها عملية كيمياء الذات لتفسير كلّ هذا العدم، محاولة للإجابة عن أسئلتك أنت ربما تجلّيها يكون الفيلم على الشاشة "بحدوتة" وجمهور وشباك تذاكر ولكن جوهر الفيلم  هو غير  كلّ هذا، إنه يشبه جوهر الشمس، داخل تلك الكتلة الهائلة من النار تُجرى العمليات النووية لإنتاج الضوء، أنا أراها هكذا، والسؤال السينمائي مفتاح، باب، آلية لتفسير المحيط ومعنى خفيّ لا يجب تفسير جوهره، محفلٌ مغلق على ذاته، ومثير للضحك إذا ادعى السينمائي غير ذلك.


المهمشون والأقليّات
(*) تتحدث في أفلامك عن المهمشين والأقليات والمعدومين كزين والفتاة اليهودية والمهاجرين، هل يمكن أن نقول إنك تصنع سينما لأولئك الذين لا يستطيعون رواية ما يحدث معهم؟
نعم، محاولات خجولة حسب المستطاع والمتاح، فالسينمائيّ السوريّ في دائرة مغلقة وصارمة السماكة، ومن النادر أن تجدي مخرجاً قادراً على تحقيق مشروعه الحقيقيّ الذي يعنيه، وإن أغلب الأفلام السوريّة هي عبارة عمّا يريده الآخرون. الأقلية الوحيدة هي نحن، السينمائيون وكلّ أشباهنا من المجالات الأخرى بأطرافنا المقطوعة ومشاريعنا المبتورة.

(*) إلى أي مدى تنعكس حياتنا حين نصبح مخرجين، وهل نصنعُ حياةً موازية بطريقةٍ ما؟
كالسحر الأسود، انتحال أشكال ومخلوقات وحيوات متعددة، حياة وظلال موازية دائمة، هذا

الانفصام الاختياري ثم اللاإرادي هو ما يمنح هذه الأوساط سحرها وأمراضها وأورامها المشتهاة، السباحة وسط كلّ هذه المطبات النفسية بصرف النظر عن النتاج هو أمر مغرٍ وممتع، بحران إلى عوالم موازية، السينمائي شامان الأزمنة.


الرقيب!
(*) كيف يمكن أن تتحدث عن الرقيب اليوم وعن منع عرض مسلسل "ترجمان الأشواق" العام الماضي ومن ثم عرضه هذا العام؟
في بلد ينتهج إلى هذا الحد الثقافة المركزية والإعلام المركزي لم يكن ما تعرض له هذا العمل غريباً، وطبيعيٌّ أن تصطدم طوال الوقت مع الموظفين بهراواتهم الأمنية الغليظة. إذا لم يحدث ذلك فلربما نتاجك أملس وبلا معنى يتوافق مع هوى هذا الحشد الهائل من الرقباء الذين يجوبون الأرجاء في وطن من الخراب ومشهد ثقافي وإعلامي معطوب وعقيم.


(*) عملت في مسلسلي "ترجمان الأشواق" و"صانع الأحلام" على تقديمهما داخل قالب سينمائي وكان شعارك "السينما في بيتك"، هل تحاول ردم الهوة بين هذين الفنين، أم أنك تسعى إلى رفع ذائقة ومستوى العروض التلفزيونية بما يواكب المرحلة؟
لا محاولة، فليس بالأمر الهيّن اختراق المشهد الثقافي في العالم العربي الذي تديره مجموعة من الأُميين لا سيما حقل الدراما التلفزيونية. هناك آليات صارمة لإنتاج التفاهة وكل ما هو سطحي وركيك بقشرة ملونة وبراقة، لكن من الملفت أحياناً اختراق كومة الهراء التي يدعونها دراما تلفزيونية كمثير للشغب، وفي الحقيقة هذا الخرق ما هو إلّا مجرد محاولات خرقاء، ويبدو أن البقاء للامعنى. في هذه المنطقة التحولات بطيئة جداً، من عصر تحلق مجموعة بدائية حول موقد النار لسماع حكاية ما قبل النوم إلى عصر شاشات البلازما، الحال على ما هي عليه، ولا أمل.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.