}

ربيع الأتات: كتابة القصائد رفعت قلقي الوجودي لمستوى أعلى

دارين حوماني 2 ديسمبر 2019
حوارات ربيع الأتات: كتابة القصائد رفعت قلقي الوجودي لمستوى أعلى
"نحن عاجزون عن تعريف الجمال، مذاق القهوة، الغروب، السماء"
وحيداً/ كالليل أبحث/ عن عواء ذئب.. ربيع الأتات الوحيد داخل جنازاته ومفاتيح جنته وأشجار الكرز النابتة بين مفاصل أسطره الشعرية، أحَبّ الهايكو فكتب قصائد مستوحاة منه لكنه لم ينفصل عن تلك اليد الغامضة "الباقية على كتفه"، يد بودلير.. يسقط شِعره من الشجرة/ الغيمة/ الفراشة/ الوردة/ الماء/ النهر/ النجم/ القمر وما بينهم كثيرٌ من الوحدة/ الفراغ/ الخوف وعشبة ضارّة تنمو بين الشك والصواب. يكتب ربيع الأتات بتقنية التأمل الشديد لبؤس الأرض وعذاباتها وللأشياء والأشخاص راصداً اللحظات العابرة والتي تتحوّل إلى لحظات غير عابرة بين أوراقه عبر توظيف خياله الإستثنائي وأرصدته الثقافية الرمزية والفنية.

ثلاث مجموعات شعرية هي رصيد ربيع الأتات الشعري: "جنازات المدى"، "مفاتيح بلاستيكية للجنة"، و"لص الكرز"، لكن هذا الطبيب الشاعر استطاع أن يشارك في تكوين هوية عربية للهايكو الياباني. تُرجمت مقتطفات من شعره إلى الفرنسية وكان لها أثرها الإيجابي في الصحافة الغربية. هنا حوار معه:   


هايكو عربيّ
(*) بدايةً، مع ديوانك الثالث الصادر مؤخراً "لص الكرز"، هل يمكن أن نقول إن استخدام "الكرز" في العنوان هو انعكاس مباشر لاستخدامك مفردات الطبيعة أساساً لكتاباتك وكأنك تسرق منها أجزاءها الطفولية مترافقاً مع تدفّق شعوري عميق وتأكيد أنك تؤسّس لبناء هايكو عربي نقيّ؟
- الزمن مصنوع من الذاكرة، والذاكرة جزء كبير منها مصنوع من النسيان والإنسان كذلك. يقول شوبنهاور: من حسن حظنا أن حياتنا مقسّمة إلى أيام وليال يفصل بينهما الحلم. وشجرة الكرز، بالإضافة إلى رمزيّتها في الهايكو الياباني، هي شجرة الميلاد في طفولتي وعنوان تواصل مع الأرض والطبيعة، أنا والعصفور نتوحّد في لصوصيّتها بما فيها من عاطفة ومتعة، في الهايكو العربي أحاول تقديم تجربة مختلفة.

 

(*) نحن أمام مجموعتك الشعرية الثالثة، لكن كان لخطواتك الشعرية منذ الديوان الأول أثر إيجابي في الإنتاج الأدبي العربي، هل يشتغل ربيع الأتات على نصوصه بذكاء كون الهايكو يحتاج إلى براعة لغوية وعمق فكري وإنساني فتدخل الصناعة اللغوية مع الإحساس؟
- كانت الكلمات استعارات سحرية في البدء، وتُعاد إلى السحر على يد الشعراء، فالشعر صنعة. أؤمن بالتلميح أكثر من التعبير وعندما أكتب أحاول أن أكون مخلصاً للتأمل وليس للظروف، عبر اختزال وتكثيف اللحظات الكثيرة في لحظة واحدة يتقصّى فيها الإنسان من يكون عندما يرى نفسه في مواجهة مع ذاته. التفسير يُفسد الشعر وينتزع منه شيئاً من اللغز والسحر. لا أعتقد أن للذكاء علاقة كبيرة بعمل الشاعر، الأهم ربما هو تحديد الشاعر لنفسه وماهيته وشغفه قبل الشروع بالكتابة.

 

(*) "لص الكرز" يحكي عن تلك الحقائق الصغيرة والكبيرة، إختزلت أشياء حياتنا في قوالب صغيرة في تماه بين حياتك الشخصية والعالم الخارجي وكأننا أمام مسقط رأس ربيع الأتات، إلى أي حدّ توافق معي على ذلك؟
- مسقط رأس الشاعر هو حساسيّته وهي مصدر تفرّده، أؤمن بالتماهي في وحدة الوجود بين الطبيعة والإنسان وأتأمل التفاصيل بشغفي لا ببصري، أظن أن بداية الشعر تكمن أولاً في رؤية العالم بطريقة مختلفة قبل الصياغة اللغوية المختلفة.


(*) تقول "أواجه الإخفاقات/ كما تفعل الأشجار/ مع لصوص الكرز"، هل يمكن أن نعتبر أنك من خلال هذا النص توجز حيواتنا بمجموعة إخفاقات، هل من نظرة تشاؤمية تجاه العالم الذي لا يمكن مواجهته؟
- هو سخط وإستياء، حكماً تسلّلت العدمية أو ربما العبثية إلى بعض النصوص بحكم تأثّري بكتّابها كشوبنهاور وسيوران ونيتشة وليوباردي إلا أني أحاول التقاط الفراشات واليعاسيب في عالم متاح لتحليق الجميل والمزيّف فنقيض الجمال ليس القبح وإنما الزيف كما قال بجوفيتش .

(*) قمت بإعداد ثلاثة أجزاء من الهايكو العربي بمشاركة الشاعر سامر زكريا وهو مشروع تكمن أهميته كما نراه في إيجاد البيئة اللازمة لمشروع الهايكو العربي، ما هو هدفك من جمع عدد من كتّاب الهايكو في كتاب واحد؟
- بالتعاون مع الشاعر د. سامر زكريا نقوم بإدارة مجموعة الهايكو- سورية وهي من الأكبر على مواقع التواصل الاجتماعي، قمنا بالتوثيق الورقي لنشاط عدد كبير من الهايكيست من مختلف الدول العربية للتعريف بالهايكو وتقنياته مما شجع الكثيرين على إصدار دوواين خاصة وأنطولوجيات جامعة .

 

(*) هل تعتقد أن رواج الهايكو في العالم العربي وتلقّفه بحب هو انعكاس لنمط حياتنا المتسارع والضيّق حيث بات للقارئ نفس قصير على القراءة ولا يحبّذ القصائد الطويلة؟
- إيقاع العصر السريع ساهم في نشوء أنواع كثيرة من الأدب الوجيز والتي تمثل خيارا إضافيا للقارىء وليست بديلة لما هو موجود، فالرواية مثلاً رائجة رغم إغراقها في السردية.

 

نعجز عن تفسير الأنماط الشعرية
(*) يقول المترجم محمد عضيمة وهو أحد أبرز مترجمي الشعر عن اليابانية "أن ما يُكتب في العالم العربي على أنه هايكو يٌفضّل توصيفه بكلمة تغريدة أو تغريد وهي كلمة ذات بث إيجابي في الدلالة والرنين على طريقة الهايكو"، ويقول الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة، وهو أول من طرح في الإنتاج الأدبي العربي قصائد مستوحاة من الهايكو: "ما زلت أؤمن بأن التوقيعة الشعرية  أفضل المصطلحات لهذا الشعر" معتبراً أنه النوع الخامس بعد قصيدة العمود والموشح والتفعيلة وقصيدة النثر، ما رأيك في ذلك مع وجود تسميات أخرى كالومضة والنانو وغيرها؟
- هل نحن فعلا بحاجة إلى مزيد من الكلمات والتعريفات! مثلما نحن عاجزون عن تعريف الجمال، مذاق القهوة، الغروب، السماء، اللون الأزرق... نحن نعجز عن تفسير الأنماط الشعرية، هي أنماط تُعرّف بالإحساس بعد تراكم القراءة. عندما يظهر الشعر تظهر الرعشة الخاصة به أيّاً كان تعريفه، تمامًا كالحقيقة تُعرف بأناسها لا بتعريفاتها.

 

(*) بين قساوة الطب والجراحة وحساسية الشعر، العالمان المتناقضان، كيف اكتنزهما ربيع الأتات في قلب واحد؟
- الوجدان واحد، ولا أعتقد أن هناك تركيبة استثنائية تجمع بينهما غير المعاناة الإنسانية، كلاهما يصارع الألم. التعبير عن كل هذه الأحاسيس يتم ربما باختزال شديد وكثافة بحكم المنهجية العلمية في مقاربة المواضيع. الجراحة جعلتني ألمس عن قرب تخوم النزيف الداخلي للإنسان.

 

(*) خلفيتك الشعرية بدأت بموهبة ورغبة زاخمة في القراءة، لكن من كان له التأثير على الشاعر ربيع الأتات للتعبير من خلال هذا اللون الشعري، وبمن تأثّرت من شعراء الهايكو اليابانيين والذين قد نجد روحهم حاضرة في إنتاجاتك وخصوصاً أن الحداثة دخلت على الهايكو أيضاً، فبين الهايكو الياباني الواضح بلا دلالات رمزية المتمثل في البساطة والآنية وبين التحديث الشعري للهايكو "التشينكو هايكو" أو التسميات الأخرى وما تحمله من غموض آتٍ من الحداثة الغربية أين يجد ربيع الأتات نفسه؟
- إنني أعتبر نفسي قارئاً في الأساس وكما قال بورخيس "إن ما قرأته أهم بكثير مما كتبته"، فالشاعر يقرأ ما يرغب فيه، لكنه لا يكتب ما يرغب فيه وإنما ما يستطيعه. تجربة تاكوبوكو تُلهمني بانقلابها على المدارس الشعرية القديمة الكلاسيكية المستلهمة من الطبيعة إلى التوجه نحو المدينة والإمساك بهشاشة الإنسان وبؤسه.

 

(*) وصفتك الصحافة الأجنبية كوريث لأولئك الأطباء الشعراء فيكتور سيغالان وجان ميتيليوس ولوراند جاسبار وأنك تقوم بتشريح معاني حياتنا اليومية بمشرط. بماذا يشعرك هذا الإنصاف الجميل؟ وهل تعتبر أن الترجمة تساعد الشاعر على إعطائه حقه الذي قد لا يجده في عالم لغته الأم؟
- حين يتحقّق الشعر يمكنه ذلك في أي لغة وجماليّته تحدث في كل ما يحيط بنا. اللغة العربية هي قدري ووجداني الشعري ولا أهمية لكاتب إلا في لغته الأم على حد قول أدونيس. لا أؤمن بنظرية "tradutore traditore" أي أن "الترجمة خيانة"، وليست كل النصوص قابلة للترجمة، فبورخيس مثلا عجز عن ترجمة "ماكبث" لشكسبير بسبب السمات الخاصة للقصيدة كالصوت والإيقاع، وعندما أراد قراءة شوبنهاور تعلم اللغة الألمانية خصيصاً لهذا السبب، والترجمة الحرفية قد تؤدي إلى الخشونة.

بالمقلب الآخر، بعض الترجمات قد تضاهي بجمالها النص الأصلي كترجمة فيتزجيرالد لرباعيات الخيام وهذا الإنجاز حصل عند ترجمة ديوان "أزهار الشر" لبودلير عبر ستيفان جورج رغم أن عبقرية بودلير الشعرية تفوقه وربما تفوق الجميع. الترجمة تساعد على الإنتشار وربما الإنصاف، وعندما نتحدّث عن ترجمة الشعر لا يمكننا إلا أن نذكر بعضاً من المشاكل العديدة التي تواجهنا خلال هذه العملية. أولا، نود أن ألفت الانتباه إلى صيغة القصيدة، وربما هذا هو أول شيء يلاحظه القارئ قبل القراءة، ويجب أن يحاول المترجم أن يكون أقرب إلى الأصل كلما أمكن. فعلى سبيل المثال، عند ترجمة الهايكو، ينبغي الحفاظ على الصيغة القصيرة المكثفة والهادفة، والترجمة حتماً تكون حرفية أكثر منها تفسيرية. أقرأ كتب الفلسفة وعلم النفس باللغة الفرنسية كلغة وسيطة، ربما علينا إعادة النظر في كثير من الترجمات العربية الجافة وأحياناً غير الدقيقة. ترجمة الهايكو في الغرب تعود لأكثر من مئة عام وتشكّلت مفاهيمه وتنظيراته النقدية فلا توجس من التجربة بإعتبارها دخيلة بل هي محط تقبل وترحيب كما هي الحال حالياً في ثناء الصحافة على ترجمة مختارات من كتاباتي عبر الأديب أنطون جوكي.

 

الشاعر يتفادى السردية
(*) هل يفكر ربيع الأتات بكتابة لون مغاير عن الهايكو أو نوع أدبي آخر كالرواية مثلاً؟
- سرفانتس روائي كتب ربما أفضل رواية في التاريخ "دون كيشوت"، وعن كتابة الشعر قال "إنها الهبة الوحيدة التي لم تعطني إياها السماء"، وبورخيس كتب القصة القصيرة ولم يكتب الرواية، تختلف الملكة والأدوات بين الأنواع الأدبية، والشاعر يتفادى السردية، وعداء المسافات القصيرة لا يقوى على الماراثون. كثر وفدوا إلى الهايكو من قصيدة النثر لتسجيل موقف أو ادّعاء الريادة ومنهم من هو صادق في مشروعه ورؤيته، أردت أن تكون تجربتي نقية تبدأ بالهايكو وربما تطورت لاحقاً إلى كتابة الشذرات الشعرية الفلسفية.  

الهايكو قصيدة قصيرة تمثّل لحظة التنوير، تحاول التعبير عن البهاء الكامن الموجود في الحياة ويحضر فيها جلال الطبيعة والمظهر العابر للإنسان ومشاهداته الحسية والبصرية المشهدية حسب تماهي الشاعر مع الطبيعة والذوبان فيها والقبض على اللحظة، وهي تعتمد على التكثيف والاختزال اللفظي متفادية المحسنات البديعية والمجاز بمعنى التحرّر من أثقال البيان لصالح زوايا جمالية جديدة. للهايكو العربي خصوصيات، أميل إلى جرعة من الأنسنة والمجاز في كتاباتي، وقد تعمدت من خلال عناوين الدوواين الثلاثة إبراز هذا الجانب "جنازات الدمى"، "مفاتيح بلاستيكية للجنة" و"لص الكرز"، والعناوين الثلاثة تركيبياً مستوحاة من مناخ "أزهار الشر" لبودلير الذي شكّل منعرجاً وانقلاباً على الرومانسية التي كانت سائدة مع هوغو وألفرد دو موسيه ولامارتين، إلا أن ذلك لم يمنع فيكتور هوغو نفسه من مخاطبة الشاعر الشاب بودلير بقوله "لقد أحدثت رعشة جديدة في الشعر".

 

(*) أين ساعدت كتابة القصائد ربيع الأتات في حياته الداخلية؟ 
- لقد رفعت مستوى القلق الوجودي عندي إلى مستوى أعلى.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.