}

عبدو التونسي:نواجه العنصرية في إسبانيا بالتعددية الثقافية

ميسون شقير ميسون شقير 31 أغسطس 2017
حوارات عبدو التونسي:نواجه العنصرية في إسبانيا بالتعددية الثقافية
عبدو التونسي

في المسافة بين ما نحمله من إرث معرفي غني يشكل أهم دعامات هويتنا الثقافية والشخصية، وبين ما يطفو الآن على سطح بحيرة العالم المتفسخة من ظواهر مرعبة شكلت ردات فعل أكثر رعبا حول منجزنا الحضاري كشعب ساهم في بناء الهرم المعرفي البشري، في هذه المسافة بين حقيقة طمست كثيرا وبين الإسلاموفوبيا، ظهرت بعض المحاولات الرائدة التي تسعى إلى إعادة إحياء التواصل الحضاري بيننا والعالم، وإلى تعميق ثقافة التعددية وقبول الآخر كحل وحيد في مواجهة العنصرية.

من هذه الرغبة جاء "المنتدى الثقافي العربي الإسباني" في مدريد، كمحاولة جادة أثبتت نفسها في المشهد الثقافي في أوروبا لإعادة بناء هذا الجسر الحضاري، ولتعميق ثقافة التعددية وقبول الآخر.

 عبدو التونسي، رئيس المنتدى العربي الإسباني، شاركنا أحلامه ومصاعبها، حين رد على أسئلتنا في هذا الحوار لضفة ثالثة.

وعبدو التونسي من مواليد مدينة عمّان، ومن أصول مغاربية، ومقيم في إسبانيا منذ 44 عامًا، مهندس ديكور وناشط في المجال الثقافي. آمن منذ بداية شبابه بالتعايش بين الأمم ووحدة الشعوب العربية وتراثها الحضاري، ضمن مقولة "كلٌ في بيته والجميع في بيت العائلة الكبير". خلال ست سنوات حرر مجلة فلسطين الرقمية الناطقة باللغة الإسبانية، وله أكثر من ستمئة مقالة في القضية الفلسطينية، بعضها ترجم لعدة لغات أوروبية. وهو محاضر في القضية الفلسطينية والتعددية الثقافية في المراكز الثقافية في مدريد وفي بعض جامعاتها.

تاريخ أندلسي

(*) سؤال: إلى أي مدى تعتقد أننا قادرون على صناعة جسر ثقافي حقيقي يربط حقيقة ثقافتنا مع الثقافات الغربية عموما والإسبانية خصوصا؟

- إلى أبعد الحدود، وخاصةً مع الإسبانية. هذه البلاد تحظى بتاريخ أندلسي عريق وله تقريبا جذور في جميع مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية. هناك جسور قائمة منذ قرون وما علينا إلا إظهارها وترميم بعضها، لو علم أهلنا في الوطن العربي كم أن الإسبان المُهتمين بتاريخهم هذا كثيرون، لكان لنا ليست فقط جسور، بل تعايش مُتبادل في جميع المجالات، لكن للأسف الشديد، الشعوب العربية ورثة الحضارة التي وضعت أسس الحداثة المعاصرة لا تعي هذا، وبعضهم يخجل منه، ويقوم بالتقليد الأعمى لما يأتيهم من الغرب. كما أن الحكومات العربية وسفاراتها في إسبانيا لا تصل إلى القاعدة الاجتماعية الإسبانية المُتعطشة لهذا الإرث الأندلسي، ولا لإعطائه المكان المُلائم له، واستغلاله لخدمة الحضارة العربية، وتحسين صورتها، والتي هي اليوم تعاني من هجمات شرسة وخاصةً من الدعاية الصهيونية العالمية.

(*) سؤال: بعد ما حصل في برشلونة، برأيك كيف يمكن لثقافة التعددية أن تواجه الإرهاب أو أن تحمي منه؟

- ليس من السهل أن يكون الرد سريعا ووافيا من قبل التعددية الثقافية على هذه الأعمال الوحشية، كالتي حدثت في برشلونة هذه الأيام، خاصة إذا لم يكن هناك درع قوي لأفراد المجتمعات يتلقى هذه الضربات ويمتص أهدافها العنصرية و يحصرها في خانتها المحدودة، أي في إطارها الهادف لخلق رعب وشرخ بين المواطنين وزعزعة ثقافة التعايش. هذا يتطلب جهدا كبيرا في التربية والتوعية عبر برامج عدة على جميع المستويات، وتحديدا في وسائل الإعلام. نحن في المُنتدى وحرصًا على هويتنا الإنسانية قبل كل شيء، أصدرنا بيان تعزية وشجب.

(*) سؤال: كيف تشكلت فكرة هذا المُنتدى وما هي مراحل هذا التشكل؟

- في البداية كُنت أنتسب لجمعية الصحافيين والكُتاب العرب في إسبانيا، لكن لم يكن هناك مجال لأنشطة ثقافية على نطاق واسع، لذا ولدت عندي فكرة المُنتدى، وبمساعدة عرب وإسبان من المُهتمين بخلق مساحة للتعددية الثقافية، قمنا بتشكيل هذه الجمعية الأهلية وتم تسجيلها يوم 15  يناير/ كانون الثاني 2015، حيث وقعنا على وثيقة التأسيس في حفل في البيت العربي في مدريد. واعتمدنا قانون تأسيس الجمعيات في إسبانيا وتم اختيار خمسة أعضاء شرف منهم الرئيس السابق لمنظمة اليونيسكو السيد مايور ثرغوثا وعميد المُستعربين السيد بدرو مارتينث مونتابث وأضفنا إليهم عام 2016 آخرين من مختلف المجالات الثقافية والعلمية والاجتماعية.

(*) سؤال: ما أهم ما قام به المُنتدى حتى الآن وما الذي كنت تتمنى أن يكون ولم يكن؟

- قمنا بالعديد من الأنشطة الثقافية وعملنا على مساحات عدة، وأعتقد أن معارض الكتاب العربي الإسباني التي أنجزنا منها النسخة الأولى في مدريد العام الماضي والنسخة الأولى في مدينة قرطبة هذا العام، هي أهم الأنشطة. الفكرة كرائدة في إسبانيا حظيت بنجاح كبير من قبل الجمهور، ودعم من الكُتاب ودور النشر، وهذا أصبح عنوانا وحافزا لنا. أما ما أصبو إليه شخصيًا أن يتحقق، لكوني من سكان محافظة مدريد منذ 44 عامًا وحريصًا على أن يكون لأهل مدريد علم حقيقي لتاريخ مدينتهم، فهو أن تضع بلدية مدريد مطالبنا التي قدمها المُنتدى بالاعتراف الرسمي بأصول مدريد العربية (مجريط) موضع التنفيذ.

جمعيات حديثة

لمواجهة الإسلاموفوبيا

(*) سؤال: ضمن انتشار الإسلاموفوبيا هل يكون مدّ هذا الجسر أصعب وكيف يمكن أن نتجاوز هذه الصعوبات؟

- لا شك أن الصعوبة أصبحت كبيرة، خاصةً أنه ليس هناك إدراك من قبل الجالية العربية والجهات الرسمية لخطورة هذه الظاهرة العنصرية، رغم هذا هناك جمعيات تأسست حديثًا لمواجهتها، وكشف حقيقة خطرها ليس على المسلمين فحسب بل على الشعوب الأوروبية. نحن كجمعية ثقافية اجتماعية قمنا بتوقيع وثائق تعاون مع بعضها مثل مرصد الإسلاموفوبيا في وسائل الإعلام (IEMed) وإعلان باريس 2017 برعاية اليونيسكو وجميعة مناهضة الإسلاموفوبيا، ونقوم بالتعاون في هذا المجال أينما كان هناك عمل لمواجهتها.

(*) سؤال: هل فعلا نستطيع مواجهة العنصرية بالتعددية الثقافية؟

- نعم بكل تأكيد، فالتعددية الثقافية تعكس واقع الإنسان في أي بلد، حيث إننا ننتمي إلى مجتمعات مختلفة ونختلط في ما بيننا وهذا يتطلب أن نتعايش، حتى بين من هم من نفس المجتمعات، هناك فروق في التعامل مع المُعتقدات والسلوكيات الاجتماعية. التعددية الثقافية هي حقيقة يجب أن نتعامل معها على أساس الاحترام المُتبادل، إنها أداة فاعلة ولها قوة كبيرة. الإنسان بطبعه يحب الثقافة: الفنون والأدب والاحتفالات الشعبية والمرح. هنا في إسبانيا لدينا العديد من هذه المساحات وخاصةً أننا نحظى بحرية ولنا مجال كبير لوضع الكثير من الأنشطة الثقافة في مواجهة العنصرية. هذه البلاد لديها من الإرث الوافي من حضارات حوض الأبيض المتوسط ما يجعلها بؤرة لدحر العنصرية، حيث أن سكانها هم مزيج من هذه الحضارات رغم عنصرية البعض ولكنهم أقلية مقارنةً بالدول الأوروبية الأخرى.  

(*) سؤال: بين الثقافتين العربية والإسبانية روابط وجذور تاريخية مميزة جدا ولكنها في نفس الوقت هي برأي البعض حالة استعمار واحتلال... هل لاحظت هذا التناقض في عملك؟

- طبعًا هناك آراء مختلفة حول الحقبة الأندلسية والبعض يعتبرها كما تقولين "احتلالًا". نحن لا نتداول الموضوع من باب السياسة. مع ذلك لا يخلو الأمر ممن يريد لمصالح تعصبية وعنصرية وضع هذا الإرث الأندلسي في خانة المواجهة، لكن في عملنا اليومي نلاحظ أنهم نسبة قليلة وليس لهم تأثير كبير وعلى الأخص أن شعاراتهم عنصرية وهذا ينفر الناس من حولهم.

(*) سؤال: شكلت الثقافة العربية الأندلسية مركزا إشعاعيا حضاريا ومعرفيا عالميا... هل هناك اعتراف من المستعربين الإسبان لهذا؟

- نعم وهو كبير جدًا. من يتعلم اللغة العربية أو يدرس تاريخ الأندلس من الإسبان يكون له في البداية ميل ثقافي بالأساس، كون تاريخ الأندلس هو تاريخ بلادهم رغم ما خلفته وللأسف الشديد عهود سابقة، أرادت محو هذا التاريخ أو اعتباره أجنبيًا. تعامُلنا مع المثقفين الإسبان والمواطنين عامةً، يظهر لنا حقيقة أن الشعب الإسباني وبعد حصوله على الحرية السياسية والاجتماعية، بدأ ينظر لتاريخه الأندلسي بنظرة واقعية. اليوم في العديد من المُدن والقرى التي لديها أصول أندلسية أو ولد فيها عالم من تلك الحقبة، تحتفل بمهرجانات تفتخر بها بهذا الإرث. نحن الآن في وقت الاحتفالات الصيفية وتقريبًا يوميًا هناك خبر في الصحف عن مهرجان هنا وهناك على هذا الوتر. ونحن في المُنتدى نعمل على إيصال هذه الأخبار عبر شبكة النت ومواقعنا الإلكترونية.

(*) سؤال: من هي أهم الأسماء الإسبانية التي تساهم معك في بناء هذا الجسر الحضاري؟

- هم كثيرون وأخشى أن أذكر بعضهم وأنسى آخرين. أؤكد لك وللأهل في الوطن العربي أن حب هؤلاء الإسبان للثقافة العربية كبيرٌ جدًا، حتى أنني أخجل منهم أحيانًا عندما أرى تحمسهم الذي يفوق حماسة البعض من الجالية العربية. لن أذكر أسماء لكن أريد أن أذكر أنهم من كافة الفئات الاجتماعية والمهنية. نحن نفتخر بهم في المُنتدى ونقوم بتقديم الجوائز الرمزية لهم، مثل الميدالية الذهبية التي نسلمها سنويًا للفائزين في اجتماعنا السنوي، كما حدث في الاجتماع  الأخير الذي عقد بتاريخ 7 يوليو/ تموز الماضي في صالون السفراء في البيت العربي في مدريد، وهنا أنتهز الفرصة كي أقدم الشكر الجزيل لهذه المؤسسة على رعاية المُنتدى منذ تأسيسه.

(*) سؤال: الثورات العربية وحالة أزمة اللاجئين في أوروبا، هل أثرتا سلبا على عملك؟

- في الحقيقة لم يحدث هذا لعدة أسباب، أهمها أن اللاجئين كان لهم وقع إنساني بين المواطنين عامة والسلبيات كانت قليلة جدًا كي تخلق تذمرًا بشكل عام. يُضاف إلى هذا أنه لم تحدث موجات هجرة، وعدد اللاجئين قليل جدًا. 

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.