}

الثقافة العربية المعاصرة وثنائية المثقف والسياسي (4/ 4)

أشرف الحساني 16 يوليو 2019
هنا/الآن الثقافة العربية المعاصرة وثنائية المثقف والسياسي (4/ 4)
(Getty)
إشكالية الثقافي/المثقف والسياسيّ/السياسة فكرة خامرت العرب منذ مطالع القرن التاسع عشر، فنشأت حولها عمارة معرفية دشنها وأسس لمسارها الفكري مثقفون فطاحل، ثم خاضت فيها أجيال عديدة صراعات فكرية متباينة، بين من تمجد من قيمة الرأس المال الرمزي الثقافي على حساب السياسي والعكس أيضا، كما اختلفت طروحات ومنطلقات هذا التصور حسب كل مرحلة من مراحل التاريخ العربي. ومع ذلك ظلت ثنائية "الثقافي والسياسي" من الثنائيات الفكرية الكلاسيكية، التي ما تزال تستحوذ على الفكر العربي المعاصر في السنوات القليلة الماضية، خاصة بعد الفوران، الذي شهدته المنطقة العربية، فيما سمي داخل بعض الأدبيات الصحافية بالربيع العربي، أو الربيع الديمقراطي، حسب بعض الجهات الأخرى، التي تراءى لها الانفلات من هذه التسمية، التي يخيل إليها أنها قد تخل من كرامتها وتحرجها أمام الرأي العام الدولي وأمام التاريخ حسب زعمها، لذلك لم تتوقف عن تصويب متاريسها الفكرية الدعوية صوب هذه التسمية الجريحة، التي كشفت استبدادية أنظمتنا السياسية وعرت عورتنا الثقافية وبنياتنا الاجتماعية بفقرها وجهلها وعجزها المميت عن محاكاة حركات التحرر الشعبية، التي شهدتها بعض الدول منذ مطالع القرن العشرين.
في هذا الملف الخاص تعيد "ضفة ثالثة" ترميم بعض شروخ الذات ومزالقها من خلال محاولة إعادة طرح موضوع تبعية الثقافي للسياسي للنقاش ومساءلته بمعية عدد من الشعراء والنقاد والباحثين والكتاب العرب على اختلاف مشاربهم الكتابية والبحثية، لا للضغط على الجرح، وإنما لإعادة بناء تصورات هذه الثنائية المستعصية على الفهم داخل الثقافة العربية المعاصرة، ونقد أزعوماتها وأغاليطها وتشخيص بعض أعطابها مع اقتراح حلول ناجعة للرقي بها.
هنا الجزء الرابع والأخير منه:

ميس الريم قرفول، شاعرة وباحثة سورية:
دور المثقف هو البحث عن شرعية الفعل السياسي
إذا اتفقنا أولاً على تحديد معنى المثقف، على الأقل في إطار هذه العلاقة التي تشكل جوهر السؤال المطروح {علاقة السياسي بالمثقف من ناحية تبعية هذا الأخير له}، فإن مفهوم المثقف الواسع التعريف ينحصر في إطار ثنائية تضاد محددة وهي: مخالفة/ تبعية المثقف للسياسي. لكن ما هي الظروف الموضوعية أو الذاتية التي قد تدفع المثقف لمخالفة/ معارضة السياسي؟ هل في الأصل دور المثقف هو حقاً حيال السياسي أم حيال المجتمع وما يخالجه من خلل أو نمو في بقعة ما من نبضه حتى يرافقها ويحاول رعايتها بما يملكه من معارف وبما يقدر عليه من رؤية وبناء نظريات ترافق الفعل أو توجهه؟
الخلل إذاً في التبعية هو في تحوير دور المثقف من فاعل، مراقب، متوجس، إلى مجرد أداة تابعة لأسباب ذاتية تتعلق ببسيكولوجيا هذا المثقف {خوف، رغبة الاعتماد على مصدر نفوذ مادي أو سلطوي، دوافع مغلوطة وسطحية أي تتعارض مع جوهر الثقافة أصلا}، أو بالظرف الخاص للمكان/ الزمان الذي يدفع المثقفين إلى الالتزام بالنهج المرسوم مسبقاً ويدحض أي فرصة للنقد أو الشك بما هو سياسي، وبالنتيجة بما هو اجتماعي واقتصادي ومؤسساتي... بما يخالف ذلك يضطر المثقف المتنور والخائف من بطش النظم التي لا تمنح مثقفيها هذا الحيز، إلى العمل بحذر من مكان مدروس يعيه ويعي أهمية ما يفعله بهدف تأصيل ووضع ما يراه

حيز الفائدة والدراسة، في بيئة مهزومة بمسببين: تخلفها فكرياً، والضغط السياسي للنظام الحاكم المانع لتقدمها بغية الحفاظ على منافعه المكتسبة من السلطة. إذا كانت التبعية فعلاً سلبياً، حسب ما أرى بخصوص مسؤولية المثقف، فهل الانتماء السياسي هو كذلك؟ بمعنى أن ينتمي مثقف إلى تيار سياسي معين سواء كان في السلطة أو لا. لا أعتقد، المهم أن يبقى الفعل الثقافي متيقظاً للأخطاء والمطبات التي يمكن أن ترتكب باسم السياسة، والتي توصف غالباً ببراغمتيتها.
أعتقد أن دور المثقف هو البحث الدائم عن شرعية الفعل السياسي بما يملكه من قدرة على التحليل والنقد، بما يملكه من نظرة عمومية تاريخية أبعد من مستوى زمان ومكان ومصلحة ضيقة. السياسة هي المصلحة الضيقة لزمان ومكان ما. مسألة الظرف الطارئ تضع المثقف أمام مسألة جديدة. هذا البعد قد يكون خطيراً تجاه الأزمة التي تتطلب تدخلاً أسرع من آلية التنظير المثالي؟ مثلاً حالياً في سورية كثير من المثقفين كانوا بعيدين جدا بطوباويتهم ونظرتهم الشمولية والمثالية بما فصلهم عن الواقع، بالمقابل، آخرون لم يستطيعوا تنحية الجانب البراغماتي للسياسي في وارد تنظيرهم التبريري لأفعال قد يحكم عليها التاريخ بعدم شرعيتها أو بُعدها الضيق والانفعالي. كشاعرة، وليس كل شاعر مثقف، مسألة تبعية الشعر للسياسي تنطوي على الكثير من البسيكولوجيا غير البسيطة أصلاً للشاعر، وإذا استطعنا أن نبرر للمتنبي مثلاً تبعيته لسيف الدولة الحمداني فمن الصعب بمكان أن نتقبل هذا الآن، فهي كانت تبعية إنسانية للسياسي وليست سياسية، ولا أدري ما السبب في أن شعر المديح سابقاً كان يصل إلى مرحلة من الفلسفة الفكرية والشعرية العالية التي من الصعب إيجادها حالياً. هل الأمر يتعلق بالشعر نفسه وتطوره وتطور مفهومه بتأثره بحركات متعددة {تحرر، ثورات، نزعات وجودية...}، أم يتعلق بتطور المجتمع ككل والسياسة خاصة؟. للشاعر عموماً أن يعيش اعتقاداته السياسية كما يريد ويدافع عنها من موقعه كمثقف منسجم مع قضايا مجتمعه، بل يكاد يكون واجباً يجوز تلبيته بطريقة أو بأخرى، لكن عليه أن يحذر داخل نصه من الوقوع في مطب الانفعال السياسي التي تزدحم به كرّاسات الأحزاب. الشاعر الجميل هو الذي ينقل السياسة للشعر ويروضها لتغدو أقل قسوة وجفافاً. الشاعر السياسي هو الذي يحاول الدفاع عن حريته ضمن واقع سيء سياسياً يحتك به بشكل مباشر وذلك بفكرته وكلمته ونظرته، في هذه الحالة قد يكون رسم القصيدة عبر الاستعارات والتراكيب التجميلية أمراً عبثياً، أي هو لا يملك الخيار. بكل الأحوال كلاهما ممكن ولا يخرج عن نطاق الشعر بعلاقته بالسياسي طالما أن الرسالة واضحة وواعية.

نبيل منصر، شاعر مغربي:
المثقف النقدي يُزعج ولا يُروَّض
ترتهن السياسة بالتخطيط والتدبير الحكومي من أجل تغيير الواقع وتجويد شروط العيش بالنسبة للإنسان، في ظل برامج اقتصادية واجتماعية تروم تحقيق التقدم والتنمية وتقليص الفوارق الاجتماعية، بينما الثقافة يرتبط رهانها أكثر بمجال القيم والأفكار وبناء الذات والإنسان ونقد شروط الواقع وابتكار الأمل، ضمن علاقات واعية ومتفتحة بالتراث والهوية والحاضر ورهانات المستقبل. هذا التصور الأولي لكل من المجالين يُوحي بالفروق المبدئية بينهما. فالسياسة تتجه غالبا نحو الحاضر وترتبط رهاناتها ببرامج قريبة أو متوسطة المدى، أما الثقافة فتنخرط في أسئلة استراتيجية تروم التأثير في الذوق وتغيير الذهنيات والمفاهيم والتصورات. قد تكون الثقافة جزءاً من السياسة الحكومية، لكنها ضمن هذا المستوى تفتقر إلى التصور النقدي

وتعمل ضمن رهان استقرار البنيات والمؤسسات الظافرة والمُهيمِنة.
ربما قد تفيد الثقافة، بمعناها المؤسساتي الحكومي، في التعبئة العامة وتوسيع دائرة المشاركة الثقافية والاستفادة من الرأسمال الرمزي، خاصة إذا كانت هذه السياسة تستند إلى رؤية حديثة ومُتبصرة، لا تروم التدجين وإنما ترسيخ الوعي وشروط التحرر والبناء المجتمعي والانساني. هذا التصوُّر لِلأسف هامشي في الثقافة المؤسساتية العربية، ويَبقى مُخترَقا، في العُمق، برؤية توظيفية تجعل من الثقافة ديكورا حداثيا، ولافتة دعائية، وأريكة ناعمة للإغراء، وإسفنجة لِلامتصاص والتدجين والترويض لإفراغ الفعل الثقافي من جذريته النقدية. ينفصل المثقف النقدي بوعي عن هذا التصور الذي يُحوِّل الثقافة إلى محارة فارغة، مُنفصِلة عن السياقات الاجتماعية والفكرية والتاريخية الحارقة.
للمثقف النقدي رأي سياسي، ضمن فضاء المجتمع المدني الذي يعمل هو نفسه على إنضاجه وترسيخه ونقده بوصفه مُختبرا للفكر والعمل والالتزام والمراجعة، لكن هذا المثقف يحرص، ضمن نتاجه الأدبي، على تحويل السياسي إلى قضية فكرية مندمجة في أسئلة الشكل والكتابة واللغة والواقع والإنسان. هذا التركيبُ الأدبي هو الذي يَجعلُ المُثقف الكاتب مُلتزِما فنيا ووجوديا وليس اجتماعيا فحسب. تلك سياسة الكاتب التي تجعلُ السياسي مُنفصلا عن وقائعيته موصولا برؤية نقدية تركيبية، تصوغ أشياء الحياة والواقع صياغة فنية وجمالية لا تفرط في شهوة الشكل والبناء. بهذا المعنى، يؤسس المثقف الكاتب لاستقلاليته النقدية، عبر مسافة فنية وجمالية تبذر الحيرة والقلق في قلب الخطابات المُطمئنة. هذا المثقف يلتزم بالنقد ضمن مؤسسات المجتمع المدني، لكنه يلتزم عميقا بالفن ضمن أسئلة الكتابة الملتحمة بأشياء اللغة والذات والواقع والحياة.
المثقف النقدي يُزعج ولا يُروَّض، وهو مُستعد لدفع ثمن حُريته الغالية المُلتزمة مع المجتمع والإنسان، وليس مع هذه الجهة السياسية أو تلك.

مراد الخطيبي، باحث ومترجم مغربي:
المثقف ليس ملزماً أن يعتزل السياسة
المثقف الحقيقي هو الشخص القادر على التفاعل مع كل الإشكالات والظواهر الاجتماعية والسياسية والثقافية بحس نقدي صارم. حس نقدي لا تتحكم فيه قيود سياسية أو أيديولوجية أو حزبية. المثقف هو ذاك الإنسان القريب من الحركية المجتمعية لا ينتظر أمراً من السياسي ليدلو بدلوه أو يعبر عن رأيه.
أغلب الأنظمة العربية تنتقي ذاك السياسي الجاهل، وإن كان يحمل شهادات عليا؛ جاهل لدور المثقف في التنوير وفي التحليل وفي اقتراح الحلول بل وفي النظرة الاستباقية لتفادي الأزمات

على المستويات السياسية والثقافية والاقتصادية وغيرها. غالبا ما يُستعمل بعض المثقفين، وهم في حقيقة الأمر أشباه مثقفين وانتهازيين، في تأثيث ديوان وزير أو رئيس بل وقد يرتقي إلى منصب وزير. فيصبح هذا المثقف شبحا ليس إلا لأنه سيكون تابعا بالضرورة للسياسي. ولن يترك أثرا. الأثر ذاب داخل دواليب السياسة. نيتشه يقول إن الفرد يفقد فردانيته داخل جماعة ما، بل ويذوب داخلها. فما بالنا بوجود مثقف داخل منظومة سياسية عربية فاسدة؟ طبعا لا بد أن أوضح أمرا هاما. المثقف ليس ملزما أن يعتزل السياسة والعمل الحزبي ليقوم بدوره. فقط عليه أن يمتلك الجرأة للتعبير عن مواقفه إزاء ظاهرة ما دون انتظار إملاءات من السياسي الذي بداخله أو السياسي الذي هو تابع له. وحتى المثقفين الذين يرفضون الانخراط داخل تنظيم سياسي ما، فهم في حقيقة الأمر يمارسون السياسة بالضرورة.
في نظري المتواضع، عندما نصل إلى المرحلة التي تُمارس فيها السياسة في مجتمعاتنا العربية بشكل سليم وحقيقي، فلا شك أن دور المثقف في العمل السياسي سيكون كبيرا جدا، لأن المثقف الحقيقي شخص يمتلك القدرة على التحليل والابتكار والتفكير العميق والعقلاني. أما الآن والحالة هذه حيث المشهد السياسي يشوبه ما يشوبه من بؤس فكري وأخلاقي، فلا بد للمثقف الحقيقي أن يبتعد قليلا ويواصل القيام بدوره الحقيقي في توجيه الرأي العام وفي النقد البناء وفي التأسيس لمشروع حضاري نحلم به جميعاً دون أن يختفي طبعاً داخل معطف السياسي.

كه يلان مُحمد، كاتب وصحافي من العراق:
يراهنُ الحُكام على كتيبة من المُثقفين المُدججين
ظاهرة تبعية المثقف للسياسي لها جذور تاريخية، فكان الشعراء وكثيرُ من الفقهاء، وحتى بعض رجال الفكر، من حاشية السلطان والملوك، لكن مع غلبة هذا الاتجاه على واقعنا الثقافي والفكري ثمةَ نماذج خالفت التيار وغالباً ما يكون هؤلاءُ من المتصوفة الذين كانت لديهم القضية التي تُمثل العدالة ركنها الأساسي إضافة إلى إنتزاع الشرعية من السلاطين الذين اتخذوا الدين غطاءً لساسية مُجحفة بحق الأغلبية فبالتالي كلفتهم هذه المواقفُ ثمناً باهظاً. وهذا ما تتطلبه الاستقلالية في الفكر والموقف. هنا لا بُدَّ من طرح سؤالٍ لماذا رجحت الكفةُ في ثقافتنا المُعاصرة للطرف الأول أي تصدر المُثقف الموالي للسلطة السياسية الواجهة وغابَ إلا نادراً المُثقف المُستقل؟. طبعاً يراهنُ الحُكام في بلداننا على كتيبة من المُثقفين المُدججين بقاموس التبرير لتلميع سياساتهم المُتعسفة وترويج مشاريعهم المُضللة. الأنكى من ذلك أنَّ معجمنا الثقافي يفيضُ بالمصطلحات والعبارات التي نحتها المثقفون في تبجيل الرؤساء، ما زادَ من تضخم الحاكمِ وتقديسه. ومن المعلوم أنَّ تقديس رجال السياسة مؤشر إلى جهل المُجتمع وتخلفه لذلك فبدلاً من أن يكونَ المُثقفُ صاحب رسالة تنويرية فهو يغذي الجهل الذي يستمدُ منه المقدس السياسي شرعيتَه. وما وصفه لينين بسطوة المظهر عامل أساسي وراء هذا التأزم على الصعيد الثقافي وضمور دور المثقف الذي أصبح مُقتنعاً بتمثيله الشكلي دون الفاعل على الفضائيات والمنابر الصحافية وقد تصدمك تقلبات هذه النخبة وما تمارسه من الفذلكات التعبيرية ما يعني أنه لم يَعُد المثقفُ مختلفاً عن الواعظ الذي قد يدعو ظاهرياً إلى التغيير ولكن حقيقة

مواقفه تُكرس الوضع القائم وتدعمُ أركان الفساد.
يعوّلُ السياسي على الإعلام والمال لتطويع المثقف في خدمة النظام، ومن المُسْتغرب أن يكونُ الجفاف الفكري لدى المثقف وصل إلى حدٍ يحاكي السياسي في شيطنة الآخر والتعنف اللفظي الذي هو من أعراض التصفية الجسدية. عطفاً على ما سبق لك أن تضيفَ فشل المثقف في التفكير خارج صندوق الطائفة والمذهب إلى العوامل التي أدت إلى تبعيته للسياسي فضلاً عن ذلك فإنَّ المثقف إذا أراد أن يكون فاعلاً فلا بدَّ من أن يتصفَّ بالتواضع المعرفي ولا يستنكفُ عن الإقرار بأنَّ إتقان العمل وليس نوع المهنة هو ما يعطي القيمة والأفضلية لما يقوم به. ولأنَّ هذه القاعدة لم تنعكس في سلوكيات المثقفين والأكاديميين لذا فهم يعوضون نقصهم العلمي وتكاسلهم في عملية مراجعة أفكارهم وبناء مشروعهم النقدي بالتبعية والإلتحاق بالسياسي، وفي ظل هذا الواقع طبعاً تستمرُ عملية التقهقر طالما لديك مُثقف يصفُ تارة جورج بوش الإبن بروح التاريخ ويدبجُ المديح لمبادرة هذا الحاكم وذاك السلطان تارة أخرى. ولا يتمكنُ من الحفاظ على المسافة في رؤية الظواهر. من هنا ندرك لماذا أن الإنسان العادي يكون أكثر تبصراً وفهماً لمُقتضيات المرحلة. ونحنُ نتحدثُ عن واقع المُثقف العربي ومُقايضته لحضوره الشكلي والصوري بدوره الفاعل علينا أن نضع هذه الصورة البائسة للمثقف في السياق العالمي لأنَّ برنار ليفي في فرنسا حل مكان سارتر كما أن ستيفن بانون في أميركا يمثل ضمير الأمة.

سعيد بوخليط، باحث ومترجم مغربي:
الثقافة أكبر من السياسة
يصعب حقيقة تحديد مسافة زمنية ذات حيز واضح، جلية المعالم بكيفية لا لبس معها، حين محاولة التطرق إلى ممكنات فضاء الثقافي والسياسي، تحديدا وفق منطق الهوية الخالصة والصافية، التي لا تشوبها شائبة، المطمئنة تماما إلى امتلاء الشيء وحضوره المنتهي اكتمالا في ذاته، ثم تبلور مرتكزاته بغض النظر عن باقي العالم، وبالاستغناء عنه.
صحيح أن خصوبة المفاهيم يحكمها عموما في تصوري منطق اللاأمان هذا، حيث لعبة الجدال كامنة بقوة ومطلقا؛ وإلا استغرقتها الدوغماطيقية والعقائدية، التحجر والإفلاس التاريخي. ثم تزداد الإشكالية هشاشة، وتصير مهيأة أكثر؛ كي تجعل النقاش عقيما بعد كل شيء، لا تخلص تأسيسيا إلى رؤية منفتحة على ممكنات منسابة تطوريا؛ وقد وجهتها نظرية ذات قاعدة صلبة. أقول، يحدث أمر من هذا القبيل؛ حينما يغيب النظام الإبستيمولوجي، المحكوم طبعا بالتناظر النِّدّي بين الانفصال والاتصال؛ الائتلاف والاختلاف؛ التماثل والتباعد؛ المماهاة والتنافر.
وفق مختلف ذلك، لا ينزاح نقاش الثقافي/ السياسي عن سياق من هذا القبيل؛ فهو سؤال بنّاء،

يراهن دائما على آفاق أخرى، حينما تتراكم كميا ونوعيا مرتكزات التكريس المعرفي للثقافة والسياسة، بحيث يدرك كل واحد منهما صراحة أو تضمينا، إطاره ومجاله. نتيجة لا تتحقق بالسهولة المأمولة، سوى بالنسبة للمنظومات المجتمعية؛ المهووسة على الدوام بمساءلة واقعها المادي وتجلياته الرمزية. هنا تتلاقى السياسة والثقافة؛ عند نفس المصب، يشتغلان على ذات التطلع، لكن ليس حتما تآلفهما أو تضادهما: السياسة تدبّر يومي، في إطار مشروع مجتمعي على المدى اللانهائي. سعي لن يتحقق سوى إذا صارت السياسة حقا مؤسسة ''وطنية'' مكتملة البناء، شيدها ولا يزال كذلك الصرح الثقافي التأملي للمجتمع. في نهاية المطاف الثقافة أكبر من السياسة بل تشملها، والأخيرة مجرد تجلّ ضمن باقي تجليات الأفق الثقافي عموما.
حين الإقرار بخلاصة هذه المعادلة، يحق هنا مبدئيا الجهر بأحقية تدبير الثقافي لأمور السياسة، وليس العكس، حتى تحافظ الثقافة باستمرار على مكانتها الأسمى، وتظل السياسة دؤوبة في اجتهادها، ضمن مرجعية حِكمة الثقافة.
صحيح، كما هو معلوم، وخلال زخم أزمنة المد اليساري، لا سيما سنوات السبعينات والثمانينات، وقبل التحول الجذري مع طفرة العولمة بنظامها المعرفي المغاير تماما لكل ما مضى، اتفقت طيلة حقبة زمنية ليست بالقصيرة، جل أدبيات الفكر الثوري على أن الثقافة مجرد ممارسة إبستيمية يلزمها قطعا الانقياد وراء محرض السياسة - الورش الأيديولوجي - التقدمية، بالتأكيد، تنحو منحاها يمينا وشمالا، أفقيا وعموديا. هكذا توارت الثقافة، يعني التأمل؛ التفكير؛ النقد؛ العقل؛ النسبي؛ الخيال؛ الموسوعية؛ تفاعل المعارف؛ التعدد خلف الإقرار السياسي أي الدوغما؛ التبرير؛ الظرفي؛ البعد الواحد؛ المطلق.
مع ولوجنا حقبة العولمة، بانقلابها المعرفي المماثل إن أردنا تقريب الرؤية بكيفية من الكيفيات لما صنعته هندسة ريمان ولوباتشيفسكي بالتراث الأوقليدي، اقتضى السياق الانكباب قصد إعادة النظر في جل مرتكزات المنظومة الكلاسيكية، التي ارتكنت إلى بديهيات، لم تعد اليوم قادرة على مواجهة أسئلة مختلفة كليا، قدر تشعبها الزئبقي، بذات المرجعيات السابقة: الدولة؟ المثقف؟ الطبقة الاجتماعية؟ فعل السياسة؟ موقع المثقف ودوره؟ الجمهور؟ الأيديولوجيا؟… مثلما أن مكونات حقل الصراع تضاعفت واكتست مظاهر جديدة: طبعا حقوق الإنسان، دائما وأبدا، غير أن مفهوم الانتهاك حاليا، تطور صوب أبعاد أخرى معقدة، وتجاوز الأمر مستوى العلاقة العمودية مع استبداد الدولة المادي! إشكالية بيولوجيا الجنس! أسئلة التغيرات المناخية! انبعاث قوميات جديدة ومفهوم الدولة الوطنية! مشكلات البيئة! اللوبيات الأممية المتوحشة! الهجرات! الحروب! الإرهاب! التطرف الديني والعرقي والجنسي!
إذاً لم يعد مجدياً راهناً البحث في الأسبقية التراتبية لعلاقة الثقافي بالسياسي، ومن ينبغي امتلاكه لزمام المبادرة، بل أساساً مدى قدرتنا على صياغة نظام معرفي عبر بلورة فلسفة جديدة، يمكنها ملاحقة الأسئلة اللحظية المصيرية، المتغيرة كل آن، نتيجة الشروخ الزمانية والمكانية المهولة، التي تراكمها الثورة الرقمية والإعلامية.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.