}

رشيد الخديري: القصيدة التي بدون ماء، هي قصيدة مشققة الملامح

أشرف الحساني 5 سبتمبر 2018

رشيد الخديري شاعر وناقد مغربي من مواليد مدينة الدار البيضاء، حاصل على شهادة الماجستير في الأدب العربي من جامعة محمد الخامس بالرباط في موضوع النقد الثقافي، يعتبر اليوم أحد أبرز النقاد المغاربة المرموقين، نظرا لاشتغاله الدؤوب والمتميز على موضوع الشعر العربي كتابة وتنظيرا بعدد من الدوريات والمجلات والجرائد الوطنية والعربية. وقد صدر له إلى حدود اليوم: حدائق زارا، خارج التعاليم ملهاة الكائن، الخطايا والمرآة، سلالم ضوء، الطرديات في الشعر العربي، الدرامي والغنائي في الشعر المغربي المعاصر: أنثى المسافات أنموذجا، التراث النقدي عند العرب: آلياته وإشكالاته، المعنى الشعري: الأفق الجمالي وشعريات الرؤى، صيرورة النهر الشعري: قراءة في أعمال صلاح بوسريف الشعرية، أجراس السماء البعيدة (جائزة الشارقة للإبداع في صنف القصة 2018).

 

*الأستاذ رشيد الخديري، لنبدأ أولا بذلك السؤال الكلاسيكي، الذي عادة ما يطرح على الشعراء. أنت كناقد وشاعر من شعراء الحساسية الجديدة في المشهد الشعري المغربي المعاصر. كيف ترى وتتصور شعرية النص عند شعراء هذا الجيل؟

دعني أولاً، ألفت انتباهك إلى شيء جوهري، وهو أنني ضد هذه التسميات. ليس هناك جيل ينتمي إلى فترة السبعينيات أو الثمانينيات أو شعراء الحساسية الجديدة، وإنما هناك شعر يجري تلقيه وتتلقفه كأفق جمالي. الغاية ليست في هذه المجايلة، بل في الرؤى التي يحملها المنجز الشعري كممارسة وقلق ووعد واختراق. إن الشعر قارة متجانسة وخلاقة من منطلق تلك الشعرية التي تتخلَّقُ ضمنها النصوص، وبالتالي، فهذه الشعرية لا تتحقق، ولا تتبلور إلا على نحو جمالي، وبشكل يلغي هذا الترتيب الدياكروني، لأنه يحدُّ من وهج الإبداع وسيرورته وامتداده. صحيح، أن لكل فترة معينة خصوصياتها وإشكالاتها، وأن ثمة شواغل تميز شعرية النصوص، لكن، وكما قلت لك آنفا، إن أقرب النصوص إلى ذائقتي، هي التي ترتهن إلى الشرط الإنساني، وتمتلك شعرية بمقدورها النفاذ إلى الدواخل كمحاولة للتحرر من هذا الخواء الوجودي الذي يعصف بالكائن.

 

*في الطرح نفسه، هل يمكننا الحديث عن خصوصية معرفية أو جمالية تتبطنها نصوص هذا الجيل، كما هو الشأن عند بعض شعراء جيل الثمانينيات الذين انشغلوا بالشرط الجمالي داخل النص الشعري بغية القطع "نهائيا" مع بعض النصوص الستينية والسبعينية، التي تهندمت بهندام الأيديولوجيا؟

أشاطرك الرأي في مسألة النبرة الاحتجاجية التي ميزت العديد من التجارب الشعرية إبان فترة ما يُسمى "جيل السبعينيات"، وهي مسألة تعكس حالة التشرذم والتشظي التي عاشتها الأمة العربية، نتيجة تظافر مجموعة من العوامل، خاصة على المستوى السياسي كهزيمة 1967، والحلم بالقومية العربية، وتغلغل الفكر الاشتراكي الماركسي في صفوف الطبقة المثقفة، وغيرها. هذه العوامل مؤثرة وحاسمة في إنتاج نصوصٍ مغلفة بطابع إيديولوجي هتافي، وكأننا أمام موجة أو تقليعة جديدة من حيث الارتهان إلى الشرط الحماسي خلال عملية إنتاج النص الشعري. ولكن، هناك بعض الأسماء الشعرية التي ظلَّت تتخندق في هذا الشرط الشعري، رغم أنها تنتمي إلى "جيل الثمانينيات"، وكأن أمر الانتقال من شرط إلى آخر، لا يعنيها في شيء، بالمقابل، هناك بعض الأسماء التي حاولت التنصل من عباءة الأيديولوجيا الضيقة إلى رحابة الشعر وشساعته. أنت ترى الآن، أن ثمة هوة تحول دون تطور الشعر وتحوله عن السياقات التي أنتجته، مما يعني أن هناك ترسبات تفرض نفسها، رغم محاولات بعضهم نقد "المهيمن" الشعري المتمثل أساسا في عملية الأدلجة.

*في عملك الشعري "خارج التعاليم ملهاة الكائن" يتبدى فيه بشكل كبير، ذلك الاستحضار الفني لعنصر التاريخ داخل النص الشعري، من خلال بعض رموزه: سقراط، يوربيدس، السياب، سركون بولص. كيف يتحاور الشاعر رشيد الخديري، ويبني علاقته المعرفية بالنصوص الشعرية والفلسفية المؤسسة لهؤلاء؟ 

حين تُوِّجَ عملي الشعري "خارج التعاليم، ملهاة الكائن" بجائزة قصيدة النثر في القاهرة سنة 2010، وهو للإشارة عملي الثاني بعد ديوان "حدائق زارا" الصادر سنة 2008، بدا الأمر للوهلة الأولى، مفاجئا لبعضهم، إلى درجة أن "حراس الغابة" واجهوا هذا التتويج بازدراء وامتعاض شديدين.  فقد كان الرهان في هذا العمل الشعري، على خلق جماليات شعرية مغايرة عن العمل الأول، رغم أنني حرصت على الاحتفاظ بنفس النمط الشعري، وأعني بذلك، الاغتراف من معين الأسطورة والفلسفة، لكن، "خارج التعاليم، ملهاة الكائن"، جنح نحو المواجهة المباشرة مع السلطة الأبيسية في كل تجلياتها، سواء تلك السلطة الشعرية الكبرى، أو من خلال قتل الأب رمزيا، والتحرر ولو نسبيا من هذا الدال المهيمن، لذلك تم التوسل بتلك الرموز التي ذكرت، وكأنها نوع من الاستعادة، مساءلة الذاكرة ومحاولة لملمة تشظي الذات وترميم شقوقها وتصدعاتها. إن القصيدة بدون ماء، هي قصيدة مشققة الملامح، وهذا يدعونا إلى أن نكون أكثر حذرا في التعامل مع النص الشعري، بعيدا عن الاستسهال والتطاوسية تحت مسمى "قصيدة النثر".

إن هذا الاستحضار لرموز شعرية وفلسفية كونية، هو بمثابة حوار مع الذاكرة، وإن كان هذا الحوار، يأخذ في الكثير من الأحيان طابعاً مرآوياً، لكنه، يسعفني في عملية الهدم: هدم الذات ومحاولة البناء بالمفهوم الهايدغري، أي البناء فوق الأنقاض، وهي مسألة حاسمة في توجهي الشعري، وخيار لا بد منه في عملية تأثيث النصوص وانهمارها. وفي هذا الإطار، لا بد أن أشير إلى أمر مهم، وهو أنني أحرص كليا على تنقيح النصوص من خلال تشذيب الزوائد عملا بمقولة "كل شاعر حديث يسكنه شاعر قديم"، إذ لا يمكننا أن نكتب من خارج الذاكرة، بل من خلال تلك المحاورات التي نجريها مع نصوصنا أو نصوص غيرنا.

 

*صدر لك سنة 2017 عن دار نشر مغربية، كتاب عن الشاعر والناقد المغربي صلاح بوسريف. لماذا هذه المصاحبة النقدية للمشروع الشعري والنقدي عند صلاح بوسريف، وليس محمد بنطلحة أو عبد الله زريقة أو عبد الله راجع مثلا؟ ثم ما الجديد في نظرك، الذي جاء به الشاعر والناقد صلاح بوسريف إلى المشهد الشعري والنقدي المعاصرين؟ 

كتاب "صيرورة النهر الشعري" الذي خصصته لمحاورة المنجز الشعري للشاعر صلاح بوسريف، ليس هو أول عمل نقدي مخصص لمقاربة التجارب الشعرية المغربية، وإنما أصدرت كتابين نقديين قبله، وهما: "الدرامي والغنائي في الشعر المغربي المعاصر، أنثى المسافات نموذجا" الصادر سنة 2014، ثم "المعنى الشعري، الأفق الجمالي وشعريات الرؤى" الذي صدر سنة 2016، وهذا يعني، أنني منفتح على كل التجارب الشعرية باختلاف حساسياتها الجمالية. إذن، أنت ترى، أن الأمر لا يتعلق بشاعر ما بعينه، وإنما هناك مشروع نقدي راهنت عليه منذ سنوات، وهو الاحتفاء بالتجارب الشعرية المغربية، من منطلق أن هذا الشعر مغبون ومظلوم نقديا. يبقى سؤال: "لماذا هذه المصاحبة النقدية للمشروع الشعري والنقدي عند صلاح بوسريف. أنت تُقرُّ في سؤالك، أن ثمة "مشروعا" شعريا يجري تأسيسه، والتنظير له من خلال عددٍ مهم من الأعمال النقدية، وأجزم، أن الشاعر صلاح بوسريف، واحد من أهم الأصوات التي لها مشروع شعري واضح المعالم ومحدد الرؤى، بمعنى، أنه فطن إلى معضلة الشعر المغربي في غياب مشروع لدى أغلب الشعراء، وبالتالي، فإن الخلل يكمن هاهنا، تجارب شعرية تكاد تكون مكرورة ومسكوكة، لا روح فيها ولا رؤيا، باستثناء بعض الأسماء التي حاولت تجديد آليات اشتغالها وانهمارها.

 

*يعتبر مفهوم الحداثة في الشعر كتابة وتنظيرا من بين المفاهيم الكبرى، التي شغلت جملة من الشعراء والباحثين والنقاد العرب على اختلاف مشاربهم الفكرية. كيف يتمثل الشاعر رشيد الخديري مفهوم الحداثة في الشعر المغربي؟ وهل حقا عندنا اليوم في المغرب مشاريع شعرية حداثية أم أن الأمر مجرد ادعاء حداثوي ليس إلا؟

الحداثة مفهوم عائم وملغز، وهو ضد القدامة إذا ما نظرنا إلى المفهوم من وجهة نظر تراثية، بمعنى أن الحداثة لا تستمد قيمتها إلا من خلال انعكاسها في مرآة التراث. لقد تنبه الناقد المغربي سعيد يقطين في كتابه "الفكر الأدبي العربي، البنيات والأنساق" إلى أمر مهم يَخُصُّ الفكر العربي في شموليته، وهو أننا نعاني من القطيعة في نظريتنا النقدية العربية، ودرجات استلهامها للأطاريح النقدية الغربية، بمعنى، أننا نتلقف النظريات بانفعال لا بتفاعل، وهو ما يؤثر على سيرورة المنظومة النقدية العربية، وحال الحداثة لا يختلف عما يتم طرحه الآن من نظريات. أتصور الحداثة بدالها الجمالي، وليس الزمني، بمعنى ما، أرى شعريات أبي نواس أو المتنبي أكثر حداثة من شعرنا الآن، فالمطلوب في أي عمل شعري، هو مدى مغايرته وغيريته عن نصوص أخرى أو تجارب أخرى، والواقع، أننا لم نتعامل بشكل جيد مع مقترحات الحداثة وتأتياتها النصية، وانكببنا عوض تحقيق ذلك، إلى الدخول في صراع مجاني وخفي عن قصب السبق، ونحو الإجابة عن سؤال تردد كثيرا في المحفل النقدي العربي، وهو: هل الحداثة قطيعة مع التراث، أم امتداد فيه؟ وهو سؤال بقدر ما يضع الأصبع على الجرح، بقدر ما يضعنا أمام حمأة الصراع من جديد.

*في ظل هذه الخطابات "الما بعد الحداثية" المعطوبة عربيا، والواهية الطافحة بكثرة اليوم على صفحات الجرائد ومواقع التواصل الاجتماعي، أصبح التراث العربي بسبب هذه الخطابات المخجلة يعاني نوعا من القصور والتهميش من لدن النقاد العرب أنفسهم، علما أن جوهر مفهوم الحداثة في نظري، هو ثورة على الأنساق والأشكال والبنيات، لكن من دون خيانة هذا التراث ونسف الماضي الذي يعول عليه أحيانا، عبر الارتكاز والانطلاق منه بغية اجتراح أفق نقدي عربي جديد. كيف إذن تفهم هذه العلاقة أو هذا الزواج الشرعي بين التراث والحداثة في النقد العربي؟

 

المسألة في نظري تتعلق أساسا برؤى الاشتغال وشواغل الكتابة. للحداثة إيجابياتها كما للتراث إيجابياته، لكننا للأسف، لم نتعامل بشكل مناسب مع مقترحات كل اتجاه، وكما أسلفت، سقطنا منذ النهضة الأولى في حربٍ تافهة بين أنصار القديم والحداثيين، ولم نستثمر تلك الفرص المتاحة للمصالحة مع التاريخ ومع أنفسنا. ولا أتفق معك في كون التراث العربي يعاني قصورا وتهميشا من لدن النقاد العرب أنفسهم، كل ما هناك، أن ثمة محاولات للتوفيق بين مناهج ونظريات الأدب، أو ما يطلق عليه راهنا بـ"التناهج"، وهي عملية لا يستسيغها بعضهم، إلى درجة أن ناقدا ألمعيا مثل رشيد بنحدو، يصفها بالمناهج التلفيقية، وهو أمر مهم، إذا أخذنا بعين الاعتبار خصوصية كل منهج، وطريقه محاورته ومدارسته للأثر الأدبي، مما يجعل العملية في رمتها غير جائزة، وبالتالي، ليس هناك زواج شرعي بين التراث والحداثة في نقدنا العربي، بقدر ما هناك توثر أبدي بين المنحيين. إن إمكانية التعايش بين التراثيين والحداثيين، أمر ممكن، إذا ما تم تجاوز خصومات الماضي، والنظر إلى النص كأنه سيرورة ووعد واختراق.

 

*في الطرح نفسه، من موقعك كناقد، ما ردك على تلك التجارب النقدية المعاصرة، التي عملت على مقاربة التراث النقدي العربي القديم في ضوء المناهج النقدية الغربية الحديثة والمعاصرة؟

لست ناقدا بالمعنى الدقيق للناقد، أي الوصول إلى مستوى التنظير وما شابه ذلك، كما أن "تجربتي" في عالم النقد، قليلة وضئيلة بشكل لا تسمح لي بأن أصدر أحكاما قيمية وتقييمية لواقع الممارسة النقدية في العالم العربي، خاصة، في ما يتعلق بمقاربة التراث النقدي العربي القديم في ضوء المناهج النقدية الغربية. هنا تحديدا، يبرز وهم المثاقفة، إذ يستحيل تأسيس وتأصيل نظرية نقدية عربية خالصة، بعيدا عن المثاقفة مع الغرب، وقد تنبه إلى ذلك العديد من النقاد العرب المعاصرين من أمثال محمد برادة، سيزا قاسم ويمنى العيد وغيرهم، لذلك، فإننا نعيش في مآزق نقدية، وهي لا تتعلق فقط بالنقد العربي القديم، وإنما تمتد لتشمل الممارسة النقدية العربية حتى وقتنا الراهن، وهذا لا يعني أيضا، أننا نتنكر لجهود نقادنا في تبني ممارسة نقدية عربية جادة ومجددة، وإنما، نحاول الإشارة إلى أن النظرية النقدية العربية هي نظرية استعارية بامتياز، ولا يمكنها أن تنفصل عن سيرورة الفكر العالمي، وهذا لن يتحقق، إلا بالمواءمة والابتعاد عن جلد الذات الذي وسم الممارسة النقدية العربية منذ نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين. وختاما، أشد على يديك بحرارة، وأشكرك على هذه الفسحة في مجهول النقد العربي وسراديبه. 

 

 

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.