}

النقد العربي المعاصر.. ما بين قيم النقد والخطاب السائد(4/4)

ليندا نصار 10 أغسطس 2019
هنا/الآن النقد العربي المعاصر.. ما بين قيم النقد والخطاب السائد(4/4)
أفلاطون أخرج الشعراء من جمهوريته فأعادهم أرسطو إليها (Getty)
تفكيك الخطاب النقدي العربي اليوم بات أمراً محفوفاً بالمخاطر، بل صار أقرب ما يكون إلى حفر في بركان خامد قابل للاشتعال في أية لحظة، ولا سيما مع تزايد فلسفة براغماتية تسعى إلى جعله ما يسمى بالعمل المدر للدخل، وإلى بحث عن التخندق الاستراتيجي في سيرورات الثقافة العربية من أجل تحصين الاسم لا التجربة. هنا لا بد من التنبه إلى أن طرح الملف يأتي من ضرورات تسعى إلى التفكير في سؤال النقد بعيدا عن تلك المقولات الجاهزة التي عادة ما تعيد وتكرر ما هو سائد.
إن هاجس هذا الملف هو الوصول إلى بعض الرؤى التي من شأنها أن توضح الإرباكات التي عادة ما تتصف بها بعض الكتابات النقدية التي لا تميز بين النقد ودراسته ونقد النقد، وكذا بناء مقاربات تبني وعياً آخر يتيح إمكانات لجميع الحساسيات، سواء أكانت منتمية إلى الجامعة أو إلى خارجها، في تقييم الأعمال النقدية من داخل الجوائز أو من خارجها.
ونسعى في هذا الملف إلى محاولة تقريب القراء من وجهات النظر المختلفة لدى النقاد والأكاديميين والمنشغلين بسؤال النقد في العالم العربي، وذلك من أجل معرفة تمثلاتهم في ظل التحولات التي يعرفها المشهد الثقافي العربي من جهة، وطبيعة الخطاب النقدي السائد من جهة ثانية، وهذا المطلب يحتاج إلى التفكير في راهن العربي وضروراته القصوى، وإمكاناته في ضوء التحديات الجديدة التي يشهدها المجتمع العربي ومستويات التطوّر الحضاري وأشكال المحو، والوصول إلى رؤى يمكنها أن تكون بوصلة لتحصين النقد من أزماته المتعددة. فهناك عديد من المتتبعين يشيرون إلى دخول النقد العربي إلى غرفة العناية المركزة جراء المضايق التي فرضتها الفورة الإبداعية، وكانت سبباً في عدم قدرته على مواكبة التجارب والحساسيات، بل صارت بعض النصوص التي يغيبها النقد هي من تحظى بالقراءة العالية والتتويج في منصات عربية وعالمية. في المقابل نجد مشاريع نقدية عربية رائدة ولكنها تعد على الأصابع وتبقى وليدة اجتهاد فردي في غياب أو تغييب للمؤسسة الأكاديمية وفلسفة النقد باعتباره أداة لبناء ممكن آخر للمجتمعات العربية وتحصينها من الفكر الواحد.
يطرح هذا الملف أسئلة من قبيل: هل يمكننا الحديث اليوم عن خفوت للنقد العربي أو هو خفوت مرتبط بضرورات التسطيح والوعي المعلب؟ لماذا يغيّب النقد الأصوات الجادة؟ وهل هناك ضرورة له بالنسبة إلى المبدع؟ أليست هناك مسؤولية للناقد اليوم في ما يتعلق بالنزاهة الفكرية؟ وهل هناك أخلاقيات للنقد؟ ولماذا نجد الأسماء النقدية نفسها هي التي تتكرر في الندوات والجوائز؟ لماذا يتم تغييب الأصوات النقدية الجديدة؟ وهل هناك حدود فاصلة بين الدراسة الأكاديمية وبين النقد الأدبي؟
نتناول في الجزء الرابع والأخير من هذا الملفّ آراء كلّ من النقاد علي نسر، وسرجون كرم، ورضا عطيّة:


عليّ نسر: نحتاج إلى حريّة نقديّة
لا تسيّجها سلاسل أيديولوجية
على الرغم من أنّ النقد الأدبيّ ينتمي إلى ما يعرف بالأدب الوصفي؛ أي الأدب الذي لا موضوع له سوى الأدب الإبداعي الإنشائي إذ يليه من حيث الولادة، إلا أنّه، أي النقد، لم يتخلّ يوماً عن وجوده ودوره في مواكبة النصوص الإبداعية ومحاولة تطويرها وتصويب ما هو في حالة اعوجاج منها.
فمنذ أفلاطون شكّل الأدب الإبداعي مادّة للدراسات الوصفية، وعلى رأسها الدراسات النقدية، وإن كانت نظرية المحاكاة لأفلاطون أدبية نقدية من قبيل الصدفة، إذ حكم على الشعراء كظاهرة اجتماعية أكثر مما هم عليه من أدباء، محذّراً من دخولهم جمهوريته الفاضلة بحجّة أنهم يحاكون المحاكاة فيبتعدون من الحقيقة درجات، حتى جاء تلميذه أرسطو فحررهم وأنصفهم، إذ رأى الشعر لا ينقل ما هو كائن بقدر ما يمكن أن يكون. واستمرّ النقد مواكباً

لمسيرة الأدب الإنشائي، وكان له الكثير من الحضور الفعّال في غير محطّة تاريخية. فعلى صعيد الأدب العربيّ، نرى ملامح نقدية منذ الجاهلية، حيث تنافسُ الشعراء أمام الحكّام، وإن لم تصل هذه البذور النقدية إلى مرحلة النظرية بل ظلّت أقرب إلى الانطباعات حتى القرن الخامس للهجرة تقريباً.
لكنّ اللافت عبر مشوار النقد هذا، غربيّا منذ أفلاطون، وعربيّاً منذ الجاهلية مروراً بالإسلام ثمّ بالدولتين الأموية والعباسية وصولاً إلى اليوم، أنّ الأدوات التشريحية لجسد النصّ الأدبيّ غالباً ما تكون خارجيّة، وفق معايير وقيم حياتية، بعيدة عن الحكم الجمالي الفنيّ، إذ تُقبل النصوص التي تحاكي الأعراف السائدة نظراً إلى اقترابها من الحقّ، وترفض النصوص التي تخترق جدار المألوف بحجّة ابتعادها عن الحق، ما يجعلنا أمام حكم نقدي أيديولوجي لا يخلو من يد السلطة والحكم أحياناً كثيرة، ما جعل الأدب الإبداعي مقيّداً في مراحل عدّة بنظريّات هي أقرب إلى القوالب الجاهزة التي تتلف ذاتيّة الأديب وتروّج ليد الجماعة العامّة، ولصوت الأصمعي العالي في القرن الثاني للهجرة صدى لمّا يزل يتردّد في أرجاء العملية الأدبية، حين طلب أن ترفع أيادي الدين والأخلاق عن الشعر لتعود له فنيّته التي كانت عليه في العصر الجاهلي، أي قبل تقييده بالطرح الإسلامي ومحاسبته من خلال اقترابه أو ابتعاده منه. وليس هناك ما  يعبّر عن خروج النقد على آلياته الفنية، أكثر من نظرية عمود الشعر التي تحكّمت بالشعر العربيّ قروناً، معتمدة على أحكام خارجية حياتية أكثر من الأحكام على ما يدور في النص، ولم يخلخل ثوابتها ما نبت على ضفافها من نظريات معارضة بل زادتها رسوخاً، حتّى بدأت بالتصدّع على أيادي الشعراء الذين تمرّدوا عليها واخترقوا جدرانها، وإن اتّهموا بأنهم مشاغبون خرجوا على أصول الشعر أمثال بشّار وأبي نواس وأبي تمام والمتنبي، وغيرهم ممن تعامل معهم النقد أيديولوجياً انطلاقاً من التعصّب للقدماء الأوائل ورفضه ما جاء به هؤلاء مما هو غير مألوف من صور ومعانٍ ودلالات.
وهكذا، فإنّ ما نحتاج إليه اليوم، هو النقد الذي له الحقّ في إعطاء النصوص الأدبية النابتة كالفطر البري في البراري، هويتها الفنيّة، إذ إنّ دراسة النصوص بعيداً عن الدراسة الجمالية كـ(النفسية والاجتماعية والتاريخية...)، رغم أهميتها، غير قادرة على إظهار مواطن الجمال والضعف في النص. بل نحتاج إلى حريّة نقديّة لا تسيّجها سلاسل أيديولوجية فتحدّ من عملها، ما يجعل النقد محصوراً، كما هي حاله اليوم، في صفحات أسماء معينين، وكأنّ النقاد الجدد يحتاجون إلى تصاريح منهم لكي يكون عملهم النقديّ مقبولاً، حتى غدونا أمام عقدة اسمها: الأقدم هو الأعلم، متناسين أن الجديد يمكن أن يكون ذا علم وذخيرة معرفية أكثر اتّساعاً مما يحمله من علوم الأوائل السابقين والعلوم الحالية التي ربّما لم تتوفّر لهم.


سرجون كرم: العلاقة بين الشاعر والناقد لم
تكن في القرون الماضية علاقة ودّية
إنّ السؤال المطروح حول النقد الأدبيّ ليس مقتصراً على العالم العربيّ فقط. فهذا السؤال يُطرح أيضاً في البلاد الغربيّة وليس هناك من دراسات حتّى الآن عالجته بطريقة أكاديميّة. وتبقى الإجابة عنه على صفحات المجلات والجرائد.
لتقريب الموضوع أكثر في ما يختصّ بالعالم العربيّ تجدر الإشارة إلى أنّ النقد الأدبيّ ونقد النقد الأدبيّ يسيران إلى جانب بعضهما البعض منذ نشوء هذا الفنّ الذي يعالج هذه النصوص مدحاً أو ذمّاً أو عرضاً أو تعليقاً أو إشارة أو إعلاناً له. والعلاقة بين الشاعر والناقد لم تكن في القرون الماضية علاقة ودّية حتى في العالم الغربيّ. ولعلّ صرخة شاعر ألمانيا يوهان فولفانغ فون غوته (1749-1832): "اقتلوا هذا الكلب! إنّه ناقد" تبيّن أيّة قيمة كانت للناقد الأدبيّ لدى الشاعر، لدرجة أنّ أدباء كثيرين تطرّقوا إلى موضوع الناقد ووصفوه بالإنسان الفاشل في الحياة الذي لم يحقّق أيّ نجاح في دراسته يتيح له القيام بعمل آخر.
وقبل التطرّق إلى ما يكتب من شعر حاليّاً في العالم العربيّ ونقده الأدبيّ، سأستند إلى نقطة في التجربة الأوروبيّة تقرّب الفكرة أكثر. إنّ النقد الأدبيّ الحديث في أوروبا نشأ في عصر التنوير، وكانت غايته إلغاء صورة الدين للعالم لتحلّ مكانها صورة علميّة قواعدها عصر الآلة وصعود البرجوازيّة وتكوين خطاب اجتماعيّ يشترك فيه أكبر عدد ممكن من الناس. فالنقد إذاً كان له خلفيّة وهدف موجَّهان. وإذا عدنا إلى الشعر العربيّ الكلاسيكيّ ونظريّات النقد الأدبيّ فيه من قدامة بن جعفر وغيره وإلى موضوع المعلّقات والشعراء ذاتهم الذين درسناهم في

المدارس والجامعات، نشعر أنّ المجتمع العربيّ سبق الأوروبيّ في نقده الأدبيّ من خلال اختياره للشعراء وتطويبهم. فلربّما كانت هناك قصائد أجمل من قصائد المعلّقات، ولربّما كان هناك شعراء أفضل من الشعراء الذين فرضتهم سيرورة النقد الأدبيّ علينا لأنّ الذائقة الأدبيّة والاجتماعية في تلك العصور كانت تستسيغ النوع الشعريّ واللغة التي كتبوا فيها.
أمّا بالنسبة إلى يومنا هذا فإنّنا نشهد في العالم عصراً مختلف القواعد عن العصور السابقة، خصوصاً في ما يتعلّق بالشعر. فمن جهةٍ بلغ الكمّ الشعريّ في العالم العربيّ مرحلة مبالغاً فيها جدّاً وذلك بعد تحرّر القصيدة من ضوابطها اللغويّة وضوابط الذائقة الاجتماعيّة والوعي الجمعي وضمور الهدف الفني واستغلال الكثيرين لكاريزما لقب "شاعر" في العالم العربيّ. فكلّ من يكتب خاطرة يمكن أن يطلق على نفسه لقب شاعر أو يحصل عليه من محيطه. ومن جهة أخرى – وهذه مشكلة عالميّة وليست محصورة في العالم العربيّ – فإنّ العدد الهائل من الكتب المطروحة في الأسواق ألغى المسافة المفترضة والتي كانت قائمة بين الفنّ والاقتصاد. بالإضافة إلى أن حلول عالم الميديا وتسابق الشعراء أو من يكتبون الشعر أو من يدّعون كتابته على عرض نصوصهم على مواقع التواصل الاجتماعيّ وانحسار نقد العلميّين والأكاديميّين الأدبيّ عليها أمام هذه المواقع التي يديرها أفراد أو مجموعات تدرك سطوة عالم الميديا، حطّم مقاييس النقد الأدبيّ لا بل إنّه أعلن نهاية النقد الأدبيّ كأسلوب وجعل كلّ رأي حتى لأدباء أو أكاديميّين أو شعراء يقابل بالسخريّة أو الاستهزاء أو اللامبالاة. ومن له اطّلاع على طبيعة النشر في الصفحات الأدبيّة يدرك تماماً أنّ عمليّة نشر النصوص الشعريّة في العالم العربيّ أو نقدها الأدبيّ المنحصر في الإضاءة عليها ومدحها خاضعان بشكل جازم لاعتبارات وعلاقات شخصيّة أو سياسيّة أو حزبيّة أو اجتماعيّة (ويجب أن لا نخجل من الإشارة إلى لعبّة الذكر والأنثى في هذا الموضوع).
هناك من يقول إنّ النقد الأدبيّ ليس مادّة يمكن أن ندرسها في الجامعة وليست خاضعة لعامل موضوعيّ بل مرتبطة بشخصيّة الناقد وذائقته وعواطفه، ومع ذلك ما ينقص الكثير من الشعر العربيّ الجديد هو الإطار والإبداع والبعد الإنسانيّ. شخصيّاً أتعامل مع الشعر العربيّ الجديد من باب دراسة الظاهرة الاجتماعيّة ولكن إن قارنته بالشعر العالميّ فلا يوجد في كثيره أيّة مقوّمات.
في نهاية الكلام استعير عبارة الأديب السويسريّ فريدريش دورنمات (1921-1990) من ترجمة المترجم سمير جريس لأختصر كل ما تقدّم. يقول دورنمات: "ليس المهم أن تحصل على درجة جيدة من مؤرخي الأدب؛ فكم من الكُتّاب حصلوا على درجات جيدة، وكم من الجوائز مُنِحت إلى هراء مكتوب".


رضا عطية: كناقد أتعرض
أحياناً للابتزاز من البعض
بداية علينا الاعتراف بأنّ ثمة موجات من أجيال متفاوتة المستويات في النقد كما في الإبداع؛ فالأدب العربي لم يعوّض نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، إذ يبدو محفوظ متفوقاً على من أتوا بعده من كتُّاب الرواية العربية، فهو مؤسس رئيسي للفن الروائي وهو المطوِّر الأهم والأبرز للرواية والسرد العربي، بما قدمه من الواقعية السحرية المستثمرة للثيمات التراثية كما في روايته المدهشة "ليالي ألف ليلة"، وهو الذي قدم لنا الكتابة عبر النوعية  في نصوصه الفارقة "أصداء السيرة" و"أحلام فترة النقاهة"، كذلك في النقد بعد جيل من العظماء ظهر في السبعينيات أمثال جورج طرابيشي وعبد الفتاح كليطو الناقدين والمفكرين، وصلاح فضل الذي نقل لنا عدداً من المناهج الغربية كالبنيوية وعلم النص وبلاغة الخطاب، وآخرين مثل محمد برادة والغذامي وكمال أبو ديب، حدثت فجوة كبيرة ربما بسبب تراجع البعثات العلمية إلى الغرب وأيضاً انحسار الأفق التنويري في بعض البلدان العربية، في مقابل زحف الأصولية الفكرية مع تصاعد موجات الأصولية الدينية.
هناك مشكلات للنقد تتمثل في فقدان القدرة على التمييز بين أقدار المبدعين، إذ ذهب أغلب المشتغلين بالنقد في الانسياق وراء فريقين: أحدهما يكتب كتابات مدرسية تعيد إنتاج ما كتب عن المبدعين الكلاسيكيين، بترديد نفس الأفكار وإعادة نفس المقولات التي رسخت عنهم، كما في مئات الأطروحات الأكاديمية عن أسماء بعينها كالمتنبي وابن زيدون وأبي تمام والشعر العباسي والشعر الأندلسي، أما الفريق الآخر فأخذ ينساق في الترويج لعدد كبير من الكتابات الجديدة بدعوى دعم الجديد، ولكن دعم الإبداع الجديد لا يعني الاستسهال أو تقديم الكتابات الضعيفة. أحياناً كناقد أتعرض للابتزاز من البعض: لماذا لا تكتب عن عدد أكبر من المبدعين الشبان؟ فأرد بأن طبيعة قانون الانتخاب الطبيعي تعني الفرز، فليست كل الكتابات الجديدة صالحة للبقاء وجديرة بالاستمرارية، وطبيعي وصحي جداً أن يمارس الإبداع كثيرون وأن تبقى منهم القلة القليلة... فماذا بقي من شعرائنا في الخمسينيات بمصر؟ هل من أحد غير العظيمين صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي؟ في العراق مثلا كانت في الستينيات جماعة كركوك، ولكن هل يمكن أن يكون قدر جان دامو أو مؤيد الراوي كقدر سركون بولص؟ بالتأكيد لا... بصراحة من عيوبنا أننا كثيراً ما نجامل بدعوى أن "كلهم حلوين" أو أن هناك تجارب كثيرة جميلة والواقع أن الزمن لا يبقي معظمها. وبمناسبة سركون بولص، هذا المبدع الذي سعدت بأن يكون موضوع أول كتاب نقدي والوحيد الذي يتناول تجربته الشعرية، فمع تزايد معدلات مقروئيته بعد رحيله بأكثر من أحد عشر عاماً نجدنا إزاء حالة مختلفة من الإبداع الطليعي والكتابة المتجاوزة التي لم يتناولها النقد إلا في وقت متأخر بسبب تكرارية الخطابات النقدية ووقوعها في آثار التكريس لجيل مؤسس من شعراء قصيدة النثر مثل الماغوط وأنسي الحاج من ناحية، وعدم قدرة النقد على مواكبة الطفرة التي جاء بها جيل سركون بولص ووديع سعادة من ناحية أخرى، فتوقفت معظم الجهود النقدية عند الجيل الأول من شعراء قصيدة النثر.
هناك من الممارسات ما يسيء إلى نزاهة النقد تتمثل في ما يقيمه البعض من جبهات أو سعي البعض لاستقطاب "عصب" من المبدعين، وما حدث في جائزة البوكر العربية والعالمية دليل

على ذلك، فما معنى أن تصر لجنة تحكيم البوكر العربية على تقديم رواية بعينيها للمسابقة مع اختيارها لقائمة طويلة وأخرى قصيرة ثم تفويز الرواية التي أصرت اللجنة على إدخالها، مما أفقد تلك اللجنة مصداقيتها، وبدا الأمر كأنه تمثيلية. في المقابل فإن الفوز المدوي لرواية العمانية جوخة الحارثي "سيدات القمر" بجائزة البوكر العالمية، تلك الرواية الصادرة من 2010، قد وضع الخطاب النقدي العربي موضع تساؤل: لماذا لم تتوجه الكتابات النقدية العربية سوى القليل جدا منها نحو كتابة جوخة فقط مع فوزها بجائزة قابوس، ولماذا لم تصل روايتها لأي من قوائم البوكر العربية؟!
بالنسبة لضرورة النقد حيال للمبدع، أرى أن عليه أن يقدم للمبدعين والقراء أفقاً للكتابة المتجاوزة والإبداع الطليعي، كذلك أن يدق نواقيس الخطر في حالة الاستشعار بتراجع ما، وإذا كنا في مصر أخذنا نشكو مؤخراً من تراجع حاد للدراما المصرية وكأننا قد فوجئنا به، فإنني قد لمست مع عدد من الزملاء النقاد تراجعا في المستوى العام للرواية المصرية، في الوقت الذي ذهب فيه بعض الروائيين إلى التقليل من شأن رواية "سيدات القمر"، وأظن ذلك بدافع الغيرة. نرى مئات النصوص الروائية ولكن قدرتها على البقاء الزمني والانتشار خارج الحدود ضعيفة للغاية، وألاحظ أن نسبة غير قليلة من كتاب الرواية يعمدون إلى كتابة "مطولات" روائية، فأصبحت الرواية الطويلة موضة فنجد أنّ أغلب هذه النصوص يراهن على "الكم" وتضخم حجم الرواية فيقع في فخ الاستطرادات والثرثرة المجانية، كما أن البعض الآخر يراهن على "الكتابة" الغرائبية لأنها لا تضع حدوداً لمنطقية السرد، فيصبح كل ما يقوله السرد غير واقع تحت طائلة المساءلة المنطقية، كما نجد أن الكثيرين ممن حاولوا الولوج إلى الشعر عبر بوابة قصيدة النثر يتخذون كتابة اليومي والمعيش مطية طيعة لكتابة تستسهل الوسائل والغايات التعبيرية، وهو ما أفقد معظم هذه الكتابات جدارة البقاء أو التأثير.
أخيراً، النقد الأدبي يختلف عن الدراسة الأكاديمية، نعم هو ينطلق منها، إذ يحصل الناقد معارفه الأولى عبر الدراسة الأكاديمية، لكن لا شك أن ثمة وعياً نقديّاً وذائقة نقدية وأفقاً ثقافياً لا بد أن يمتلكها الناقد الأدبي في ممارسته.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.