}

الكاتبة آمنة الربيع: التداخل بين الاجتماعي والسياسي بات مربكاً

ختام السيد 1 ديسمبر 2016
الكاتبة والناقدة العُمانية الدكتورة آمنة الربيع من الأقلام النسائية القليلة في الساحة الخليجية، والعربية، التي انبرت إلى النقد وإلى كتابة النَّص المسرحي، بروح تثويرية لا تنزع إلى التصادم، بالقدر الذي تُحيل فيه النص إلى أسئلة تبحث عن إجابات تنويرية. 

صاحبة "البئر"، و"الذين على يمين الملك"، و"منتهى الحب، منتهى القسوة"، و"المحب والمحبوب، مدونة ديك الجن"، و"يوم الزينة"، تذهب بعيداً في سعيها إلى عالم تتمثلُ فيه الآخر. والآخر، هُنا، كما تراه هو أنا وأنت، والبعيد الذي يسكن آخر بقاع الأرض.

وتضيف الكاتبة أنّها ابنة الرّيف، وصنيعة المدينة. من ظفار إلى مسقط، رحلة كتابية وإبداعية تحاول فيها الولوج إلى مسرح يتجاوز ثيمات الصحراء، والخيمة، والأسطورة، والجبل، إلى خطاب مدينيّ عميق. فالمسرح ولد في المدن، وتشكّل كنتاج طبيعي لعلاقاتها المتداخلة. إلا أنها ترى مسرحها "العماني"، ما زال رهين اﻻشتغال على الذاكرة والموروث. بمعنى أن الصيغ الفنية والمضامين، التي يقدمها المسرح اليوم في عُمان، لم تعد تنتمي إلى الذاكرة والموروث بالمعنى الدقيق للتعبير، ولكنها ما زالت تنتمي إلى طريقة تفكيره وردات فعله.

تعود آمنة الربيع إلى الزمن بحسها النقدي، ليكون هو الفيصل في الحكم على المسيرة المسرحية في السلطنة، إذ تقول :"إذا قسمنا مسيرة المسرح في عُمان التي انطلقت مع النادي الأهلي خلال الأعوام 1967 - 1973، ثم انتقلنا مع البداية التأسيسية الفعليّة لمسرح الشباب عام 1980، وتقدمنا بعد ذلك إلى تشكيل الفرق الأهليّة المسرحية ثم المسرح الجامعي، سنلاحظ تجاور ثيمتين؛ الثيمة الأولى هي العَتاقة بما تمثله من الماضي واللهجات والأمثال، وثيمة الهجانة وتعني كل ما هو معاصر ويحمل لافتة المعاصرة والمدنيّة".

المدينة الخليجية مطحنة صامتة


وفي معرض ردها على سؤال المدينة المعاصرة، بما تفرضه من علاقات وصيغ وحساسيّات جديدة، وما تضعه أمام العين من مُشهيات ولذائذ؟ أجابت: "المدينة الحضارية بالمسرح العماني مدينة استهلاكية ومُستهلكة؛ تُعيد قضايا المسرح الخليجي ومشكلاته ولا تتجرأ على الخوض في ملفاته الشائكة".
وتضيف أنَّ هناك كثافةً سكانية ومقاهيَ ومولات تجارية وعائلات وقبائل وجامعات وشباباً يتدافع لبناء ذاته ومواطنته، ولكنَّ؛ هذا كله لا صوت عاليًا له.. يسيرُ عبر إيقاع هادئ بلا صخب، وهذا الشكل المستفز للمدينة ظل بعيداً عن النص المسرحي في عُمان.

وتؤكد التغيرات التي أحدثها ظهور النفط في مجتمعات الخليج، حيث خلق وجوده تبدلاً في التراتبية الاجتماعية، ومنح فهمًا طارئًا للعلاقات الديموغرافية على مستوى تركيب السكان، وتشكيل المواقف الشعبية تجاه بعض القضايا. كما زج بها - أي المدن - في أتون الرقابة "الأبوية"، والتي ما زالت ترفض، فكرة، أنَّ هذه المجتمعات أخذت تغادر عزلتها الصحراوية إلى فضاءات التمدن، في مدنٍ اتخذت شكل المطحنة الصامتة.


أكتب بوعي كامل


أحيانًا كثيرة تتماهى آمنة مع نصّها الإبداعي في لحظة تأملها العديد من الصور المركبة بعضها فوق بعض. وهذا ربما يعني في أحسن الأحوال أو أسوئها فكرة علاقة المبدع مع نفسه ومع ثقافته ومع مجتمعه. وفي سؤالنا عن تلك العلاقة أجابت: "لا تكون علاقتي دائماً متسقة، وإنّما مركبة تركيبًا صعبًا. عندما أكتب أتحاور بأسئلتي مع النص، فيخرج النص ليعبر عنّي، ولكنَّ، ما يُعبر عنه النصّ ليس كله آمنة الموجودة بالفعل. لذا وعند هذه النقطة بالذات، أَتَشَكلُ ونصيّ بصورة أخرى أو تمثيل آخر في ذهن المتلقي".


بهذا المعنى استعارت الكاتبة، تعبير الناقدة الحصيفة "جوليا كرستيفا"، "كأنني ونصي الإبداعي نتشكل كحلقات وقشور البصل". فكل نصّ يستند إلى ما قبله، وكل فكرة نصّ تكتبها، تقدحها فكرة لتقفز على أخرى، إما لتضيئها أو تزيحها أو تكتم على أنفاسها فتخمدها، أو أن الفكرة تتحرر بالانتقال عبر الشعور بديمومة الزمن، وبهذا المعنى، لا حدود للتماهي.

عنزة تعزف على قيثارة

ذات يوم خرجت الطفلة من حديقتها، مشت عبر السهوب البعيدة ولم تعد إلى الآن.. ظلت تبحث عن تلك الرؤيا التي أنبأتها بأنها ستظل طيلة العمر تلك "العنزة" ذات الأنف الصغير؛ والتي تعزف على قيثارة. متمثلة في حلمها لوحة علقتها على الجدار لـ"مارك شاغال"، كلما نَظرتْ إليها شعرت وكأنها تستعيد طفولتها، وشعورها، بأنَّ الكون يغلفه صوت خفي ونغم موسيقي ما.

وتضيف قائلة عن تلك المرحلة التي انقضت من العمر: "في طفولتي التي أستدعيها كلما جلست مع أمّي وجداتي، أُدهَشُ لأن الذين كانوا من حولي لم يلتفتوا للحظة خروجي إلى السهوب. لا شك في أنني كنت مختلفة. إذ لم تكن تستهويني دُمى البنات وألعابهن. أمّي وجداتي شاهدنَ اختلافي وتركنه يمضي ويكبر بخوف كبير عليَّ لكوني فتاة. وهذا في تقديري كان من محاسن أن أنصت لذلك الصوت بداخلي وألا ألتفت إلاّ لنداءاته".

وتضيف، بأنَّ في الطفولة لا يكفي أن يحميك النقاء والصدق والمساندة النفسية للآخرين. إنّها حقيقة حاضرة تتقدم معك في التجربة وفي لحظات الاختبار الصعبة. ثمة نزق عميق وأصيل اتجاه اكتشاف الوجود وهذا النزق هو ما يجعل الكتابة لدى المبدع حالة قلق دائمة.

وتكشف صاحبة "البئر" عن أنّها منذ الطفولة كانت تحاول القفز على جدران عالية، شكّلتها منظومة الحياة في حي الحُصن الظفاري، كجدار البيت، وجدار الحارة التي شكلتها، وجدار قصر "الحصن" العامر حيث يقيم السلطان، وجدران متداخلة برمزيتها مكونة من العادات والتقاليد والتحصينات الدينية في مدينة اسمها "صلالة".

في رحلة الاسترجاع هذه تتوقف آمنة لتطرح سؤالها الذاتي: "كيف لفتاة مثلها تكبر ولا تفكر بالجدران والقفز عليها وتحطيمها؟ لكن الإجابة كانت تأتي من الإنصات العميق لـ"جدتها الحكاءة"، التي بفضلها استطاعت "الصغيرة" أن تحلق بحلمها خارج الجدران، وهي تستمع بصحبتها إلى القصص، وتنصت لحكايات النجوم.. وكيف أنها أي – الجدة – حدثتها عن التراجيديا وعن بنات نعش.

لا تتوانى آمنة عن التأكيد أن الكتابة الإبداعية دائماً ما تشكل لها موقفاً من أشياء كثيرة. وبأن فعل الكتابة هو مخاتلة المجهول، أو كما قال الروائي والناقد أمبرتو إيكو بأن "الكتابة هي مشاغبة للموت". فالكتابة بالنسبة لها أشبه برحلة مغامرة تطمح من خلالها إلى أن يصل نصها الإبداعي إلى أبعد إنسان وأبعد مدينة في العالم. وفي لعبتها "الماكرة" هذه، تسعى إلى أن تُحيل إشاراتها، إلى خلق حالة من التفكير في الحياة والحب والصداقة.


لست متفائلة كثيراً

في معرض السؤال عن "الاختلاف"، نلاحظ في نص المحب المحبوب "المسرحي"، والذين على يمين الملك، والجسر، ومنتهى الحب منتهى القسوة ويوم الزّينة.. ارتقاء النص من ذاتية وخصوصية المكان، إلى فضاءات أرحب. كيف استطاعت هذه النصوص الإفلات من الإسقاطات المباشرة للمسرح السياسي؟

"حسنا أنتِ بدأت سؤالك من مسرحية المحب والمحبوب أو مدونة عشق ديك الجن وصولاً إلى ما تلاها من أعمال. وأنا أرى بأنَّ القضايا التي أطرحها، تتقاطع وتتشاكس مع ما يتهدّد الإنسان في الزمن المعاصر. ولأكون أكثر دقة، أرى أن التداخل بين الإنساني والاجتماعي والسياسي بات مربكاً. فلا يمكنني أن أتحدث عن الفقر من دون الرجوع إلى مسبباته، أو التصادم بين عاطفتين دون الاتكاء على محيطهما الحيوي. فالسياسة هُنا؛ حاضرة بقوة، إلا أنها غير مباشرة".

وعند سؤال: في نصوصك دائماً ما يلاحظ الناقد، نسبة عالية من العنف المادي والمعنوي؟ أجابت: "أنا أيضًا أضع سؤالي عن نفسي من منطقة الكتابة الإبداعية، وتماهي النصّ، وانتسابي للمعاصرة: ما الذي جعلني أتوقف عند العنف؟ ما النتيجة التي جعلتني أكتب تلك المسرحيات لأصل إلى هذه المرحلة من تجرع الألم، ونحن يُفترض بنا أننا نعيش ألْفيّة منفتحة على كل شيء؟ بماذا كنت أحتفي مع شخصياتي؟ لأجد أنّ انتمائي لثقافة العصر جاء على حساب شعوري الغامض بعدم قدرة الجذور والتراث أن يظلا صمام الأمان حتى النهاية. لا أعرف ما شكل تلك النهاية التي نمضي إليها، ولكنَّني لستُ متفائلة. وهذا القلق الكتابي ينساق إلى جميع الشخصيات التي أقوم بحياكة تفاصيلها".


ولدى سؤال آخر: "في الثقافة والنقد، كانت لك جُملة دراسات نقدية "تخصصية"، وكان آخرها كتاب "الرؤية السياسية للمسرح الخليجي، دراسة نصية"، وهو بالمناسبة كتاب نقدي، يبحث في الخصائص الإبداعية والدلالية للمسرح "الخليجي" وقد فاز الكتاب بجائزة الإبداع الثقافي لأفضل إصدار في مجال النقد لعام 2016 عن الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء. لماذا تم اختيار هذا المبحث، على الرغم من حداثة التجربة الخليجية في مجال المسرح، مقارنة بتأصله في دول عربية عرفت المسرح، وبات جزءًا من ثقافتها؟".

 
أجابت: "كان لا بد من التوقف أمام التجربة المسرحية الخليجية، والمسرح الخليجي هو عبارة عن تظاهرة ثقافية واجتماعية وسياسية لتجمع ثقافي مسرحي عربي، يجري تنظيمه بصفة دورية في إحدى دول مجلس التعاون الخليجي مرة كل سنتين في فصل الشتاء. وتنظمه ست دول؛ مملكة البحرين، الكويت، الإمارات، قطر، والسعودية، وعُمان. فقد احتل هذا المسرح منذ بداياته وصولاً إلى الوقت الراهن مكانة مميزة في المشهد المسرحي العربي كتابة وتمثيلاً وإخراجًا".

وتؤكد أنَّ تجربة المسرح الخليجي ومشاركاته المتتالية في المهرجانات المسرحية والثقافية العربية، أثبتَت حضورًا لافتًا. وبأنها سعت في بحثها النقدي، إلى كشف الخصائص العميقة، والتوجه الفكري والحساسية الفنيّة لدى الكتّاب المسرحيين المنتخبين لهذه الدراسة من الدول الست. ضمن منهج بحثي قائم على المنهج الاجتماعي في البنيوية التكوينية، المتمثلة في الفهم والشرح، التفسير، البنية الدالة، الرؤية للعالم، والوعي القائم والوعي الممكن، التي أرسى ركائزها الناقد لوسيان غولدمان (1913-1970)، إضافة إلى أنّها قدمت في هذا الكتاب تعريفا لمصطلحي التأويل والتبئير.

عندما تحاور آمنة الربيع لا بد لك من الإمساك على جمر الأسئلة. فلا جملة هنا ارتجالية أو مجانية في سياقاتها المكثفة. ولكن؛ وبالرغم من صرامة الأسئلة ووضوح الأجوبة، إلا أن آمنة تحمل روحاً مشاكسة ومنفتحة على الحب والحياة والسفر. 

إذ تؤكد أن فضاءاتها المثالية تتحقق أثناء السفر والترحال من مطار لآخر ومن مدينة لأخرى، وتضيف: "المقاهي تتيح لي التعرّف إلى الناس من الداخل، وزيارة المكتبات والمتاحف، تنقلني من فضاء البيت والوظيفة إلى اكتشافات ليست تراجيدية تمامًا. أقول هذا لأدلل على أن قضايا الكون والوجود والحريات، هي منتمية لكل العصور. كل ما نتعلمه ونشاهده ونحس به، هو نتاج طبيعي للحظة زمنية ما، نكثّفها لنحصل على فضاءات منفتحة نسميها الحياة".

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.