}

عبد الرحيم جيران:على الرواية إنتاج أفق آخر للتفكير

محمود عبد الغني 28 أكتوبر 2019
حوارات عبد الرحيم جيران:على الرواية إنتاج أفق آخر للتفكير
في "عصا البلياردو"و"كرة الثلج" يُستقى الشكل الروائي من العنوان
فاز الناقد والروائي عبد الرحيم جيران هذه السنة بجائزة المغرب للكتاب، صنف السرد، عن روايته "الحجر والبركة"، منشورات "فاصلة". وقد وجد قراء الرواية والنقاد والأدباء أنه بهذا الفوز ارتفعت قيمة الجائزة المعنوية، إذ إن اسم جيران يوحي مباشرة بجدية العمل، ورصانة التفكير، وجدّة الإبداع.

هنا حوار معه للاقتراب منه ومن أدبه وأفكاره:
(*) أستاذ عبد الرحيم، ماذا يعني لك هذا الفوز؟

- دعنا نقول: لقد فازت رواية "الحجر والبركة"، ربما هذا ييسر فهم الأشياء، ويختصر المعنى الذي يكمن خلف سماعي الخبر، والذي يكمن في اعتراف رمزي له قيمته بانتسابي إلى شجرة الأنساب الروائية. لكن هذا أسلوب ماكر في التعبير عن هذا الانتساب؛ إذ ليست رواية "الحجر والبركة" في نهاية المطاف سوى رفض للتفرع الذي توحي به لفظة الشجرة؛ ولا يعني هذا التمرد على الانتماء إلى الشكل الروائي كما فُهم ومورس في العالم العربي، ولا يعني أيضا الفهم الدولوزي الذي يضع العشب مقابل الشجرة في ثنايا مقارنته الرواية الأوروبية بالرواية الأميركية، بقدر ما يعني إعادة الاشتغال على انتساب آخر مختلف قوامه مفهوم الزقاق. لقد عبرت عن تصوري للرواية هذا (كما ينبغي أن تكون في العالم العربي) في موضع ما من كتاباتي، ومهما كان الأمر فإن المعنى من فوز "الحجر والبركة" هو اعتراف بصلاحية هذا الانتساب المختلف واحتفاء به. وهذا التتويج يسعدني بطبيعة الحال، وله نكهته المميزة في حياتي.


الإبداع هو الأصل
(*) من النقد إلى الرواية ومن الرواية إلى السرد. أي لذة في هذه المراوحة؟
- ربما كان الإبداع هو الأصل، فلقد أتيت منه إلى النقد، وليس العكس. وقبل الرواية كان الشعر والقصة القصيرة، فقد ابتدأت شاعرا منذ السبعينيات، وجربت القصة القصيرة في مستهل الثمانينيات. كما جربت الكتابة المسرحية- وهذا ما لا يعرفه الكثيرون- في عام 1982 بالمشاركة بمسرحية "صرخة مجنون" في إقصائيات مسرح الهواة، وكان مخرج المسرحية هو إبراهيم بوبكدي مؤلف المسلسل التلفزيوني "حديدان" الشهير. ما مسوغ كل هذا التعدد؟ ربما هو الإحساس بكون الواقع الإنساني معقدا ومركبا، وله مداخل متعددة، وليس بمكنة فن واحد القبض عليه والتعبير عنه؛ إذ يظل جانب من هذا الواقع مستعصيا عليه، ولا يُستطاع التعبير عنه إلا في فن آخر له القدرة على تكليمه. وربما كان هوسي بالتكوين الموسوعي وراء هذا الانتقال بين أجناس تعبيرية مختلفة. لكن هناك أمر لا يقل أهمية عن كل هذا، وفي ظني أنه يعد الجسر السالك بين المعرفة النظرية (نظرية الأدب) والتطبيقية (النقد) وصنوف الفنون المختلفة، وهو هاجس الابتكار.

ومعنى هذا أن النقد ذاته يتوفر بدوره على جانب من الإبداع (غير فني بطبيعة الحال) يتمثل في القدرة على خلق المفاهيم والأفكار الجديدة؛ ومن ثمة تتمثل اللذة في النقد- التي تكاد تماثل اللذة الفنية- في اقتناص المنفلت غير المرئي في النصوص، بوساطة اصطناع وسائل غير مطروقة من قبل. ويخطئ من يظن أن النقد لا يشارك الفنون الأدبية في الرغبة بفهم العالم والوجود، بل ربما كانت هذه الرغبة فيه أكثر تعقيدا، بحيث أنها تتسم بفهم للعالم مضاعف: فهمه كما تعبر عنه النصوص الإبداعية وفهمه من خلال تاريخ المعرفة. وعلى العموم يشكل الانتقال من النقد إلى الإبداع (سواء أكان رواية أم غيرها) بالنسبة إليّ تجريب الإبداع في منطقتين مختلفتين، لكنهما تتكاملان: منطقة التجريد المفهومي ومنطقة التشخيص الاستعاري. وتظل اللذة فيهما ماثلة في الاكتشاف المتصل بالوصول إلى أشكال تشخيص جديدة ووسائل تحليلية غير مسبوقة.


(*) أعطنا حديثاً عن الرواية الفائزة "الحجر والبركة"، مضمونها، عالمها، شكلها، رؤيتها.
- تسمح لي تجربتي في الرواية التي لا تتعدى ثلاثة نصوص بأن أصوغ تصورا خاصا بي. ورواية "الحجر والبركة" تعد استئنافا تراكميا في هذا الصدد. وهي لا تخرج عما أجبت عنه في السؤال الأول؛ إنها تسعى إلى تثبيت فهم زقاقي للرواية؛ وينبغي فهم البعد الاستعاري للزقاق هنا بمعناه الهندسي الشكلي، لا بمعناه المعجمي.. الزقاق يقودك من مدخل إلى مخرج عبر التواءات، وفي أثناء مرورك به تصادفك أبواب على الجانبين، وكل باب ينغلق وينفتح على مصير- حكاية؛ فالحكاية الأم (حياة سليمان) في الرواية تشكل الخيط (الزقاق) الرفيع الذي يلحم بقية حكايات الشخصيات الأخرى المختلفة والمتعددة. لكن ينبغي التنبه- هنا- إلى أن انفتاح أي باب في أي زقاق- كيفما كانت طبيعته- هو انفتاح على الأصداء الآتية من الأبواب الأخرى. وهذا ما يحدث في رواية "الحجر والبركة"؛ إذ لا يحكي سليمان حكايته إلا من خلال حكايات الشخصيات الأخرى التي شاركته الحياة في تقلباتها وتحولاتها. ويتمثل موضوع الرواية في تشخيص سؤال تجريدي بوساطة ممكن التخييل: إلى أي حد لا تكمن مشكلة الإنسان العربي اليوم في انشطار ذاته التاريخي، لا النفسي، وعدم قدرته على العثور على وحدة أخرى جديدة تلحم انشطاره هذا؟ فسليمان يستشعر في ذاته هذا الانشطار وبعاني منه؛ وصرف جل حياته في السعي إلى مجاوزته من دون القدرة على ذلك؛ فهو قروسطي وحداثي، ومثالي وواقعي، ومتحمس ونكوصي... إلخ.

ولا يعرف كيف يجعل هذه الثنائيات تتصالح داخله أو ينتصر إلى أحد أطرافها حاسما في اختياراته. يتجلى هذا الانشطار في لقبه "الثنائي"، كما يتجلى في بنية ضمير السارد الذي يتراوح بين ضمير المتكلم والمخاطب. ولا يمكن فصل الفهم الزقاقي للرواية عما أسميه بالواقعية التنسيبية التي تتأسس على تعدد الواقع وتعذر الإمساك به كما هو جريانه الخاص؛ ومن ثمة فالشكل الروائي الممكن القادر على تكليم تعقيد الواقع هذا هو ذاك الذي يعدد الحكاية الواحدة ويرويها بطرائق مختلفة. وهذا ما نلمسه في رواية "الحجر والبركة" حيث تُروى الحكاية مرتين أو ثلاث بطرائق مختلفة، وأحيانا يحدث نوع من الخلط في نسبة الحكاية إلى هذه الشخصية أو تلك، ويعمل السرد على استدراك هذا الخلط وتصحيحه. والغاية من هذا الإجراء الأسلوبي ماثلة في وضع "الحقيقي" بين قوسين وتعليقه. كما أن هذه الرواية لا تخرج عن الأسلوب الشخصي الذي اتبعته في روايتي "عصا البلياردو" و"كرة الثلج"؛ حيث يُستقى الشكل الروائي من العنوان؛ ما أن ترمي بحجر في بركة ما- كانت آسنة أم لا- تحدث دوائر، والرواية تتكون من اثنتي عشرة دائرة، وهذا الرقم له أهميته؛ فهو عدد حروف العنوان، ويشير رمزيا إلى فصول السنة، ومن ثمة إلى الشمس، واسم "سليمان" كما ينطقه المؤلف "صولاي مان" يتضمن مفردتين هما: مفردة "صولاي" (الشمس) الفرنسية، ومفردة "مان" الإنكليزية؛ وينتج الجمع بينهما اسماً جديدا هو "الرجل الشمس". على العموم تتضمن الرواية أسرارا أخرى عديدة، أفضل أن أترك أمر الكشف عنها للقراء والنقاد.


الرواية كانت دوما في 
اتصال بالفلسفة والفكر
(*) هل للأدب من منفعة للإنسان المعاصر. إن منفعته منذ قرون كانت مؤكّدة، لكن اليوم لنعد إلى تأكيد هذا الأمر، ولنتحدث عن جنس الرواية، مجال تخصصك. ما هو دور الرواية اليوم في نشر المعرفة؟.
- هناك اليوم أصوات تصدر عن بعض النقاد وكتاب الرواية تستنكر أن تكون الرواية ذات صلة بالمعرفة؛ وينم في نظري صنيع من هذا القبيل عن جهل غير مقبول بتاريخ الرواية، وبنظريتها، وعن قصور في فهم التحولات الجارية في مجال التعبير الفني المعاصر. لقد كانت الرواية دوما في اتصال بالفلسفة والفكر وتعبر عن نفسها انطلاقا من أسئلتهما، بل كانت في اتصال بمختلف الفنون الأخرى.

وهناك عديد من الأمثلة في هذا الصدد: "كنديد" لفولتير، و"البحث عن الزمان المفقود" لمارسيل بروست، و"مزيفو النقود" لأندريه جيد، و"الجبل السحري" لتوماس مان، و"صورة الفنان في شبابه" لجيمس جويس... إلخ. ويستدعي أمر من هذا القبيل أن يكون الروائي مطلعا على النصوص الفكرية الهامة التي تسعفه في فهم العالم، من دون هذا سيكون عمله شبيها بفعل من يحكي حادثة وقعت هنا أو هناك كما يفعل جميع الناس من أجل تزجية الوقت، وفي ظني أن الرواية لا تتصل بمهمة يومية مثل هذه، لأنها ربما كانت أكثر جدية من الفكر ذاته؛ وينبغي فهم الجدية هنا بمعنى الفائدة، لا الصرامة المتجهمة. وإذا ما اكتفينا بالحكاية التي تقنع نفسها بما هو حدثي ففن السينما يفعل هذا، ويوفر على الإنسان تعب القراءة وصرف الوقت الطويل في تنفيذها؛ ومن ثمة فهي تسلب الحكي الروائي ميزة تزجية الوقت التي ظن كثيرون أنها ميزة الرواية. ولهذا ما تبقى أمام الرواية هو جوهرها الأصيل الماثل في تجسيم المعرفة وتقديمها على نحو تخييلي، أو العمل بمحاورتها من داخل عالمها التخييلي. وخاصية فنية من هذا القبيل لا تتوافر لغيرها من الفنون. وهذه الخاصية هي التي بمستطاعها أن تمنح الرواية القدرة على البقاء، ومقاومة كل الأشكال التي تنافسها، وتشاركها تخييل العالم بوساطة التحبيك. وينبغي- هنا- ألا نحول الرواية إلى فن تعليمي يسهل المعرفة ويعممها، مثل هذه المهمة كانت مخصصة للحكي في القرون الوسطى؛ حيث كانت تلعب الحكاية دورا مهما في تربية الأطفال، بل ينبغي أن تضطلع الرواية بإنتاج أفق آخر للتفكير لدى القارئ من طريق إنتاج الأسئلة وصياغتها بغاية فهم جيد للعالم والسكن فيه.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.