}

أحمد م. أحمد: الأمانة في الترجمة مسؤولية خطرة

عماد الدين موسى 27 نوفمبر 2019
حوارات أحمد م. أحمد: الأمانة في الترجمة مسؤولية خطرة
"أحب الكتب المسامير التي أدقّها بنعش الثقافات البائدة"
في نصوصه الأدبيّة كما في النصوص التي ترجمها أحمد م. أحمد، الكاتب والناشر والمترجم السوري- الأميركي، هناك ميلٌ في اختياراته إلى الدراما الاجتماعية، فهو حين يأخذ أعمالاً لمؤلفين مثل تشارلز سيميك، بول أوستر، ألبرتو مانغويل، مارفن هاريس، كارول أوتس، روبرت بلاي، فلكونهم يرسمون لوحة نقدية للمجتمع الإنساني، لوحة للمأساة، لأشخاصٍ أفعالهم وأحداثهم راسخة في الحياة؛ ضيق وخوف وخطر وألم، وربَّما جريمة، ونذالة و.. أمل.

في رصيد ضيفنا ثلاثة عشر كتاباً مُترجماً، نذكر منها: رواية "رجل في الظلام" لبول أوستر، "قصائد مختارة لتشارلز سيميك"، "لعل الخريف هو اللحد" لروبرت بلاي، "الحياة مسدس محشو" لبيلي كولينز، رواية "زومبي" لجويس كارول أوتس، "مقدسات ومحرمات وحروب" لمارفن هاريس، رواية "الذرة الحمراء" لمو يان، "مع بورخيس" لألبرتو مانغويل؛ بالإضافة إلى مجموعة قصصيّة بعنوان "جمجمة الوقت"، وثلاث مجموعات شِعريّة هي: "أحرق سفنه إلا نعشاً"، "الطريق إلى الموت تعج بالأحياء الخطرين"، "أصيد طائر كوليريدج".
في الحوار التالي نحاول كشف الآلية الفكرية التي يشتغل عليها كمترجم:

 

(*) اشتغلت على عدَّة مسارات؛ كتابة الشعر والسرد الذاتي والقص والترجمة. ما هي الغائية الفكرية من وراء ذلك؟
- في بداياتي، تأثرتُ بالقصص المترجمة وبقصص زكريا تامر ويوسف إدريس عظيمة البناء، وبقصص غسان كنفاني وعبد الله عبد سهلة القراءة. حاولتُ تقليد القصص التي يغلب عليها الطابع الأيديولوجي، ولم أكن موفقاً في ذلك. ثم اكتشفتُ أن حياتي سلسلة من القصص القصيرة، والقصيرة جداً، فأرّختُ لقطات من الفقر والجوع والحرمان في قالبٍ لم يشبه أحداً من قبل، على حدّ تعبير الراحل سعد الله ونوس حين قرأها في زيارتي الأولى له، ونصحني بالتوجه إلى القصة الساخرة، لكنني لم أُفلح في ذلك. وكانت البداية في القصص التي نشرتُها، بالإضافة إلى مترجماتي، في (الهدف) و(النداء) و(ألف) ثم ضمتها مجموعة (جمجمة الوقت)، التي كُتبتْ معظم نصوصها قبل وصولي مرحلة الدراسة الثانوية، ثم أُعيدَ العمل عليها وطُبعت في 1994 بعد أن رفض اتحاد كتّاب علي عقلة عرسان السماح لي بنشرها في داري.

بعد (جمجمة الوقت) توقفتُ لأكثر من عقْد عن الكتابة. حدث شيء من النضوب والتصحّر، ربما بسبب الانشغال بدار النشر التي أديرها، وربما بسبب الشعور بلا جدوى أي شيء. وفي أميركا استسلمتُ إلى فكرة أن الضحالة قد نالت مني، لدرجة أني لم أغامر بالاقتراب من مكتبة أو قراءة كتاب، إلى أن وقعتُ على كتاب تشارلز سيميك (العالم لا ينتهي)، الذي ترجمتُه ونشرته وزارة الثقافة السورية- الكتاب الذي حفزني وأطلق طاقاتي المنسية. ومع مجيء الكارثة السورية اتخذت كتابتي، التي أسميها نصوصاً، شكلاً يظنه الآخرون غريباً، أو مختلفاً، لكنني أجده عادياً لأنه يشبه تكويني (الغريب والمختلف)، وربما المزاجي والعدميّ والمجنون. ولأنني لم أكتب إلا كيميائيَ الذاتية ورؤاي في العالم، ألِفتُ ما أكتب، وشعرتُ بأن الكتابة (النَّصية)، أو الشعرية إذا شاء الآخرون، تجمع السيرة والقصة والومضة بما أعيش فيها من انعتاق. وتلك هي الغاية: أن أتحرر، دون أن يكون لدي مشروع فكريّ أو جماليّ يتجاوز إراحةَ نفسي واحتفاظي بحدّ أدنى من التكيّف.

 

نصي يكون نسخة طبق الأصل عن داخلي
(*) أين تجد نفسك أكثر؟
- أرى أن كتابة النثر الشعري، أو الشعر النثري، تشبهني إلى حد كبير. ففي هذه الكتابة أستطيع أن أزيح كلّ قواعد قصيدة النثر وأُحلَّ محلَّها ذاتاً تلوّنت بألوان التجربة المرة والحروب والهزائم، في "مكان" شديد الخصوصية، مثل حيّ الرمل الغربي في هذه المدينة الساحلية السورية التي بقيت إلى أمد طويل ضائعة بين الريف والمدينة، بين التقليد والحداثة. كان المكان والزمان استثنائيَين، وكذلك كانت الثقافة والوسط الاجتماعيّ.

ومن هذا الثراء والتعدد، مع خصوصية تكويني النفسي والذهني، جاء النصّ النثري المنفلت، والغرائبيّ، الذي سرعان ما أعادت الحربُ تشكيله وتشكيلي، ليصبح الناطق الرسمي باسم عالمي الداخلي النزِق الموتور أحياناً، والحزائني المنكفئ أحياناً، وأحياناً أخرى المليء بالنقيضين: التعالي والدونية في آنٍ معاً.
يكاد نصي يكون نسخة طبق الأصل عن داخلي. وأحبه لأنه يساعدني على فهم نفسي.

 

(*) في القصة والشعر قد تكتب صوراً لا واعية ولا إرادية عن مشاعرك، ألمك، فرحك. في الترجمة أظن أنَّ الأمر يختلف؟
- رغم أن الأمانة في الترجمة مسؤولية خطيرة، لكن شخصية المترجم وكيمياءه سيصبغان النصّ المترجَم بلغته ووجدانه. كلما قرأ أحدُ معارفي ترجمتي لسيميك، كقصيدة "ماذا قال الغجر لجدتي عندما كانت صبيّة" مثلاً، يقول إن عالم ولغة قصائده تشبه عوالمي ولغتي وإنه ظنني كاتبها. هذا رغم إخلاصي للنص الأصلي.

يأتي الاختلاف هنا من اختلاف الثيمات في الرواية أو الشعر، فلا يسعك أن تمزج عصاراتك الشرقية مع عصارة بول أوستر في رواية (4321) شديدة النيويوركية، أو رواية من الواقعية السحرية، أو شعر جون آشبري وبيلي كولينز، بينما يمكنك الاندماج في قصائد أودن وميروين، وفي رواية تجري أحداثها في الشرق الأقصى.
تتشابه المشاعر البشرية في المرض والحرب والأمل والولادة والموت، ولا مفرّ من تلوّن النص المترجَم بلون المترجِم، فالإنسانية عائلة واحدة.

 

الترجمةُ مصدري الثقافي الأهم
(*) لماذا الترجمة؟
- كان ذلك مصادفةً. فخلال دراستي في كلية الآداب، قسم اللغة الإنكليزية بجامعة دمشق، كنتُ أتسلى بترجمة بعض القصص والقصائد التي أقرأها في مجلات عتيقة. وقد (أُعجبتُ) آنذاك بترجمتي لأكثر من قصة هندية، فكنتُ أُعيدُ قراءة قصة ترجمتُها لكارتر سينغ دوغال عن إيقاف مدنيين بصدورهم العارية قطاراً يقلُّ جنوداً مستعمِرين ذاهبين لقتل أهالي بلدة مجاورة، ولقصيدة صينية عن عشق طفلٍ للجبال، وأقول في سري (إنها جيدة). صدقتُ نفسي وأنا في سنتي الدراسية الثانية، وربما الأولى، وعرضتُ بعض الترجمات على المعلّم الكبير فيصل دراج، فبدأ بنشرها في مجلة الهدف. وتابعتُ الترجمة إلى أن حصلتُ على ترخيص دار النشر، فتوقفتُ بعدها لـ 13 سنة، ثم عدتُ إليها عودة العاشق في 2007 بترجمتي لـ (العالم لا ينتهي).
كانت الترجمةُ مصدري الثقافي الأهم. لم أستمتع بالترجمات الشعرية لمترجمين آخرين، وآثرتُ قراءتها بالإنكليزية إذا توفرتْ. ولأنني تخيلتُها بالعربية، كنتُ أترجمها لمجرد الاستمتاع بقراءتها بلغتي، ولتلاوتها على مسامع الأصدقاء المهتمين، حتى تحولت الغرفة 116 في وحدة السكن الجامعي رقم 15 إلى منتدى أدبي.

 

(*) ألا تشعر بعد الفراغ من ترجمة نص ما أنَّك محوتَ نصاً وكتبت نصاً آخر، هو نصك الذي كان عليك أن تكتبه؟
- ذلك يختلف بين نص وآخر. لكن في أغلب الأحيان، لدى قراءتي الواعية لترجمتي، ألمس أثري الخاص في تضاعيف النص العربي.

ففي صوتِ لانغستون هيوز شيء من الأنين الذي تلذذتُ بترجمته إلى أنيني الشخصي، ولوّنتْ كراهيتي للحرب السورية قصائد سيميك عن الحرب، وفتّقتْ ملحمية ديريك والكوت حنيني القديم الذي جهدتُ في التخلص منه إلى الجزالة.
وبما تحمله النصوص المترجَمة مني كمترجِمٍ لها، كنت أقول: ربما كنتُ صورة عربية مصغرة عن سيميك ووالكوت وسواهما، ربما لو كتبوا بالعربية لكانت كتابتهم أنضج من ترجمتي بكثير أو قليل. وذلك ما يذكرني بإحساسي أثناء ترجمة سيميك: كنتُ أقول في نفسي، لا بد أنه أخذ رشفة من كأس الويسكي قبيل كتابته لتلك الجملة..!
بمعنى أو بآخر، أعتبر أن كلّ ما ترجمتُه من أعمال أدبية كتاباتٍ لي، وفي شرايينها يجري بعض دمي.

 

(*) هل تترجم ما يتفق ورؤيتك الفكرية، ما يوافق هواك السياسي والاجتماعي؟
- أعتبر نفسي منفتحاً على الثقافات كافةً. أسعى وراء الأدب العالي الذي يقدّم جديداً للأديب العربيّ؛ وفي سبيل ذلك، (أَجُوْرُ) على نفسي أحياناً، كأن أترجم شاعراً لا يستهويني لكنه يضيف شيئاً إلى ذائقة المبدع والقارئ، وأن أترجم نصوصاً مستعصية تستهلك وقتي الشحيح، وتستهلكني بمعنى ما. مع ذلك أحكّمُ العقل وهوايَ (العلمي غير الأيديولوجي) في الاختيار، حين ترسل إليّ دار نشرٍ قائمة منشوراتها للسنة القادمة، فأختار بحثاً أنثروبولوجياً في أصول الثقافات، أو كتاباً في الأساطير، وكلا الكتابين على قدر من الأهمية في ثقافتنا العربية التي لا تزال رهينة الفكر الغيبي.
لستُ منتمياً إلى تيار بعينه، ولا أعترف بأية أفكار مصمتة، ولا أعبأ بالنظريات. وبمناسبة هذا الكلام، سأبدأ بعد فترة بترجمة كتابٍ يدحض كتاباً ترجمتُه منذ سنتين، وكلاهما كان من اختياري.

 

(*) مهما يكن، النص المُترجم هو اختيار (نقدي) من المترجم، هو تأسيس لثقافة الحوار مع الآخر، ثقافة التلاقح المعرفي؟
- الإجابة هنا تتمة لجواب السؤال الأسبق.
يحضرني السؤال، هل نستطيع تجاهل هايدغر وكارل شميت وماكس فيبر، الفلاسفة الألمان الذين وقفوا إلى جانب النازية، وبيتر هاندكه الفائز بنوبل لهذا العام، والذي ساند صرب البوسنة في حرب البلقان؟

أترجم بول أوستر ومغالطاته بما يتعلق بالقضية الفلسطينية ضمن رواياته، وأضيف، في ترجمتي العربية، الحاشية السفلية تلو الأخرى مصحِّحاً له معلوماته الجغرافية والتاريخية والديموغرافية التي تصبّ لصالح (إسرائيل). القضية الفلسطينية قضية أخلاقية بالنسبة إليّ، لكنني لا أمانع من ترجمته وترك القارئ العربي يبتسم في سره حين يقرأ كلام أوستر بأن "إسرائيل (دولة) ديمقراطية لا تطرد أحداً من أراضيها.."!
لا أعترف بأي حظر تفرضه ثقافتنا العربية، الملتاثة والمشكوك في منابعها وغاياتها، على اسم أيّ كاتب في العالم.

"أومن بحق البشر في حياة أكثر أمناً وكرامة، وهذا لن يتأتى عبر الأفكار القهرية السلفية"

















أتعصّب للعمل الذي يهزّ أركان المقدّس الجامد
(*) في مراجعة للنصوص التي ترجمتها نلاحظ أنَّك تترجم النصوص الأدبية، ولا تذهب نحو ترجمة النصوص العلمية؟
- ربما كان في ذلك بعض الدقة، وليس كلّها. ففي قائمة مترجماتي هناك أربعة كتب شعر وقصة من تأليفي، وثلاث روايات، وخمسة كتب في العلوم الأنثروبولوجية والميثولوجية والسيرة والنقد، وخمسة من الشعر المترجم. وقيدَ النشر الآن هناك ثلاثة كتب سياسية ورواية وكتاب في علم الاجتماع وسلسلة كتب في الأنثروبولوجيا المادية.
وأما العلم المجرد فلستُ من أهله، ولن أكون موفقاً في ترجمته.

 

(*) المعرفة إنسانية، لكن يبدو حتى المترجم حين يختار أعمالاً لينقلها من لغتها الأم إلى اللغة المُضيفة فهو يشتغل حسب هواه، وليس بناءً على استراتيجية سياسية أو فكرية؟
- لا أتبع استراتيجية بمعنى الكلمة، لكنني أجد نفسي (متعصباً) للعمل الذي يهزّ أركان المقدّس الجامد. بكل تأكيد لن أترجم عملاً يتبنى أسطورة الكتاب المقدس وأشباهه، بل أجدني منشداً إلى الكتب التي تفنّد هذه الأساطير التي تكرس الطغاة وتجر الإنسانية إلى الوراء. ولا أرى ذلك استراتيجية فكرية، بقدر ما هو إيمان بحق البشر في حياة أكثر أمناً وكرامة، وهذا ما لن يتأتى عبر الأفكار القهرية السلفية.
أحب تلك الكتب، تلك المسامير التي أدقّها في نعش الثقافات البائدة.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.