}

الصحافة الثقافيّة.. بين مطرقة السلطة وسندان التمويل؟ (3/3)

عماد الدين موسى 17 سبتمبر 2019
هنا/الآن الصحافة الثقافيّة.. بين مطرقة السلطة وسندان التمويل؟ (3/3)
مثقفون: لم تكن الثقافة يوما أولوية بالنسبة للأنظمة العربية
الثقافة فعل تجديد للحياة، تقوّي الشعور بالأمل، تدمجنا في إنسانيتنا فلا تتفكَّك عرى المودة والصداقة. وهي لمَّا صارت ثقافة صارت كنزاً للأفكار الإنسانية العقلانية.

وقد انتبهت الصحافة في العالم العربي إلى دور الثقافة هذا، فأفردت لها صفحات بدت خجولة في شكلها ومضمونها، ومن ثم خصَّصت لها مجلات دورية أسبوعية وشهرية، وتحولت هذه الصفحات إلى ميادين تتصارع فيها الأفكار والمعتقدات بين الموالاة والمعارضة، بين القديم والجديد، أو لنقل بين اليمين واليسار. وتحوَّل القلم إلى سيف، وصار السيف يجزُّ أفكاراً وأفكاراً، ونسي المتصارعون أنَّهم بذلك يقضون على الجمالي الفلسفي الذي في الثقافة. وتدخلت السياسة في الثقافة، وصارت تتسلبط عليها، فأنتجت موظفي ثقافة يجيّرون كل أفعالهم لصالح الاستعمال الاجتماعي للسلطة. وهذا أفرز مبدعين ومنتجين للثقافة مقابل مستهلكين صارت تجتذبهم هذه الصحافة، وصارت هناك مناطق حرام وأخرى حلال للأفكار. وهذا خلق حالة من الذعر والخوف بين المثقفين الحقيقيين الغيورين على عقل الأمة، وبين بلطجية الثقافة؛ بين المتن والهامش.
هل استطاعت الصحافة الثقافية أن تصنع حالة أفرزت إبداعاً متميزاً، فجعلتنا نستمتع كبشر بجمال المعرفة والثقافة ونشعر بأنَّ عقلنا ما يزال مُلكنا؟
سنحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال استطلاع آراء عدد من المبدعين العرب في هذا الملف الخاص الذي ننشر هنا الجزء الثالث والأخير منه.
وينبغي أن نؤكد أن ما يعبّر عنه هؤلاء المبدعون من آراء ومواقف لا تعبّر بالضرورة عن رأينا حيال موضوع هذا الملف، واخترنا أن نبقي ما قالوه على ما هو عليه عملاً بحرية النشر:

حسام أبو حامد (فلسطين): 
الثقافة في عالم رقمي
في مقابل انتعاش الصحافة الرقمية، بفضل التطور الهائل في وسائل التكنولوجيا والاتصال، تبدو أزمة الصحافة الورقية أزمة معولمة. بعض الصحف، عالميا، غادرت كليا المشهد الإعلامي، وبعضها استمر ورقيا، وأنشأت منصاتها الرقمية استجابة إلى رغبة قرائها، الذين يفضلون أزرار الكيبورد، وشاشات أجهزتهم المحمولة، على إشغال أصابعهم بتقليب الورق. بعضها الآخر تخلى عن نسخته الورقية المكلفة والمتعبة إلى النموذج الإلكتروني السهل والعملي.
لكن القراء لا يزالون يثقون بالصحافة الورقية، فبينت دراسة عنوانها: "المطبوع الورقي في عالم رقمي"، أجرتها مؤسسة تولونا الفرنسية، على عينة من 10700 قارئ، ينتمون إلى عشر دول ديمقراطية، أن 34% يطلّعون على الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأن 56% يثقون في الأخبار التي تتداولها الصحف الورقية، وأن 74% يرون في منصات التواصل الاجتماعي بيئة مناسبة لانتشار الأكاذيب.
التقارير السنوية لا تزال تشير إلى أن حرية الإعلام العالمي هي اليوم في أدنى مستوياتها، منذ مطلع الألفية الثالثة، لتحتل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المراتب الأولى على سلّم غياب الحريات الصحافية، لتنحسر فيها، بشدّة، الشرائح التي تتمتع بحرية الصحافة (تحقق تونس تقدما ملحوظا)، لا سيما في ظل التوترات الإقليمية، والحروب الأهلية، وتنامي قمع أنظمة الاستبداد، لتقف الحريات الصحافية عند سقف تزيين الوجه القبيح للسلطة، وتسويِقِ منجزاتِها الوهمية داخليا وخارجيا.
ومع كل التضييق والإكراه الذي عانت منه الصحف في الدول الديمقراطية، فإنها حافظت على صمودها كسلطة رابعة، موفّرة هوامش ونطاقات جديدة لحريتها، ولتمويل مستقل يعتمد على

دعم قرائها، وبقيت قادرة على صناعة الرأي العام وتوجيهه، أما عربيا، ومع تراجع الحريات، فقد انحسرت الصحافة الورقية بوتيرة أسرع، مع أن صحفا أنشأت منصاتها الرقمية، إلى جانب نسخها المطبوعة، فإن استمرار أنماط التفكير والعمل القديمة، وعدم قدرة إدارة تلك الصحف على تجاوز الإطار التقليدي الذي هيمن عليها لعقود، وإبداع طُرق وآليات جديدة في الكيف والمحتوى، تختصر الجهد والوقت والمال، أفقدها قراءها، وأعلنت إفلاسها. ومع تلاشيها ورقيا لم تستطع النهوض رقميا. ويبدو أن "الإعلام البديل"، عبر منصات التواصل الاجتماعي، أصبح حلا مفروضا يوفّر هامشا أكبر من الحرية، لكنه يواجه أزمة من طبيعة مختلفة، تتعلق بالمصداقية والمهنية، التي لا تتوافر غالبا في منصات "صحافة المواطن"، خصوصا في ظل الاستقطاب السياسي والمذهبي والمناطقي الحاد الذي انفجرت به المنطقة العربية.
في الثاني من سبتمبر/ أيلول العام 2014 انطلق في لندن العدد الأول من صحيفة "العربي الجديد" عن "فضاءات ميديا ليميتد"، المؤسسة الهادفة إلى الريادة في عالم الإنتاج الإعلامي، وإدارة وسائل الإعلام، وخدمات التواصل الاجتماعي، وانضمّت "العربي الجديد" إلى جانب أخواتها، من أدوات ومنابر ومحافل إعلامية، أقامتها تلك المؤسسة برأس مالها الخاص، في تجربة عربية فريدة تمثلت في كونها موقعا إلكترونيا صدرت عنه صحيفة ورقية، لا العكس، برؤية جديدة، كثيفة ومتنوعة ومنفتحة، موضوعية؛ حرصت على المصداقية والمهنية، ومنحازة؛ اصطفت إلى جانب الشعوب العربية في انتفاضاتها ضد الطغيان. وبعد تسييس الثقافي وتثقيف السياسي، وبحثا عن ضفة آمنة، يكون فيها الثقافي منطلقاً لأي نشاط إنساني، أطلقت "العربي الجديد" في الرابع من تشرين الأول/أكتوبر العام 2016 "ضفّة ثالثة" موقعا ثقافيا شاملا، يطمح لأن يكون منبراً لثقافة تنويرية تقدمية حداثية، يواكب المتغيرات السريعة في عالم اليوم. وتستقطب هذه الضفّة، وهي على أعتاب عامها الثالث، مزيدا من الجمهور، ومزيدا من الأقلام، دون أي كوتا، باستثناء كوتا التميّز كيفا ومحتوى، فارضة حضورها؛ جرأة في اختلافها، وتوازنا في رؤيتها، وجمالا وانفتاحا في جهود كادرها، ووفاء في تلقي قرائّها، ولذلك تستمر.

 

موسى حوامدة (الأردن): 
صناعة الثقافة
للأسف الشديد فإن صناعة الثقافة بشكل عام لدينا غير متوفرة، فلم تكن الثقافة أولوية في الأنظمة العربية إلا ما يخدم توجهات الأنظمة والأحزاب العربية والتنافس السطحي مع الأقطار الأخرى ولذلك لم تنشأ لدينا مؤسسات ثقافية وحضارية تأخذ على عاتقها فعل الثقافة وجعلها في المرتبة الأولى وليست تابعا ذليلا للسياسة.

لقد كانت تجارب خجولة وذات أغراض محددة تلك المشاريع الثقافية التي ظهرت خلال القرن العشرين، أما اليوم فنحن نشهد انقساما حاداً في المؤسسات الثقافية الموالية لهذا البلد وذاك البلد، وقد فعل مال النفط والغاز فعله في المشهد الثقافي، ونحن نرى اليوم الصراع السعودي القطري على المنابر الثقافية، وهناك التيار الثالث الموالي لإيران، ولم يبق في الساحة مشاريع ثقافية حرة أو غير موالية لأن هذه المشاريع ممولة ومدعومة بالكامل من الأنظمة.
بعض المحررين الثقافيين والشخصيات الإعلامية حصلت على منابر ومكتسبات ليس بسبب إبداعهم ولكن بسبب نفوذهم وتم فرض العديد من النماذج على الساحة وتغييب المواهب الحقيقية وصار الجمهور في عزلة عن الثقافة الجادة والحقيقية. لقد فرضت علينا الكثير من الأسماء ليس بسبب جودة الإبداع ولكن بفعل الضغط السياسي وتم تكريس أسماء بعينها ونماذج بعينها ولكل نموذج جوقة وتابعون مهمتهم الترويج والكتابة عن اسم محدد، حتى الجامعات صارت تتعاطى مع بعض الأسماء المحددة وترفض التجديد لأن الخراب وصل حتى للتعليم الجامعي العالي.
تمت السيطرة على الإعلام والصحافة الثقافية وحتى التعليمية وتم فرض نماذج كثيرة من التشويه في برامج استهلاكية مسلوقة وجوائز عجيبة، والتردي وصل إلى حالة من انزواء المبدع الحقيقي والعمل على مشروعه الخاص ضمن بعد فردي متواضع لا يملك مقومات التواصل والوصول للقارئ والجمهور المغيب والمستلب، وحتى وسائل التواصل الاجتماعي لم تكسر الأنماط السائدة بل كرستها ونشهد اليوم تراجعا حتى عن القرن العشرين ولم تظهر لدينا مشاريع ثقافية أصيلة وبعيدة عن السياسة ومصالح الأنظمة التي تبحث عن الموالاة ولا تعنيها الثقافة والإبداع.
حالة من التخريب والخراب لم تشهدها حتى سنوات الاستعمار وبعض الأنظمة المستبدة. لقد طغى النفط على كل شيء وضعف عدد المشتغلين بالثقافة أمام صعوبات الحياة والحاجة إلى دخل، وصار يعنيهم وصول موادهم ومقالاتهم إلى النشر للحصول على المكافآت مع ضرورة تبني آراء سياسية محددة وللأسف صار البعض يقبل من أجل لقمة العيش كما يقولون.
في غياب الحرية والعدالة صار المال هو السيد والمصلحة هي الهدف وليست الوسيلة وبتنا أمام حالات ثقافية مقزمة واتجاهات فرعية وغاب الإحساس بأهمية الثقافة والحضارة وانخفض البعد القيمي والأخلاقي لكل ما حولنا والنتيجة ما نرى من تشوهات وصلت الروح.

 

خلود الفلاح (ليبيا): 
إعدام الملاحق الثقافية
لا بد أن نتفق أن أي إصدار ورقي اليوم هو في خطر لا أعتقد بسبب منافسة المطبوعات الإلكترونية له فقط بل وأيضا بسبب تكاليفه المرتفعة فما بالك بمجلة ثقافية أو حتى ملحق ثقافي في جريدة؟. هذا الملحق مسكين يتم التخلي عنه دائما في المناسبات الوطنية والإعلانات التجارية. ثم أليس صدور حكم الإعدام بإيقاف ملحق "نوافذ" بجريدة المستقبل وملحق النهار الثقافي هو دليل فعلي على هذه الأزمة؟ ورغم كل التكهنات بموت الورقي بسبب تكاليف الطباعة والتوزيع وما إلى ذلك إلا أني لا أستطيع المقارنة بين الورقي والإلكتروني، كلاهما أستطيع القراءة خلاله.
كما أن الاتهام بأن الملحق الثقافي نخبوي مبرر قوي للمؤسسات الثقافية لتقليص صفحاته ومن ثم التوقف عن الصدور.

 

حمزة قناوي (مصر): 
الإقصاء والنبذ وتسفيه الآخر
إن الصحافة الثقافية باعتبارها كتابةً نَوعيةً مُتخصِصَةً لا تقتصرُ عَلى (الصحافة) فقط، ولا

تكتفِ بـ (الثقافة) فحسب، كانَ من الطبيعي أن تكون لها خصوصيتها، وأن تحمل رؤى مختلفةً لكُتَّابِها تجسد قضاياهم وأفكارهم وتوجهاتهم وأيضاً صراعاتهم ومواقفهم من الحياة، من هنا أتصورُ أنهُ لا يُمكِنُ أن تَكونَ هُناكَ صحافة ثقافية حقيقية بدون "اشتباكات" بين أفكار كُتّابِها، واستعراض وجهات النظر المختلفة لهم، وكل هذا طبيعيٌّ "وصحي" حتى الآن، غير أن الأمر يبدأ في اتخاذ مسارٍ خاطئ إذا لعبت التوجهات السياسية دوراً في "تموقع" هؤلاء الكُتّاب خلف متاريسِ المواقف المتشنجة، لأن الخلاف السياسي يُنهي من البداية أية محاولة مقاربة فكرية لقضية ثقافية، وإضافةً إلى أن السياسة والثقافة حقلان مختلفان تماماً في رأيي، يحاول الأول جمع البشر حول فكرةٍ وقيمةٍ فنيةٍ أو إبداعية والبحث عن العوامل المشتركة بينهم لتعميق تقاربهم الفكري والإنساني، بالرأي والصورة والمقطوعة الموسيقية والفلسفة، أما السياسة فعكس ذلك تماماً في خنادقها المتواجهة، وفي احتقانها الدائم.
اعتناق الأيديولوجيا واعتبارها القاطرة الموجّهة للمسار الثقافي خطأٌ فكريٌّ في الممارسة الثقافية، من هنا رأينا منابر الصحافة الثقافية محتشدةً بالخِلافاتِ والصدامات حد الإقصاء والنبذ وتسفيه الآخر وإلغائهِ، ونسف أي قاسمٍ جماليٍ وفلسفيٍ مشترك. والأمر بطبيعة الحال لا يخلو من "ثمن" يُدفع لهذه الخندقة، فهناك ممولون وسياسيون وصُنّاع إعلام ورجال أعمال وسياسة، كلهم يفرضون توجهات منابرهم وفق ما يدفعونه ويقدمونه من مكافآت ومنح. بالمناسبة.. ابحث عن الدولارات أيضاً في حشد المثقفين في مواجهة بعضهم بعضاً في ملاحق الثقافة (وخارجها).
 ووسط كل هذا الضجيج والصراع والمواجهات للأسف يُنسى جوهر وأساس فكرة "الثقافة" وأن هذه الملاحق الثقافية يُفترَض أنها أنشئت من أجل استعراض القضايا الفكرية ومتابعة أحدث الكتب وقراءة التاريخ الجمالي للأدب وإجراء حوارات يُفترض أنها تُقدِّمُ قيمةً حقيقيةً للقارئ، وتعزيز جماليات مشهدية الواقع الثقافي، وقد صارت المعارك على أشدها بين المعسكرات، ربما تكون هذه طبيعة عصر، فالزمن الذي نعيشه صار عنوانه الأساسي رفض الآخر والاشتباك مع أفكاره والرفض من أجل الرفض.. بما يُكرِس للسلبية والشقاق.   
إن انحراف الملاحق الثقافية عن وجهتها التي يفترض أن تمضي باتجاهها (تماماً كانحراف فكرة الممارسة الثقافية العربية إجمالاً في واقعٍ امتلأ بطالبي الجوائز وراغبي المنح وأصحاب الكتابة السريعة من أجل المكافآت ومتخصصي النقد المبتسر غير المنهجي أو العلمي والنقاد الذين أوهمونا بأنهم كبارٌ ثم تصاغروا أمام اللهاث خلف المناصب وأموال الجوائز المصطنعة والمتحزبين والمزيفين والمثقفين الملفقين)، أقول إن انحراف الملاحق الثقافية عن هدفها في ترسيخ قيم الفكر والفن وعرض الكتب القيمة، وابتكار محاور فكرية وفلسفية جمالية تلزم مناهج الأدب والاجتماع في استعراض موضوعات النقاش، ومخاطبة الآخر لالتقائه وإثارة القضايا الخلافية باتباع المنطق والتحليل الهادئ والمنهجي، ما هو إلا تفصيلة في مشهد كبير امتلأ بالفوضى والزيف.. آمل أن يتغير يوماً، وإن كان الأمل غير التوقع.

زينب عساف (لبنان): 
كل جيل سيجد صوته الفنّي
الصحافة الثقافية العربية ليست مختلفة عن تجربة الصحافة بشكل عام في العالم العربي، هذا السلاح الذي انتبهت له الأنظمة مبكراً وحاولت بكل قواها تكبيله وجعله جزءاً من منظومة البروباغندا.
ما حصل من موت للصفحات الثقافية الورقية كان متوقعاً فالزمن تغيّر والقارئ أيضاً، لكن هذا لا يعني موت الصحافة الثقافية بشكل عام فقد برزت مواقع جيدة خاصة في المرحلة الأخيرة بعد تخطي مرحلة "الحابل والنابل" بالنسبة للمواقع العربية.

تجربتي في الصحافة الثقافية كانت غنيّة من جريدة النهار حيث بدأت العمل أثناء دراستي الجامعية إلى مرحلة "الغاوون" المتميزة وفِي الأثناء إدارة الصفحة الثقافية لجريدة "أوان" الكويتية. عملي في النهار سمح لي بالتعرّف على الوسط الثقافي، كان نوعاً من الاستكشاف وتدريب الأدوات النقدية. بيروت في العام 2005 وحتى 2007 كانت تضج بالحانات والمناسبات الثقافية وكانت لا تزال محجّاً لمثقفي العالم العربي والمهجر، من خلال احتكاكنا كشبان بذلك الصخب ومراقبتنا لسير الأمور في الصفحات الثقافية من محسوبيات وحروب صغيرة، طرح عليّ ماهر شرف الدين فكرة أن نصدر جريدة شعرية وكانت فكرة "كاميكازية" وقتها بسبب عدم وجود أي دعم مادي أو تبنٍّ من أحد، هكذا نشأت "الغاوون" بجهود فردية جبّارة وصارت - كما أردناها- صوتاً للشعراء الشباب الذين أقفلت دونهم أبواب الصفحات الثقافية التقليدية. تبعتها دار "الغاوون" للنشر التي أخذت على عاتقها نشر أعمال صارت اليوم من الكلاسيكيات. طبعاً ولا ننسى مجلة "نقد" التي استعادت أعمال شعراء مكرّسين بدراسات رصينة ومتقنة. طبعاً لن تصدق حجم العمل الذي تطلبه مشروع مماثل وأترك لماهر شرف الدين أن يوثّق هذه المغامرات المجنونة التي أسست لجيل كامل من الأصوات الجديدة كما أزعم. لن أتحدث عن تجارب سابقة ولاحقة فأصحابها أولى بالحديث عنها، لكن أظن أن كل جيل سيجد صوته الفنّي بطريقة ما.

 

محمد جعفر (الجزائر): 
تكريس الخذلان
ارتبطت حركة التنوير العربية بالصحافة ارتباطا وثيقا، وفيها صيغت مفاهيم النهضة وتم التأسيس لها، وعبر صفحاتها تجلى معناها وتوطد، كما كانت الأداة الأكثر فاعلية في التأثير وإيصال المفاهيم الأكثر جرأة وراديكالية مثل قيم الحرية والعدالة والمساواة والهوية والاستقلال والمعاصرة والتجديد مستلهمة من تجارب الشعوب والدول المجاورة والغربية السباقة في مجال الارتقاء بالإنسان والإنسانية، وحين عمدت الأصوات الرجعية إلى محاربة النهضة وأسبابها، راهنت على قمع الصحافة وغلق الجرائد الوطنية والعربية والتضييق على من يتولون زمامها، وخلال هذا الصراع المحتدم في أحايين كثيرة دفعت الكثير من الأسماء حياتها، كما عرف آخرون القمع والسجون والمنفى ضريبة مؤكدة، حتى باتت وحدها المرادف الحقيقي والجدير بالنضال السياسي والاجتماعي والثقافي وبسمة المثقف صوت وضمير هذا النضال وهذه النهضة.
في السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم كانت الصحافة صوتا لكثير من المعارضين،

والذين لا يمكن الفصل بين توجهاتهم العقائدية وتطلعاتهم السياسية وما يقدمونه من أدب وفنون؛ ومع انهيار الشيوعية في موطنها الأصلي ضعف اليسار وشحت مصادر التموين، هكذا ضعفت الكثير من الأصوات وتبددت، خصوصا في ظل قيام مفاهيم جديدة لا تُعنى بالخلاص الجماعي، ولا تراهن إلا على الفرد في استقلاليته وتفرده، وظهر أن أسلوب الترضيات وشراء الذمم صار لغة دارجة وسهلة، حتى بالكاد صرنا نسمع بأصوات مبدعة مناوئة ومعارضة، ترفض كل مساومة، وتسكن الظل وتقوم على الهامش معلية من قيمها ومدافعة على مبادئها في إخلاص وثبات؛ ليزيد الطين بلّة بعد اكتساح السوشيال ميديا وتسيّد الإنترنت والتقنية والوسائط على اهتمام الشعوب، وقد تكون لها وحدها الفاعلية والقدرة على التأثير في جيل لم يدرك سواها، كما أسهمت في ضعف الصحافة وباتت الشيطان الأكبر الذي يتهددها كما لم يحصل في تاريخها كله، حتى أن صحفا عالمية وعربية ذات صيت وسمعة أبانت عن ضعفها أمام هذا المد وانتهت إلى الإفلاس والإقفال، وأما ما بقي منها فإنه يعمل على المقاومة لكن بأضعف الإيمان. هكذا غادرت أسماء ثقافية بارزة واجهات ثقافية مكرسة منذ عقود، وإن هاجر بعضها إلى منصات ثقافية جديدة تقوم على المال الخليجي وبدعم منه لتصير رهن سياساته وتوجهاته في الغالب الأعم، بما رهن قلمها وأضعف مصداقيتها وتأثيرها.
وإذ لا تزال بعض الصحف العربية تواجه المعضلات المتجددة بضخ دماء جديدة والبحث عن أسماء متجددة تكون كرافد ثقافي لها من خلال ما تنجزه وما تحوزه من اعتراف عربي ودولي، مقاومة وغير مستسلمة للهشاشة التي طغت وأصبحت سمة العصر، فإنها في الجزائر (أي الصحافة الثقافية) كرست الخذلان في حَرفيته. والمشكل أننا لا نكاد نجد صحافة تراهن وتدعم الأسماء الثقافية المستقلة أو تلك التي تمثل الصوت المعارض بعدما عرفت السلطة ومن خلال سياسة الإشهار المتحكمة بدواليبه كيف تخرس كل جريدة لا تنطق وفق ميولها وأهوائها، ناهيك عن سياسة المال الفاسد، حتى أن الملاحظ هو غياب شبه كلي للصحافة الثقافية، وهي وإن وجدت فإن من يقوم عليها بالكاد له علاقة بالإبداع والثقافة، كما أن الجريدة التي تزعم في كل مناسبة أنها الأكثر سحبا في الجزائر لا تتوفر على صفحة ثقافية بها، وهي وإن وجدت في أخرى بالكاد تمثل نجوم السينما والغناء. وأمام هذه المعضلة والخسارة الفادحة لا يجد كتاب الجزائر ومثقفوه اليوم واجهة تمثلهم وتحتضن همّهم متحسرين على سنوات المجد (سنوات السبعينات والتسعينات من القرن الماضي)، وهكذا ضاع كل جهد في الإهمال واللامبالاة، خصوصا وأنه من طبيعة المثقف الجدير باسمه الاشتغال في الظل وبعيدا عن الاستعراض والذي هو من طبيعة الميديا والوسائط الاجتماعية اليوم، ولتغدو الثقافة الجديرة باسمها في هذا البلد آخر كل شيء وأي شيء.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.