}

سمير درويش:الشعر عالم مستقل حتى عن الشعراء الذين كتبوه

سارة عابدين 3 سبتمبر 2018

سمير درويش شاعر من جيل الثمانينيات، صدر له 19 كتابا، منها 16 ديوانا وروايتان وكتاب في الفكر السياسي. يشغل درويش عدة مناصب إدارية مصريا وعربيا. دُرِست أعماله في عدة رسائل علمية لنيل درجتي الماجستير والدكتوراه، بمصر والمملكة العربية السعودية، وترجمت أعماله إلى الفرنسية والبرتغالية والألمانية، وحصل ديوانه أبيض شفاف على جائزة أفضل ديوان شعر من معرض القاهرة الدولي للكتاب، الدورة 47، عام 2016.

في البداية تحدث درويش عن جيل الثمانينيات وخصوصيته في الحالة الشعرية المصرية، وكونه يمثل حالة شعرية شديدة الخصوصية والاستثنائية من وجهة نظره. يذكر درويش أنه في البدايات المبكرة لهذا الجيل كان المطروح هو ما يطلق عليه "قصيدة الحداثة" التي كان يكتبها جيل السبعينيات باعتبارها طفرة في تاريخ الشعر، تمثُّلًا لقصائد جماعة "شعر" في لبنان، ومحمد عفيفي مطر في مصر، وهي قصيدة تعتمد المجاز الثقيل منطلقًا جماليًّا، بحيث يكون المضاف والمضاف إليه غريبين عن بعضهما، لا تكاد تلمس علاقة بينهما أصلًا، مثل "حليب الرماد"، "ظل الوقت"، "ظل المسافة".. إلخ. هذه القصيدة الملغزة التي كانوا يتندرون عليها بأن كُتَّابها أنفسهم لا يفهمونها، وظهر فقه على هامشها يقول إنه ليس من الضروري أن تُفهم، بل أن تُحس.

يضيف درويش أن مأزق الشعراء الشباب وقتها، من جيله أنهم لم يكونوا منحازين إلى هذا الشكل الشعري من جهة ويرونه إفلاسًا كاملًا، وانسدادًا في طريق القصيدة التقليدية، وفي الوقت نفسه لا يستطيعون العودة إلى الوراء حيث قصائد صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي وظلالهما من شعراء الخمسينيات والستينيات.

أنفق شعراء هذا الجيل بعض الوقت في محاولة كتابة قصائد تشبه تجربة أدونيس وأنسي الحاج ومطر وشعراء السبعينيات، لكنهم في النهاية استطاعوا تطوير "قصيدة النثر" إلى هذا الشكل الذي أصبح مألوفًا الآن، حيث القصيدة مكثفة إلى أبعد حد، تستغني بشكل شبه كلي عن "مجاز الصورة"، وتعتمد بديلًا له على "مجاز المشهد"، حيث تتفجر المفارقة الشعرية من العلاقة بين النص الشعري كوحدة واحدة وبين ما حوله في الواقع. بين الأشياء داخل النص والأشياء خارجه، مع الذهاب إلى المواقف العادية واليومية والمألوفة والتافهة، والميل إلى السرد أكثر من الإيقاع بشكله القديم. لذلك يعتبر درويش هذا الجيل مؤسِسا بالفعل. اشتغل على إنتاج نص عربي مفارق، ولم يلتفت إلى الصخب الذي كان يفتعله السبعينيون من الخلف، والتسعينيون من الأمام.

 

تحولات قصيدة النثر

أما عن إمكانية تحول قصيدة النثر من قصيدة هامشية مضادة إلى قصيدة سلطوية تقليدية، بعد أن أصبح لها مجال واسع وكبير من التجريب حاليا، يقول درويش، لسنوات طويلة كانت "قصيدة النثر" مرفوضة من حيث المبدأ في لجان جوائز الدولة وقت رئاسة الدكتور عبد القادر القط للجنة الشعر، كان الديوان يُستبعد دون أن يُقرأ فقط لأنه نثر بصرف النظر عن جودته. ويذكر درويش أنه سأل الدكتور القط عن ذلك في حوار أجراه معه قبل رحيله بعدة أشهر، فقال إن قصيدة النثر ليست شعرًا كما أن القصة القصيرة ليست رواية، وإذا كانت الدولة تريد أن تمنحها جائزة فعليها إنشاء فرع جديد، وقال إن القصيدة كبناء جمالي تحتاج إلى "جسد" طويل لكي تتشكل بينما قصيدة النثر قصيرة، والعالم يتجه نحو الإيقاع بينما تستغني عنه قصيدة النثر.

يقول درويش إن الدكتور القط بالفعل يتحدث عن قصيدة غريبة ليست كالتي عرفها وكتبها وشارك في تأسيسها، وأهم ما يميزها أنها مراوغة، لا يمكن الإحاطة بها أو صبها في قوالب، فهي تستطيع أن تكون غنائية أو سردية، طويلة أو قصيرة، فلسفية أو عاطفية بسيطة. كما أنها تتداخل بسلاسة مع الأنواع الأدبية الأخرى: القصة والرواية والمسرحية، ومع الفنون عمومًا: اللوحة والموسيقى والفيلم السينمائي، وهي ترفض التعليمات والتنظيرات الجامدة.

 لهذا يعتقد درويش أنه لو تم تثبيت شكل محدد لها، وتحولت إلى سلطة راسخة، ستفقد قيمة وجودها، وسيكون على الشعراء إعلان انتهاء صلاحيتها والبحث عن أبواب ينفذون منها إلى آفاق أرحب. يقول درويش "شخصيًّا لا أتصور أن هذا سيحدث قبل وقت طويل نسبيًّا".

لدرويش 16 ديوانًا وروايتان، وبالرغم من سيطرة الشعر بطبيعة الحال، يستعيد درويش ظروف كتابته لروايته الأولى "خمس سنوات رملية" ويقول إنه كتبها عام 2002، كدفقة شعرية، ثم "اضطر" نفسيًّا وفنيًّا أن يكتب "تكملة" لها في رواية أخرى اسمها "طائر خفيف" عام 2004، بطلهما واحد اسمه سامي الجزار، وهناك ظرفان دفعاه لذلك: الأول أنه كان ممتلئًا بتجربة "غربة" في السعودية لمدة خمس سنوات، عمل خلالها هناك في ظروف قاسية إذا أضيفت إلى قسوة المجتمع السعودي ستصل القسوة إلى قمتها.

يضيف درويش "طبعًا إذا صح أن نطلق على السعودية في تلك الفترة (من 1992 إلى 1997) لفظ "مجتمع"، لأنها كانت بدائية إلى حد بعيد، وغير مسموح فيها إلا بالذكور فقط، والإناث يختبئن وراء الجدران، وإذا خرجن فهن ملفوفات في ملاءات سوداء لا تجعلك تجزم أن التي تراها أنثى بالفعل، وأي مجتمع في الدنيا لا بد أن يقوم على الذكور والإناث معًا".

خلال سنوات الغربة هذه كتب ديوانين: "الزجاج" و"النوارس والكهرباء والدم"، فيهما حكايات متفرقة عن الظرف الذي كان يعايشه، لكنه –مع ذلك- دُفع إلى كتابة التجربة نثرًا لتكون أكثر وضوحًا، ولتتاح لعدد أكبر من الناس. ومن قبل ومن بعد لكي "يدلق" هذه التجربة المرضية الغريبة على الورق ليشفى منها.

بالرغم من أن درويش يعتبر تجربته في "خمس سنوات رملية" تجربة روائية بامتياز، إلا أنه اعتذر عن الروايتين أكثر من مرة، وهو لا يعتبر الرواية مجاله الأثير، ولا يحب أن يكرس لنفسه باعتباره روائيا، لكنه يكتبهما في سيرته الذاتية لأن إهمالهما يساوي من ينكر نسب أبنائه له.

يتحدث درويش عن طريقة تعامله مع النصوص وتحريرها، ويقول إن الدفقة الأولى تشكل حوالي 75% من الشكل النهائي للقصيدة، والـ25% المتبقية تتم بعد ذلك في "القراءة العقلانية" التي تعقب هذه الدفقة. هو يكتب قصائد عبارة عن مشاهد قصيرة تتكون من عدة أسطر في صفحة واحدة، حتى القصائد الأطول نسبيًّا يقطعها إلى عدة مشاهد متجاورة يمكن تلقيها منفصلة، ولا يكتب إلا حينما تسكنه حالة موضوعية وجمالية ما، انطلاقًا من فكرة أو مشهد أو مفارقة، ولا يستدعي الشعر ولا يستجديه. لكنه في القراءة الموضوعية التالية يقوم  بتبديل بعض المفردات لتناسب السياق أكثر، أو لنعومة الإيقاع ولإزالة الفجوات الإيقاعية التي يمكن أن تسبب قلقًا للقارئ، ويزيل التكرارات اللفظية التي يقع فيها دون أن يدري في الكتابة الأولى، وهكذا حتى يحصل في النهاية على نص ناعم قريب من تصوره، يحدث الأثر الذي يتمناه.

يضيف درويش أن قلقه في الكتابة يسبق فعل الكتابة نفسه، فهناك الكثير من الأفكار التي تراوده وتمضي لانشغاله عنها، أو لأن جسدها لم يتشكل في ذهنه. وكثيرًا ما كتب نصوصًا وحذفها لاستشعاره أنها ذهنية أكثر مما يحتمل الشعر.

 

دور الشاعر في مسيرة التنوير

بعد أن تحدث درويش عن الشعر والرواية يتحدث عن تجربة كتابة المقال الصحفي، وما تقدمه له ولأفكاره الشخصية ويقول إن المقالات المنتظمة التي يكتبها في جريدة "المقال" بشكل رئيسي، وفي منابر ثقافية وسياسية أخرى بشكل غير منتظم، تكمل رسالته الخاصة بالتنوير وصولًا إلى الدولة المدنية، فـ"المقال" منبر يتيح له ولغيره التعبير بقدر كبير من الحرية، والوقوف عند غير المعقول وغير العقلاني وغير المستساغ في التراث الإسلامي، وهذه الكتب التي تحتوي على الكثير من الخرافات، والآراء الشخصية في التفسير والتأويل التي رفعها المعاصرون إلى منزلة المقدس، وهي مجرد جهد بشري لأناس كانت وسائلهم المعرفية والعلمية فقيرة جدًّا، وبعضها يحوي آراء وأحاديث وتفسيرات تعارض نصوصًا صريحة في القرآن نفسه، مثل حديث "لا وصية لوارث" الذي يعارض آية صريحة بجواز الوصية للوالدين وغيرهما، وحديث "قتل المرتد" الذي ليس له أصل في القرآن، ويتسبب في الكثير من المشكلات.

يعتقد درويش أن الشاعر والمثقف المشتبك مع واقعه يحتاج إلى منبر حر، كي يقول رأيه، وكي يشارك بفعالية في تصويب اتجاهات الرأي العام، وتغيير الأفكار الراسخة المغلوطة التي تتناقلها الأجيال دون وعي، ومنبر يطرح من خلاله أسئلته الخاصة. وهو يرى أن الثقافة الحقيقية ضد الاستقرار على الخط المستقيم، لأن كل شيء في الكون متغير، ولأن التسارع الكبير الذي يشهده العالم في العلم والتكنولوجيا يفرض على المثقف أن يناقش الثوابت في ضوء تلك المتغيرات، وأن ينشر الأفكار المتجددة، خاصة إذا كان يمتلك قدرًا من القبول والمتابعة من قطاعات معقولة من الناس. 

أما عن تجربة رئاسة مجلة الثقافة الجديدة، والحرية في تناول الموضوعات، وسبب إنهائه للتجربة، يقول درويش، إنه رأس تحرير "الثقافة الجديدة" لأربع سنوات بالإضافة إلى عامين كان عضوًا بمجلس تحريرها، وخلال تلك السنوات الست لم يتلق اتصالًا واحدًا من أي مسؤول بالهيئة العامة لقصور الثقافة، أو من خارجها، يلومه لأنه تناول أي موضوع، أو ملف على الإطلاق، لدرجة أن عدم الاتصال كان مقلقًا. خاصة أنه حرص على إعداد ملفات تتناول الراهن الثقافي والسياسي والديني في مصر والوطن العربي، مثل صناعة الديكتاتور، وجذور الاستبداد، ووهم المخلص الفرد. وكلها ضد السائد في الشأن العام في مصر، حيث كان يتم ترويج أن "الرئيس" القادم، الذي أصبح واقعًا منذ أربع سنوات، هو الذي سيفعل كل شيء لإصلاح الحال في مصر. 

إلى جانب هذا كان مهتمًّا بموضوع "تجديد الخطاب الديني"، أو إصلاح المفاهيم الخاطئة عن الدين التي حملتها إلينا كتب التراث، ويحفظها ويرددها الوعاظ والخطباء وعموم "المشتغلين بالدين"، من فوق المنابر أو من خلال الشاشات والكتب الصفراء التي توزع أمام المساجد بأسعار زهيدة، جنبًا إلى جنب العطور الرديئة والمسواك، وغيرها من "الأيقونات" الصحراوية التي يظن كثيرون أنها إسلامية بالضرورة.

يرى درويش أن ترويج فكر التنوير، وإزالة القداسة عن غير المقدس في التاريخ والفقه الإسلامي مسألتان في غاية الصعوبة، لكنه مؤمن بأنه لا طريق للخلاص والتطور والنهضة والمشاركة في صناعة الحضارة الكونية إلا بهما، فضلًا عن أن من يتصدى لهذه المهمة يتم نبذه اجتماعيًّا، ويقوده الأزهر بنفسه وبشيوخه السلفيين إلى المحاكم، ومن ثم إلى السجون. ومع ذلك وجد أن "الثقافة الجديدة" إن لم تكن في خط المواجهة الأول مع الإرهاب، أيًا كان شكله ومصدره، فهي جهد ناقص أو ضائع كليًّا. وهو يعتقد أنه فعل ما يرضي ضميره وثقافته وإيمانه بضرورة قيام الدولة المدنية الديمقراطية التي تعتمد التداول السلمي والطوعي للسلطة هدفًا لها يوصلها إلى ما تصبو إليه من تطور ونهضة. لذا من وجهة نظر درويش الشاعر لا يجب أن ينخرط في الشكل السطحي للسياسة من أحزاب سياسية وترشح للبرلمان، وكل البروباغندا المصاحبة لهذه الأفعال، لأنه غير مؤهل لهذا الصخب. أما إذا كانت السياسة بمعنى الوعي السياسي والمشاركة بالرأي وطرح الأفكار، فالشاعر أولى بذلك، وهو جزء أصيل من دوره التنويري المؤثر في بيئته، خاصة في الدول المتخلفة التي لا تزال تتحكم فيها الديكتاتوريات تحت شعارات براقة وفارغة من المحتوى مثل التعرض للمؤامرات وسقوط الدولة وحماية الوطن وأعداء الشعب. هنا يكون على المثقف أن يقول كلمته ويتحمل مسؤوليتها، وأن يحاول طرح البديل الموضوعي العقلاني في هذا البحر الهائج من اللامعقول ومن الجنون. يقول درويش "السياسة تقود الناس إلى الفقر وإلى السجون، لذلك لا أتصور أن يتفرج المثقف كأنه اشترى تذكرة رخيصة ليتابع عرضًا في السيرك".

عن موقف الشاعر وهل يجب الفصل بين المواقف السياسية والإبداعية للشاعر أو الفنان وبين أعماله، أم يجب أن يؤخذ الفنان ككل متكامل. يقول درويش "الشعر له قانونه وحده، لا يعترف بما قبله وما بعده، الشعر عالم مستقل حتى عن الشعراء الذين كتبوه".

لذا هو يعتبر أن لحظة الإبداع ناتئة، خارجة عن سير الحياة العادية للشاعر، فهي لحظة مشحونة بالكثير من المؤثرات المباشرة وغير المباشرة، الظاهرة والمضمرة، يستدعي خلالها الشاعر أشياء لم يكن يظن أنه يختزنها، من أزمنة مختلفة، ومن القراءات والمشاهدات والأصوات. كل تلك الأشياء يتم عجنها معًا لتنتج نصًّا قد يكون بسيطًا في ظاهره. في هذه اللحظة لا يكون الشاعر هو نفسه الإنسان الذي يحمل اسمه وملامحه ويسكن في عنوانه نفسه. لكنه يصبح خليطًا من الملائكة والشياطين. لذلك فإن أهم عيوب الشعراء هو الذهنية؛ أن تخطط لقصيدتك وتكتبها بوعيك الكامل، ولهذا فإن أردأ الشعر هو الذي كتب في مناسبات وطنية، مثل قصيدة "فلسطين" لعلي محمود طه التي تخلو من الشعر تقريبًا، فليست سوى بناء منطقي يقوم بعضه على بعض: "أخي جاوز الظالمون المدى (تقرير)، فـ(السببية) حق الجهاد وحق الفدا، ثم السؤال المباشر الذي يحمل إجابته: "أنتركهم يغصبون العروبة مجد الأبوة والسؤددا".

ومحمود سامي البارودي بالرغم من إحيائه للشعر العربي بعد أن مات تقريبًا، لكن حين نقرأ سيرته الذاتية ومواقفه الوطنية كعسكري وسياسي وإنسان، وعلاقته بعرابي وضباط حركته، فنجده ذا شخصية مترددة متذبذبة، وليس صاحب موقف، وكان يسهل التأثير عليه من عرابي ومن غيره، كما أنه اتخذ مواقف ونقيضها.

 يضيف درويش "ألم يمدح المتنبي كافورًا ثم سبه بعد أن لم يحصل منه على ما يريد؟ ومع ذلك يكاد يجمع النقاد والشعراء على أن المتنبي هو أشعر شعراء العربية على الإطلاق". 

بالعودة إلى قصيدة النثر، وهل يمكن اعتبارها امتدادا للتراث الشعري العربي، يقول درويش، إن "قصيدة النثر" نوع أدبي غربي أساسًا، مثل الرواية والمسرح، استلهمناه من ترجمات الشعر الألماني والفرنسي، لكنه أضيف إلى رصيد الشعر العربي واعتبر تطويرًا له لاعتبارين: الأول أنه يُكتب باللغة العربية بكل حمولاتها المعرفية والجمالية. فحين نكتب في قصيدة نثر مفردة "الليل" لا نستطيع الخروج من ليل امرؤ القيس "وليل كموج البحر أرخى سدوله"، وحين نتحدث عن المعشوقة نستدعي "ليلى" قيس بن الملوح أكثر كثيرًا من إلزا أراجون. والأمر الثاني أن من يكتبها شاعر عربي، يعاني من الإحباط والتأخر وضيق الأفق والرغبة العارمة والمستمرة في العودة إلى الوراء واعتبار كل قديم أفضل مهما كانت حالته، وكل كبير في السن رائد يجب الاستماع إليه والأخذ عنه.

لهذا فإن الكتب الأهم في مكتبات شعراء قصيدة النثر في الوطن العربي هي كتاب "قصيدة النثر" لسوزان برنار، وكتاب "ثورة الشعر الحديث من بودلير إلى العصر الحاضر" للدكتور عبد الغفار مكاوي، إلى جانب "الثابت والمتحول" لأدونيس، وترجمات رفعت سلام المهة لريتسوس وبودلير ورامبو ووالت ويتمان وماياكوفسكي وكفافيس. هذه الأسماء العالمية هي التي أضحت محط اهتمام الشعراء الجدد، بعد إليوت ووليم بتلرييتس اللذين اهتم بهما شعراء التفعيلة، وسيسجل التاريخ الأدبي للشاعر رفعت سلام أنه قدم كل تلك الترجمات الجيدة للمكتبة العربية، وقد استفاد منها كثيرون، إلى جانب أن الأجيال الجديدة من الشعراء تعلموا في مدارس لغات ويجيدون الإنجليزية والفرنسية بشكل يمكِّن بعضهم من قراءة الشعر الأجنبي بلغته الأصلية، في نفس الوقت الذي يكتب فيه.

 

أهمية مواقع التواصل الاجتماعي

لمواقع التواصل الاجتماعي دور كبير لا يمكن إهماله في تناقل النصوص الشعرية، لذا يتابع درويش بقدر استطاعته ما يتم  نشره على "فيسبوك" تحديدًا، وعلى المواقع الثقافية. وهو لا يدين ولا يرفض ما ينشر باعتباره شعرًا رديئًا، فهو مع حرية الكتابة، بغض النظر عن القواعد، لأن هذه "الفضفضة" لا تلزم المتلقي بقبولها باعتبارها شعرًا، وفي الوقت نفسه تعطي فكرة عما يفكر فيه الشباب، وطرق تعبيرهم عن أنفسهم.

أما الشعراء على مواقع التواصل فلهم شأن آخر، لأن صفحة الشاعر على موقع مثل فيسبوك أصبحت مجلته، أو جريدته، التي ينشر عليها قصائده بشكل فوري، وأفكاره ورؤاه النقدية في الثقافة والسياسة والاجتماع، ويتلقى عليها ردود أفعال فورية كذلك. وهو ما يعوض النقص الفادح في المجلات الثقافية العربية، والتأخير غير المقبول في نشر نص ما، قد يكون الشاعر نفسه غير رأيه فيه ما بين زمن كتابته وزمن نشره.

يقول درويش إنه شخصيًّا استفاد كثيرًا من نشر قصائده على صفحته في فيسبوك، وتلقي انطباعات فورية عنها، فهي –في الأول والأخير- محفز على المواصلة، لأنه يجد من يقرأ كتاباته، ما يكسر شعوره بالوحدة، وبأن ما يكتبه ليس محبوسًا في درج مكتبه، أو في كراسته؛  لأن الشعر في النهاية شكل من أشكال التواصل بين الشاعر والقارئ، كلاهما يكمل الآخر، وبدون وجود القارئ لا تكون القصيدة مكتملة. 

يذهب درويش إلى أبعد من ذلك، ويعتقد أن "فيسبوك" ساهم بشكل كبير في "تشكيل" القصيدة العربية وترسيخ جماليات معينة لها، مثل أن تكون شديدة القِصر قدر الإمكان، لأن قارئ فيسبوك متعجل، يضغط على عجلة "الماوس" بطرف سبابته ولا يطيق التوقف أمام تدوينة ما أكثر من عشر ثوان، ثم يتجاوزها إلى غيرها، وهذا –بالتحديد- استدعى أن يكون النص واضحًا، قريبًا من الذائقة العامة لقارئ غير مثقف، ولا يهتم بـ"جماليات الشعر" بقدر ما يهتم بموضوعه، وبـ" الشحتفة" التي تكمن داخل هذه النصوص. لذلك لا يجب على الشاعر أن يستغرب أو يكتئب لأن نصوصًا سطحية تحصل على مئات وأحيانًا آلاف الإعجابات، بينما يحصد نصه العميق خمسين إعجابًا، فنحن هنا إزاء قانون آخر غير قانون الشعر، هو قانون السوشيال ميديا.

 

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.