}

علوية صبح: الإنسان المُهمّش هو الشغل الشاغل للرواية

دارين حوماني 14 نوفمبر 2019
حوارات علوية صبح: الإنسان المُهمّش هو الشغل الشاغل للرواية
"لديّ إيمان كامل بأن الإبداع يؤثر في الإنسان"
عبر ثلاث روايات وُضعت علوية صبح في مصّاف الروائيين المهمين من خلال الكتابة عن الشرق العربي المتألم، عن المرأة، الرجل، الحرب، العنف..  صبح لا تكتب رواية فقط، بل ترفع الغطاء عن عالم متشقّق بمشكلاته النفسية البنيوية والمصنوعة وراثياً، هي التي قال عنها الروائي صنع الله إبراهيم "عبّرت علوية صبح عن خمسين عاماً من العالم العربي"، وهي التي لقبّتها الكاتبة الألمانية سوزانا شاندا بـ"شهرزاد الحديثة" التي نجحت في مواجهة الموت من دون إنكاره.

صبح التي أبدعت في مواجهة الموت المجتمعي والإنساني والتي أتقنت نقل ندوبنا النفسية المغلّفة والمكشوفة وقلقنا الداخلي إلى رواياتها، فازت مؤخراً بجائزة مؤسسة سلطان بن علي العويس عن مجمل أعمالها، وهي الفائزة بجائزة السلطان قابوس في العام 2006، ووصلت روايتها "مريم الحكايا" (2002) إلى التصفية ما قبل النهائية لجائزة إيبرد العالمية في العام 2018، وفي العام 2017 تم اختيار  نفس الرواية من بين أفضل 75 رواية من قبل مجلة عالم الأدب الأميركية، كما وصلت روايتاها "اسمه الغرام" (2009) و"دنيا" (2006) إلى اللائحة الطويلة لجائزة بوكر العربية في العامين 2010 و2008. وتُرجمت رواياتها إلى لغات أجنبية عدة منها الفرنسية والإنكليزية والإلمانية والإيطالية، وكانت قد بدأت نتاجها الأدبي بمجموعة قصصية في العام 1986 بعنوان "نوم الأيام". هنا حوار معها:


للجوائز إيجابيات كثيرة
(*) لنبدأ من الحدث الأبرز، فزتِ بجائزة الرواية من مؤسسة سلطان بن علي العويس مؤخراً، وهي ليست الأولى، فلديك تاريخ حافل بالجوائز العربية والأجنبية. كيف ترين دلالات حصولك على هذه الجوائز، وما هو تقييمك العام لاختيار الفائزين؟ 
- لقد فسّرت اللجنة لماذا منحتني هذه الجائزة، إذ أخذوا بعين الاعتبار الفنية في أعمالي وما أنجزته، رغم التابوهات الكثيرة التي كسرتها. إنها جائزة لي ولقرائي الذين أحبوا أعمالي وأنا فرحة بها لأن جائزة العويس مشهود لها بنزاهتها ومصداقيتها العالية وإحترامها للإنجاز المبدع، ولأنها لم تمنح إلا لكبار الكتاب والروائيين. إنها أشبه بشهادة جاءت لتتوّج أعمالي الأدبية وأنا فخورة جداً بها، وأعتبرها بمثابة جائزة نوبل العربية. الحقيقة أنني لست خبيرة بكواليس الجوائز لكن يجب الفصل بين الجوائز الأجنبية والجوائز العربية وإن كان لكل منها اعتباراتها، وبرأيي يجب أن ننظر اليها من الناحية الإيجابية لأنها تحفّز على القراءة وتدعم الكاتب مادياً وتساعد على نشر الكتاب. هناك أعمال كانت تستحق وهناك أعمال لم تكن تستحق ولكن لا يهم، القارىء هو من يحدّد، إنما لها إيجابيات كثيرة.


(*) اعتبرت رواية "مريم الحكايا" من أهم الروايات، وقد أعطتها الترجمة إلى لغات أجنبية إضافة كبيرة. هل تجدين سعي الروائيين والشعراء للترجمة بهدف الحصول على مقعد في الوسط الثقافي الغربي في محلّه؟
- كل كاتب يُسعد بالترجمة وبأن يصل عمله إلى القارئ الغربي، لكن يجب ألا تكون الكتابة تقريرية، بل أن تكون فنية وأن ترضي الكاتب حين يكتب بصدق وحين يهجس بالفنية وليس بكتابة عمل تقريري. الكثير من الروايات التي أقرأها تبدو أشبه بأعمال تقريرية تخلو من الخيال والإبداع الحقيقي، وبالنسبة لي صدقيني أكون سعيدة جداً بأن تقرأني قارئة في البحرين أو اليمن أو السودان أو أي بلد عربي آخر قبل أن يقرأني الأجنبي.

(*) يقول الكاتب هنري جيمس "إن كل عمل قصصي ذي حدث مداره الفرد هو قصة قصيرة أما الرواية فيكون مدار أحداثها جماعة ما حتى في علاقة فرد بها ومعها". متى قررت علوية صبح أن تكون روائية، وهل يمكن أن نفهم أن انتقال علوية صبح من كتابة القصة القصيرة إلى كتابة الرواية هدفه الانتقال من الحالة الفردية إلى الحالة المجتمعية لأفراد منهزمين يحتاجون إلى الصراخ؟
- ولدت الرواية عندي كحاجة لم أستطع أن أعبّر من خلالها الا عبر الرواية. قد تكون الرواية حياة فرد واحد وقد تكون عبارة عن سرد حكايات أو علاقات كثيرة ومتشابكة أو حيوات أشخاص، وأعتقد أن الرواية تتواجد فيها قضايا كثيرة ولقد وجدت أسلوبي الخاص في سرد الرواية. بعد سنوات وسنوات من كتابة "مريم الحكايا" لجأت إلى "الحكي"، الحكي الذي هو عنصر أساسي في التراث المشرقي والعربي من ألف ليلة وليلة وغيرها في النثريات والسرديات العربية والشرقية، وكنت أمينة للتراث لكنني لم أقلّد هذه المنجزات.

السؤال الذي يشغلني هو كيف يمكن أن أبتدع أسلوبي الخاص دون أن أنقطع عن تراثي ودون أن أنقطع عن الإنجازات الإبداعية في العالم؟ لذلك وجدت تقنيتي عبر الحكي وعبر الشهرزادية التي وصفوني بها في النقد والصحافة العربيين كما في فرنسا وألمانيا وإيطاليا. وفي اللغات التي تُرجمت أعمالي فيها وُصفت بأنني شهرزاد جديدة في الرواية العربية والعالمية ذلك أنني أنتقل بيسر وعسر من حكاية إلى أخرى وتتوالد الحكايا ولكن ضمن بناء فني، ولا يمكن لأي رواية أن تُنجز دون بناء فني لا يمكن فصله عن مضمون الكلام، أي أن التقنية دائماً يجب أن تكون من لحم ودم النص. ولقد استطعت كما عبّر قرّائي والنقاد أن أخلق شخصيات حقيقية من لحم ودم وذلك لأنني لا أستطيع أن أعبّر عن شيء من دون أن أحسّه وأن أتلبّس الشخصيات مهما كانت. لا يمكن بالنسبة لي أن أعبّر عن أي شخصية ما لم تتلبّسني وأستطيع إنطاقها ليس بلغتي وإنما بلغة الأبطال وهذا كان بمثابة تحد بالنسبة إليّ، أي أن أخترق الآخر وأتحدّث بلغته لكي لا يكون هناك صوت استبدادي هو صوت الروائي العليم الذي اعتدنا أن تسود لغته على سائر لغات الشخصيات خاصة في الأدب العربي الحديث. بالنسبة لي هناك دائماً تعدّد أصوات، وهناك تداخل في الحكايا، ولكل شخصية خطابها وقولها ومدلولات لغتها.


تأثرت بكل الأعمال الجميلة
(*) من هو معلمك الأول في الرواية؟
- أنا تأثرت بكل الأعمال الجميلة. ثمة كتاب يقولون إنهم لم يتأثروا. أنا أتأثر بوردة أو بكلام إنسانة شعبية فكيف لا أتأثر بالروايات. أشعر أحياناً أنني إسفنجة أمتصّ فيها كل المشاعر وأمتصّ فيها كل الجمال وكل التأثيرات. ربما تأثرت أكثر بالسرديّات العربية، لكن كما قلت لك السؤال المطروح الذي كان يقلقني هو كيف أكتب وليس فقط لماذا أكتب؟ كيف أكتب روايات ابنة مدنها ولا تشبه السرديات التي أنتجتها المجتمعات الأخرى. 


(*) في متابعتك للروايات العربية، من هو الروائي ومن هو الكاتب؟
- الروائي هو كاتب ولكن ليس كل كاتب هو روائي. أنا أتابع الروايات العربية، وأشعر أن الكثير من الروايات أقرب إلى أن أصف الروائي بالكاتب وليس بالروائي.

الرواية عالم واسع يحتاج إلى التبحّر في الشخصيات وإلى تعدّد أصوات وإلى إكتشاف ما هو مخفي في الإنسان، شاغل الرواية هو الإنسان حتى لو كانت الرواية تكتب عن مكان أو أي شيء آخر، وأرى أن الرواية هاجسها الإنسان، بمعنى صراعاته، تجاذباته، تناقضاته. لقد انجذبت إلى الرواية في البداية مهجوسة بأن أكتشف المجتمع بعدما انتهت الحرب وكانت صدمتي كبيرة بسقوط الحداثة، وهذا الأمر طرح عليّ سؤال كيف أعبّر عن مجتمعي وهل هناك أساس للعنف في هذا المجتمع؟، لماذا خدعنا بالحداثة ولماذا سقط مشروع الحداثة؟، هذا ألّح عليّ كثيراً لكي أدخل في شخصيات عديدة أصيبت بخيبات، وربما هناك شخصيات نافرة في أعمالي لكنها جذبتني للكتابة وهي تحمل التغيرات التي حدثت في لبنان وكأن مريم تنبّأت بمصائر ما سيحدث في العالم العربي. للكاتب رادار وللروائي رادار يجب أن يلتقط فيه تحولات المجتمع من خلال تحولات الشخصيات، تاريخ الشخصيات. الإنسان المهمّش هو شاغل الرواية، والكتابة الحقيقية للشخصيات هي الكتابة الحقيقية للمجتمع وليس التاريخ السياسي الذي يُكتب والذي هو تاريخ سلطة. ما نكتبه هو تأريخ شخصيات بشرية عادية كاشفة لهذه المجتمع وبالنسبة لي قد تكون صادمة للقارىء ولكنها كاشفة وذات دلالات عميقة.

"علينا أن نطرح في أدبنا الأسئلة التي تتعلق بكيف نكتب وكيف نعبّر عن ذواتنا ومجتمعنا بصدق لا أن نقلّد الآخرين"


















(*) تقولين سقط مشروع الحداثة في الوقت الذي نسمع أدباء يردّدون أننا تجاوزنا الحداثة وأصبحنا في مرحلة ما بعد الحداثة.. كيف تنظرين إلى الإنتاج الأدبي العربي؟
- ما بعد الحداثة في الغرب. نحن في الأصل لم نصل إلى الحداثة، لم نصل في المجتمع إلى الحداثة كي نتحدّث عن ما بعد الحداثة، وهذا الكلام يعني أننا نردّد دائماً الشعارات والأفكار التي تطرح في الغرب. علينا أن نطرح في أدبنا الأسئلة التي تتعلق بكيف نكتب وكيف نعبّر عن ذواتنا ومجتمعنا بصدق لا أن نقلّد الآخرين، دائماً نحن نستهلك ما هو مطروح في الغرب والذي يعبّر عن تقنياتهم وتجاربهم ومجتمعاتهم.

 

الرواية تذهب إلى دهاليز خفية وعميقة
(*) يُعرّف "كسر التابو" بأنه مصطلح يُطلق على من يهدم بناءً سابقاً بدعوى أنه بُني على وهم أو باطل أو خرافة، فهل عاشت علوية صبح حريتها وبوعي زائد في الرواية وارتادت مناطق الكلام الممنوع كاشفة عتمات اللاوعي بهدف هدم الخرافات التي تقوم عليها مجتمعاتنا؟
- أنا لا أريد أن أهدم أو أن أبني، أنا لست باحثة إجتماعية ولا أجيب على الأسئلة. الفن سؤال، الفن يكشف، والرواية تذهب إلى دهاليز خفية وعميقة. حين كتبت "مريم الحكايا" لم أقصد أن أكون جريئة، قصدت أن أعبّر عن ذاتي بحرية لأن الفن هو حرية بامتياز، لا يمكنكِ أن تنتجي فناً بلا حرية، وحين كُتِب أنني جريئة وحرة كنت أندهش لأنني كنت أعتقد أن مقاربتي للتابوهات وللجسد بشكل خاص وللعنف الممارس على جسد المرأة وكل التابوهات الأخرى بالنسبة لي لا حياة للرواية من دونها ومن دون الكشف عن المستور ونزع الحجب، والكتابة بصدق عن كل ما يختلج داخلك من معاناة أو أسئلة أو إحساس بالبشر أو بالشخصية، فالجسد هو جزء لا ينفصل من حياة الشخصية، ومن الطبيعي وأنت تفككين الشخصية أن تمرّي على الجسد، ولكن أنا عبّرت من خلال تجارب النساء مع الجسد الذي هو أحد العناوين التي طرحتها، عن الحرب بطريقة مختلفة عما عبّر عنها الرجل، عبّرت عن الصداقة، عن الزمن وعن كل الأشياء، لأن الحياة لا تُقتصر على الحب أو على الجسد أو الصداقات أو الزمن أو أي شيء، بالنسبة لي حياة الشخصية عالم بكامله أحاول أن أفهمه وأعبّر عنه في الروايات.


(*) تكتبين الرواية كأنكِ ترفعين الغطاء عن أرض متشقّقة بطوائفها وتقاليدها، هذا التمثيل الروائي يبدو حقيقياً وملموساً نتأذّى معه وندرك معه ندوبنا النفسية، هل ترين وجود أمل بأن تُشفى مجتمعاتنا المغلقة من الطائفية والتقاليد وتنزاح نحو البناء السليم للمجتمعات؟
- أنا أعبّر عن ذاتي وأكتشفها من خلال الأبطال، أنا لا أحمل خيبتي وأسقطها على الأبطال، أنا أسرد حيوات الأبطال الذين ذهبوا إلى خيارات مختلفة وإلى مصائر مختلفة، وبالطبع كل كاتب لديه قلق ما يشغله في أعماله، بالنسبة لي قلقي الأساسي هو المصائر التي تصيب الأفراد، لذلك أتابع حيواتهم منذ البداية إلى أن أطارد نهاياتهم، وبالطبع تحمل شخصياتي أنفاس وأجساد وحيوات ومشاعر وأفكار بشر في مجتمعي. وأنا جد سعيدة حين يتصل بي قارىء من أي بلد عربي ويقول لي كأنني أكتب عن مجتمعي. هناك اضطراب في لوحاتي، تساؤلات، خفايا كثيرة أظهرها، لا يمكن أن أكتب عن مجتمع غير مجتمعي، لا يمكن أن يكون الكاتب عالمياً ما لم يكن محلياً، ما لم يكن مرتبطاً بأرضه وناسه وشعوب بلده. أنا مهجوسة بحيوات بشر من مجتمعنا وأكثرها حيوات شعبية، وتبهرني الشخصيات الشعبية ولذلك لجأت إلى الحكي،

وتأسرني اللهجة المحلية، تأسرني تعابير أجسادنا المختلفة، كلامنا، صمتنا، أنا ملتصقة جداً بمجتمعي وهواجس مجتمعي، وقلق الإنسان وعذاباته وأفراحه وأحزانه وتقلباته، ومزاجه وخفاياه وتناقضاته، هذا هو مجال عملي في الرواية. أنا لا أفكر بأفكار، الأيديولوجيا والأفكار مليئة في الرواية العربية، أريد شخصيات من لحم ودم، أريد عالماً حياً ينبض، أفرح كثيراً حين تتصل بي قارئات قرأنني منذ عشرين عاماً في رواية "مريم الحكايا" ولا يزلن يحفظن الشخصيات، وكذلك "دنيا" و"اسمه الغرام". يفرحني أنني استطعت أن أخلق حيوات شخصيات حية ويسعدني أيضاً أن معظم قرائي وقارئاتي وجدوا أنفسهم وأنفسهن في كتاباتي إن كانت عاشقة أو يائسة، هذه تقول أنا مريم أو أنا دنيا وتلك تقول إن أمها هي أم مريم، بعض الرجال قالوا لي لقد عرّيتنا في رواياتك، وهذه جائزة كبيرة لي ويسعدني جداً أن يكتشف الإنسان نفسه في العمل الروائي، حتى العمل الأجنبي المترجم لأي كاتب عالمي، لأن شاغله الإنسان وقلقه الإنسان. أنت تحبين هذا الكاتب ولا تحبين ذاك حين تكتشفين نفسك وذاتك في العمل.  

(*) وصفتكِ الصحافية سوزانا شاندا بـ"شهرزاد الحديثة" التي نجحت في مواجهة الموت من دون إنكاره، هل تحدثينا عن ردة فعل الصحافة الغربية من النقاد والكتّاب على أعمالك؟ وهل تخاف شهرزاد الحديثة من الصمت، من فقدان القدرة على مواجهة الموت؟
- ليست سوزان فقط، ففي غاليمار ولوموند أيضاً والصحف الفرنسية والألمانية والإيطالية وُصفت بأنني شهرزاد الحديثة، وأثرت بي كاثرين سميدث والتي هي كاتبة وناقدة مهمة في ألمانيا وهي فائزة بجائزة الدولة، حين قالت "علوية صبح في مريم الحكايا تقف على المستوى ذاته مع فريدريك هيلينك" والتي هي حاملة جائزة أدبية رفيعة، وهذا أسعدني جداً، لكني لن أتوقف عن الكلام ما دمت حية فالكتابة هي حياتي وحياتي هي الكتابة.

(*) لقيت رواياتك اهتماماً واسعاً من النقّاد، لكن في أمكنة أخرى تعرّضت للنقد السلبي بسبب المشاهد الأيروسية التي لم تكن موظّفة دائماً لخدمة الرواية أدبياً، كما كُتب، ما تعليقك على ذلك؟
- يحق لكل إنسان أن يكتب كما يحلو له. شخصياً لم أقرأ عن هذا الموضوع وأعتقد أنها ليست أسماء نقدية وليست من كبار النقاد أو الصحافيين أو الأكاديميين الذي امتدحوا أعمالي كثيراً وخصوصاً ما كُتب عن "مريم الحكايا". وقد شغلت رواياتي الصحافة والمجلات والدراسات الأكاديمية والماجستير والدكتوراه وكل ما قرأته لم يكن نقداً إيجابياً فحسب وإنما أشار إلى ما أنجزته وخاصة ذلك الإجماع على أنني كسرت الصوت الذكوري السائد في الأدب العربي، إن كان عند الرجل أو عند المرأة.

أنا بالتأكيد صوتي أنثوي وحاولت أن أعبّر عن نفسي وعن لغتي كأنثى ولم يكن ذلك بالشيء اليسير لأن كل إنجازات الكتّاب حتى عن الجسد هو بصوت ذكوري، أي من وجهة نظر الرجل الذي ينظر إلى المرأة على أنها موضوع وليست ذاتاً. حاولت أن أعبّر عن جسد المرأة بقول مختلف حقيقي وبعيد عن استيهامات الرجل حول جسدها وكان هذا عامل أساسي فيما توقّف عنده النقاد والقرّاء وأحبوّه.

أكتب عن شخصيات قريبة من الحياة
(*) منذ ثمانينيات القرن الماضي لا تكتب علوية صبح من أجل الكتابة وملء الفراغات بالكلام الكثير، تكتب قضية مداها التخلف المستوطن في مجتمعاتنا وعذابات المرأة وخوفها وصراعاتها من أجل الحرية والتغيير وتحقيق الذات. هل يمكن أن نعتبر أن رواياتك هي إمتداد لذلك العالم الأساس، وهل من عالم آخر تريد صبح عبر روايتها الجديدة التي ستصدر قريباً أن تصرخ به وبأصوات المعذبين والمنهزمين فيه؟
- هل تعتقدين أنك حين تكتبين عن حياة شخصية أو حيوات شخصيات لا تمرّين على الوجع وإنما فقط على ما يُفرح؟ أكتب عن شخصيات قريبة من الحياة. أما روايتي الجديدة فهي تحمل قضايا عديدة لكني لست حاملة قضايا، أنا أحمل هواجس إبداعية وهذه الهواجس لا يمكن فصلها عن مضمون السرد أو ما أود قوله أو ما أريد أن أسرده. ربما المجتمع خائب لا أدري، أحاول أن أكشف حيوات الشخصيات وكل هاجسي أن أذهب إلى الكشف لا أن أكتب بفضائحية، هاجسي هو الكشف عن ذاتي وكشف المجتمع والتعبير عن ما أود التعبير عنه، لا عن حالتي وإنما عن حيوات البشر الذين يتلبّسونني وأشعر أني أكتب بلسانهم. وأعترف لك أن ثمة سؤالاً شغلني في الفترة الأخيرة وأنا أكتب هذه الرواية الآن التي ستكون في معرض الكتاب الشهر المقبل في بيروت، حيث انتبهت أنني لا أكتب سوى بلسان المتكلم وليس بلغة الغائب، انتبهت بعد أربع روايات لذلك، وسألت نفسي لماذا لا أكتب بصيغة الغائب، الحقيقة حتى الآن لا أعرف، لكن انتابني شعور بأنه ربما لأنني أتلبس الشخصية، وحقاً أغيب عن الواقع وأنا أكتب وأصيرها، أصير أصف بلسانها، أصيرها حقاً.


(*) الكتابة بصيغة الأنا تجعل الروائي متهماً في بعض الأحيان بأنه يكتب سيرته الذاتية، هل زرعت علوية صبح سيرتها الذاتية في زوايا رواياتها؟
- ليست أي رواية لي هي سيرة ذاتية، ولكن كل كاتب تتسرّب أشياء من أحاسيسه أو من حياته إلى حيوات الشخصيات، إنما المهم في الرواية هو الإقناع بالشخصية لا أن تكون إسقاطاً من الخارج.


(*) تقولين "لا بدّ للصراخ في الرواية أن يهدأ"، فهل تعتقدين أن الصراخ في الرواية قادر على تغيير المجتمعات أو تصحيحها؟
- الأدب ليس صراخاً وإن كان يُضمر صوتاً قد يكون عالياً أو منخفضاً، يجب ألا يكون الفن موظفاً لغير الفن، وألا يكون الأدب موظفاً لغير الأدب. كل ما عند الروائي يجب أن يكون موظفاً في خدمة الفن، لذلك لم أكتب عن تحرير المرأة بشكل مباشر، لم أدع لرسالة ما إنما بالتأكيد يحمل كل عمل قولاً يقوله على القارىء نفسه أن يكتشفه لا أن يعلنه الكاتب في خطاب وإلا تحولت الرواية إلى منشور أو إلى تحقيق أو إلى نص خبري أو تقريري. الخيال أساسي في عمل كل رواية. هل يتغير المجتمع بالفن؟ كلنا نعتقد أن الفن والأدب وكل وسائل الفنون هي تعبير عن المجتمع، وبالطبع هي تعبّر عن المجتمع ونحن أولاد الثقافة التي نتلقاها، والعمل الإبداعي هو فعل حواري مع القارئ وفعل كشف، ولديّ إيمان كامل بأن الإبداع يؤثر في الإنسان لأن الإنسان هو ابن الثقافة التي يتلقاها. العمل الفني هو منتَج ومنتِج، وحين يكتشف الإنسان نفسه ومجتمعه يعي ذاته، وحين يعي ذاته والآخرين لا بد وأن يتغيّر. 


* لقاء تلفزيون العربي مع الروائية علوية صبح:

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.