}

عبد الدائم السلامي: النقد لعب مع النص

عيسى جابلي 16 أكتوبر 2017
أن تقرأ ما يكتبه الناقد التونسي عبد الدائم السلامي يعني أنك ترحل في نص إبداعي لا يكتفي بأن يشتغل على نصّ اشتغالاً كسولاً لا روح فيه ولا دم، بل يتّخذه منطلقاً لحياكة نص إبداعي جديد يغرف من بلاغة الجاحظ نصيباً، ويصيب من مخيّلة الشّاعر صوراً، ويستعير من النّقد الحديث أدواته – وعثراته وعلاّته أيضاً – ليغوص عميقاً في شخصيّة النّص الثقافية راسماً ملامحه وما به كان النصّ نصّاً. ينزع النّقد مع عبد السّلاّمي ميدعة الطبيب وجبّة المعرّي ويكسر عصا المؤدّب ويرمي بدلة الأكاديمي وربطة عنقه، ليواجه النصّ عارياً نبراسُه النّصُ نفسه يعبث وإيّاه بتراب اللغة وحصاها طالبين معنى قد يبين – ولا همّ إذ لا يبين مادام المعنى في النصوص الأصيلة وعداً كاذباً ما إن نقبض عليه ونحشره في زجاجة النّظريّات مطمئنّين، حتّى نفيق من الغد على زجاجة خيبتنا فارغة، ونلمح طيف معنى جديد يلوح – وعداً كاذباً هو الآخر – في أفق النصّ بعيداً.

عبد الدائم السلامي ناقد تونسي يتركّز جهده البحثي على تطوير قراءة السرد العربي الحديث، على قراءته قراءة تراعي شخصيته الثقافية الخاصّة، وذلك عبر تبيّن حدود المناهج النقدية الغربية في مقاربته، والسعي إلى جعل قراءة النصّ بعضاً من كتابته، وهو أمر يتحوّل فيه القارئ من مُؤوّل خارجي للنص إلى مفردة من مفرداته في ما يمكن تسميته بـ"النقد الإبداعي"، وقد مثّل هذا السعي مدار اهتمام كتابه "كنائس النقد" الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2017.


صدرت له في النقد الكتب التالية: شعرية الواقع في القصة القصيرة جدا دار القرويين- المغرب- 2007. منطق اللامعقول في الرواية العربية الحديثة دار التنوخي-المغرب- 2011. كتاب كنائس النقد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2017. وهو حاصل على الدكتوراه في الأدب العربي الحديث عن بحث بعنوان "المقدَّس في الرواية العربية الحديثة: أنواعه وتوظيفه ومظاهر انتهاكه"، وعلى ماجستير في اللغة والأدب والحضارة العربية من جامعة تونس.

 

* تقول عن "كنائس النقد": "ومن نواياه أنْ يَحُثَّ فعلَنا النقديَّ الأدبيَّ على الخروجِ من حيِّزِ التطبيق الأمين لتعاليمِ نظريات النقد الغربية إلى حيِّزِ التفكير معها"، علام يراهن الدكتور عبد الدائم السلامي في طرح تحدّ عيت دونه أقلام وأقلام؟

 

 أميلُ إلى القول إنّ النَّقدَ الذي لا يُفكِّرُ في شرعية وُجوده يصيرُ حتمًا موضوعًا للنّقدِ، أي يتحوّلُ من حاملِ سُؤالٍ إلى مَحْمولِ سُؤالٍ. وأزْعُم أنّ المُنجَزَ النقديّ العربيّ الراهن يعيش هذه الحالَ، فهو لم يُخْضِع ذاتَه للتفكيرِ، وعجز عن خَلْقِ مشروعه وسُؤالِه، ومِنْ ثَمَّ صارَ حِرْفةَ كلِّ مَنْ لا يُجيدُ حِرْفةً أخرى نافعةً، وهذا ما جعل الناقد -في تقديري الخاص- يعيش حالةَ توهُّماتٍ عِلْمَوِيّةٍ حوّلته إلى "مَريضٍ نقديٍّ" يحتاج إلى جلساتِ علاجٍ بالتحليل النفسي الأدبيّ (إنْ كان يُوجد مثلُ هذا التَّطْبيبِ). قد يبدو للبعض أنّي أتحاملُ ظُلمًا على نقّادنا الكبارِ المُكرَّسين في هذا القولِ، ولكنّ بعضَ التحامل عليهم مفيدٌ لهم في هذه الحالِ، وذلك من جهة أنّي أُفْسِد عليهم لذّةَ اطمئنانِهم المُزمِنِ إلى أوهامهم؛ أُعافيهم منها، وأُعافي منهم نصوصَنا الإبداعيةَ.

فالواحد من هؤلاء لم يعِ بعدُ بأن للنصّ الإبداعي العربي شخصيتَه الثقافيةَ التي تفرضُ على فعلِ قراءتِه إدراكًا لمكوّناتها، وهو أيضاً لا يحفل بقراءةِ النصوصِ الأدبية بما للفظة "قراءة" من مفهوم إيتيمولوجي هي فيه جَنْيٌ للمعنى، وبما لها من دَلالة حضارية هي فيها كشفٌ عن جمالية النصوص وقِيَمها التي تعدِّلُ إيقاعَ واقع الناس، وإنّما هو يستدعي للنصوص التي يُجبَرُ على قراءتها جيوشًا من المناهج ليَزجُرَها ويُفسِدَ ثَمَرَها ويعذِّبَها. يفعل ذلك دونما سعي منه إلى التفكير مع تلك المناهج وفيها، وتبيُّنِ حدودِها الإجرائية، وتجاوُزِ مرحلة التفكير بها فحسبُ.

هذا بعضٌ من نوايا كُتَيِّبي؛ الكَشْفُ. ومن نواياه أيضا أنْ يفصل بين غايات الأدب في الواقع وغايات العلم فيه، وذلك بتأكيده أنَّ كتابةَ الأدبِ تنهض على دعامةِ ثالوث الفنون الحُرّة (النحو والبلاغة والجدل)، وإذًا فهو فعلٌ تواصليٌّ وجماليٌّ وقِيَميٌّ تحتاج قراءتُه إلى وعيٍ جماليٍّ وقِيمِيٍّ حتّى تُظهر فيه ما به يُخفِّفُ من طاقةِ العنفِ في الإنسان ويُساعده على أن يحيا سعيدًا مع ذاته ومع مجموعته الاجتماعية ومع باقي أُمَمِ الإنسانِ. وهذا ما لم يتنبّه له كثيرٌ مِمَّنْ تُطلَقُ عليهم صفة "ناقد جامعي"، الذين ظلّوا يتوهَّمون أنّهم الوحيدون القادرون على ترجمة مَقولات النَّقد الغربي للشعب العربي (الاستثناء هنا ممكن)، يُترجمونها ببلاهة كبيرة، ويدافعون عنها بحدِّ السَّيْف في مقالات جافّةٍ مكتوبة بأرتودوكسية تسبّب كآبة القارئ وتَصلح الواحدةُ منها لكلّ نصّ مكتوب ولكلّ نصّ لم يُكتب بعدُ، بل وتَصلح لكل نصّ لن يُكتبَ أبدًا، على غرار ما فعل ويفعل كلّ من صلاح فضل وجابر عصفور وسعيد يقطين وأشباهُهم وأتباعُهم دون تفطُّنٍ منهم إلى كون راهن التعليم العالي المأزومِ يُحتِّمُ إعادةَ تأهيلهم، هم أنفسهم، تأهيلاً نفسيًّا وعلائقيًّا وجماليًّا وعلميًّا، فأنْ تكون "جامعيًّا" يعني بكلّ بساطة أنك مُوَظَّفٌ في جامعة (يعني أنّك تحمل صفةً مكانيةً فقط)، ولا يعني البتّة أنّك ناقدٌ، وأنْ تكون "أكاديمياً" يعني بوضوحٍ أنّك حارِسٌ أمينٌ لفكر غيرِك ولست صانعَ أفكارِك.

* عادة ما ينظر إلى النص النقدي بوصفه "كائناً ثقيلاً"، ثقله في جفاف لغته وإغراقه في التجريد حيناً، وفي السطحية أحياناً، باستثناء بعض الأقلام العربية التي استطاعت أن تجعل منه نصاً لذيذاً مقروءاً؛ نص عبد الدائم السلامي النقدي واحد منها، ما رأيك في التوجهين: النقد الإبداعي والنقد القائم على الصرامة اللغوية والأسلوب التقريري الجاف؟

 

 من رهانات كتابي رهانُه على تحرير الفعل النقدي العربي من "الوصاية النقدية الغربية" التي يعيشها الآن وجفّفت فيه معين الإبداع، ونفّرت منه القراء، وذلك بتجديد وعيِه باللغة، وبوظائفه الأدبيّة فيها، وبالخروج من قاعات المحاضرات وأشراطها المنهجية والذّهاب إلي ميادين النصوص وأطراف مُدُنِها، والتخلّص من وهم سلطته عليها، فلا يتعالى عليها ويمنح نفسَه سلطةَ تقويمها، وإنّما يُحاورها محاورة جمالية يبلغ فيها أعالي غايات الكتابة الإبداعية؛ أعني التمييز بين البالي من قِيَم الناس الفنية والثقافية والاجتماعية والسياسية وبين جديدها المُسْتَحَبِّ، وألا يقف عند سؤال "كيف كُتب النصُّ الأدبيّ؟" كما هو شائع في المنجَز النقدي الحديث وإنّما يطرح سؤالاً يتضمّن الأوّل ويتجاوزه وهو "لماذا كُتِبَ النصُّ الأدبيُّ؟" فلا مجّانية في الكتابة الإبداعية حتى وإنْ كانت لهوًا، ولا وجاهة للقول إنّ الكاتب يُنشئُ الفنَّ للفن، فكلّ شيءٍ نَصٌّ، وكلّ نصٍّ إنّما هو دالٌّ على ظَرْفِه بالضرورة. على الناقد أن يتخلّى عن "النقد" لصالح القراءة بوصفها إبداعًا موازياً لإبداع النص المقروء، وأن يمحو المسافة التي تفصله عن النّصوصِ ويدخل فيها بكلّ جسده وثقافته وتاريخه، أي أن تتحوّل الكتابة النقدية إلى كتابة إبداعية، كتابة تنشد اللذّة والسعادة وتُدافع عن وُجودِهما في الأرضِ.       


* وأنا أقرأ كتابكَ سمعت أصواتاً نقدية كثيرة حاضرة فيه، غير أن ميزة الكتاب أنك نجحت في نحت نص نقدي شهيّ سهل الهضم أخفى كل تلك الأصوات وبرز نقياً سلساً عذباً ينسينا أنه نص نقدي (بمعنى التقرير والصرامة والجفاف). هل النقد في نظركم دعوة ضمنية إلى التخلص من النقد؟


 لا ينفي كتابي حضورَ صدَى كتابات أخرى فيه مثّلت خلفيّةً يتفيّأ ظلالَها لحظةَ الإعياءِ، بل ربّما مثّل ذاك الصدى إيقاعًا له، هو في المُحصِّلة نَتاجُ تفكير في قراءاتي النقدية وفي واقع الكتابة الإبداعية. لقد أشرتُ في مقدِّمته إلى كونه سيستفيد من أبحاث كثير من دارسي الأدب في العالَم استفادة العاقِلِ وليس استفادة النّاقِلِ؛ فقد دخل في حواريّة مُضِيفة مع كتابات الجاحظ، وبارت، ودولوز، ولاكان، وبول دومان، وتودوروف، وأنطوان كمبانيون، وغيرهم، حاوَرَ كتاباتِ هؤلاء بلا غرورٍ معرفيٍّ ولا شعورٍ بدونيّةٍ ذليلةٍ أيضًا. ولعلّ أكثر الصّدى جاء من جهتيْن: جِهة الجاحظ من حيث نباهتُه النقديّةُ في كلّ كتاباته، وما اتصل منها بتحديد ماهية الإبداع في مثل قوله: "إن الشيءَ من غير معدنِه أغربُ، وكلما كان أغربَ، كان أبْعَدَ في الوهم، وكلما كان أبْعَدَ في الوهم كان أطْرَفَ، وكلما كان أطْرَفَ كان أعْجَبَ، وكلما كان أعْجَبَ كان أبْدَعَ"، وجِهة رولان بارت، ذاك الذي تُبْهِجُني كتابتُه وتُخيفُني في آنٍ، إلى الحدِّ الذي أخشى فيه أن تتماهى لُغتي بلُغته.


* لم تكتف في الكتاب بإلقاء اللائمة على النص النقدي العربي لأنه يبحث عن معنى غيره، بل جعلته تأسيساً لمعنى جديد لا يعرفه حتى الكاتب نفسه رغم حضوره في النص بواقعه وأحلامه ورؤاه وتمثلاته، كيف يمكن للناقد أن يبلغ ذلك؟ ما الأسلحة اللازمة كي يصل إلى هذه الدرجة من الفهم والتأويل برأيك؟


 عليّ أن أؤكِّدَ القولَ إنّ الخيالَ ليس سوى واقعٍ وقع التَّلاعُبُ به، أعني وقع التلاعب بمجموعة من مفرداته تحويلاً لكياناتها وإدخالاً لها في علاقات جديدة بغيرها من المفردات لُتشكّل نَموذَجًا قابِلاً لأنْ يُؤوَّلَ، وقابلاً لأنْ يخرُجَ من النصِّ إلى الواقعِ. ولا يكون النصّ نصًّا إلاّ بعجينةٍ واقعيّةٍ يُشكِّلُها خيالُ مُبْدِعه ليُحيل به على أمرٍ في الخارِج يظلّ كامنا فيه حتى تُظهرَه القراءةُ. هذا رأيي. وإذًا، فكلّ نصٍّ إبداعيّ إنما هو نصٌّ يتكوّن معناه عبر ارتباط ثلاث حلقات: حلقة الواقع، وحلقة الكاتب، وحلقة القارئ. والملاحظ في هذا الشأن أنّ النصَّ الإبداعيّ العربيَّ ظلّ صامتَ المعنى في مخازن الناشرين أو في رفوف المكتبات أو في دروس الأساتذة بسبب إهمال فعل قراءته، أو قل: بسبب توسُّلِ سُبُلٍ قرائية إليه لا تُناسب طبيعتَه وثقافتَه، أي إنه لم يتخلّق بعدُ نَصًّا قرائيًّا، أي نصًّا نقديًّا. فلا وجودَ لنصٍّ إلاّ بالقراءة على حدِّ ما يُقالُ. وبالتلخيص أقول: إذا كان المبدع يستفيد في كتابة نصّه من مَوْرِدَيْن هما مادّة الواقع، وخياله هو وثقافته، فإنّ موارد نصّ الناقد ثلاثة، وهي مادة الواقع، وخيال المبدع، وخياله القارئ/الناقد ذاته وثقافته، وهو ما يُفْتَرَضُ معه أن يكون نصُّ الناقد أكثر جمالاً من النصِّ المقروءِ، وقادرًا على تحويل محمولات لغةِ المُبدِع إلى إشاراتٍ ذات فاعليّة واقعية تُقوّي من رغبة الناس في وعيهم للعالَم.

 

* تقول في "كنائس النقد": "لن يُفْلِح "ناقد" إلا متى أثبت إبداعيةَ نصِّه النقديِّ قبل أن ينتدب نفسه حكماً لإثبات إبداعية نصوص الآخرين"، ما أسس إبداعية النص النقديّ كما تراها؟

 

 لقد سَبَقَ لي أنْ كتبتُ شيئًا في هذا الشأن أجبتُ فيه عن سؤالك، ومن ضمن ما قلتُ فيه حول قراءتي للرواية هو أنّي أعْلَقُ بالنصّ الذي أقرَاُ، وأُقبِلُ عليه إقبالَ الرّاغِبِ، وأتفرّغُ له تفرُّغَ الرَّاهِبِ، حيث أُجيِّشُ كلَّ طاقاتي المعرفيةِ وأحوالي النفسية وأترحَّل إلى عالَمه المتخيَّل، أحُلُّ به، وأتشابكُ مع كائناته بجسدي ووعيي، أُذيبُه فيَّ ليُذيبَني هو فيه، ويُشِعُّ جسدي به ليخفقَ هو بحرارةِ جسدي. وفي رأيي أنّ قراءةَ الرواية مثلاً لن تبلُغَ غايتَها إلاّ متى تسلّح القارئُ بخيالٍ روائيٍّ، بخيالٍ مَرِنٍ وغيرِ حسابيٍّ. وإنه لا يُفيدُ الروايةَ كثيرًا خيالُ ناقدٍ مكتظٍّ بصدى مقولات السَّرد ونظرياته، خيالٌ "رَكيكُ البلاغةِ في وصفِ البلاغةِ" على حدِّ عبارة التوحيدي، لا يرى صاحبُه في الروايةِ إلا جثّةً تَقْبَل القسمةَ والقيسَ والانتهاك. وكلّ قارئ، في ظنّي، إنما هو شخصيةٌ من شخصيات الرواية التي يَقْرأُ، هو شخصيتُها المُتخيَّلةُ خارجَ اللغة، شخصيتُها التي تنتظر "خروج" تلك الرواية لتدخلَ إلى مَتْنِها، لتتحرّكَ فيها وتَجْعلَها تترحَّلُ من حَيِّزها الرمزيّ صوبَ أُفُقٍ واقعيٍّ. القارئُ هو الشخصيةُ التي لا يكتبها الروائيُّ، ولكنّه ينتظر منها أن تكتُبَ حياةَ روايته: أيْ أنْ تُنزِّلَها منازِلَ في الواقع أدبيةً (فنيّةً وقِيَميةً)، وهي منازلُ تحيا بها الروايةُ بين الناس وتُحيي مراغبَهم في الدفاع عن حقّهم في حياة جَذْلَى. وإذا أردتُ الاستفادة من خزائن استعارات الصوفيّين قلتُ: تظلّ الروايةُ في وَرَقِها عالَمًا حيًّا بالمجاز إلى أنْ تُقْرَأَ، وحينذاك تصيرُ بقارئِها عالَمًا حيًّا بالحقيقةِ. وعليه، فإنّي لا أُسمّي الروايةَ روايةً إلاّ متى قُرِئتْ، ومن ثَمَّ تكون القراءةُ عنصرًا من عناصِرِ تكوُّنِها، أو قُلْ: ليست القراءةُ إلاَّ مُنْتَهَى مَراحلِ تَكْوِينِ الروايةِ. إنّ قراءة الرواية حدثُ حُبٍّ يحتاجُ إلى مَديحٍ ناعِمٍ يسهِّلُ التحامَ جسديْ القارئ والرواية التحامًا لا مكانَ فيه لثالثٍ بينهما يمارس وظيفةَ المراقبة والزّجرِ والتوجيه. وفي خلال ذاك الالتحام تتكشّفُ منهما أحوالٌ، وتهيجُ بينهما مباهجُ ودَلالاتٌ لا تحتاج إلى تَكَلُّفِ نظرياتٍ ومناهجَ لتَأْوِيلِها وإنّما تحتاج إلى طَبْعٍ قرائيٍّ له خِطابٌ شخصيٌّ يستكشفُ به أدبيةَ المقروء (فنًّا وغايةً) ويكتبها بأدبٍ.


* بأي معنى تكون للنقد "كنائس"؟


 النقّاد العرب المدرسانيّون هم الذي شيّدوا كنائس النّقد العربي. فهم يستجلبون مقولات النقد الغربي ويُحوّلونها إلى كاتدرائيات يُجبرون نصوصَنا على الدخول إليها لتعترِفَ فيها بأخطائها وحتى بما لم ترتكبه من أخطاء بسبب ما منحوا لتلك المقولات من طُهريّة ورهبة وقداسة لم تتوفّر لها حتى في بيئتها الأصلية ذاتها. النقّاد العرب كائناتٌ مجروحةٌ بالعجز الذاتيِّ وذاتُ نزوعٍ تعذيبي وإجرامي استثني منهم نقّادًا برهنوا على انفتاحهم بالفعل النقدي على مناخات جديدة على غرار محمد العبّاس وحسن سرحان وممدوح النابي ونَفَرٍ آخرين.


* نعرف أنك من أكثر المطلعين على المنجز الإبداعي العربي في الرواية والقصة خصوصاً، تتابعه من قرب قراءة ونقداً، فمن خلال تجربتك القرائية، هل إن هناك ثورة حقيقية في مستوى النص الإبداعي السردي عربياً؟ أم إنها مجرد وفرة كمية لا غير؟


 لستُ مطَّلعًا على كلّ مُدوّنة السرد العربي الجديدة، ولكنّ ما أمكن لي قراءته منها يكشف عن حقيقةِ أنّنا نعيش اليوم ثورةً سرديّةً سمّاها الناقد السوداني مجذوب عيدروس "انفجارًا" سرديًّا. لدينا نصوصٌ كثيرةٌ، منها نصوصٌ مصنوعةٌ بلا روحٍ، ومنها نصوصٌ مطبوعةٌ بأرواح أصحابها، وعانقت الإبداعَ أسلوبًا وتخييلاً، أي حقّقت لها أدبيّةً عاليةً في مجال نوعِها. ويبدو أن مناخَنا العربيَّ الحضاريَّ الراهن مناخٌ نثريٌّ بامتيازٍ صورتُه صخبٌ وفوضى، وحيرةٌ وتفجُّعٌ، وتفكُّكُ واضمحلالٌ، وهو ما أراه قد حبّب إلى الناسِ الحكايةَ بوصفها خطَّ استهرابٍ هو نوعٌ من العلاج العُموميِّ الذي يُعيدُ بناءَ ما تفكّك من الجسد العربي بناءاتٍ فنية واعية بوقتها. لدينا كُتّابُ سَرْدٍ متميِّزون في مجالهم لا أستطيع أن أذكر كلَّ أسمائهم ولكني سأكتفي بالإشارة إلى أسماء تسعى إلى تجديد الجملة السردية على غرار ما يفعله كلّ من محمّد خضير ووحيد الطويلة وطالب الرفاعي وأنيس الرافعي ولؤي حمزة عبّاس وعيسى جابلي وهيثم حسين وآخرون كُثْرٌ.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.