}

رحيل صالح علماني.. شهادات

عارف حمزة 5 ديسمبر 2019
هنا/الآن رحيل صالح علماني.. شهادات
صالح علماني (1949 – 2019)
كان المترجم الفلسطيني صالح علماني (1949 – 2019)، الذي رحل قبل يومين، صاحب يد طولى في حياة الكثيرين من قرّاء العربيّة، ومَن تحوّل منهم إلى كُتّاب، بترجمته الكثير من النصوص الإبداعيّة من لغتها الإسبانيّة مباشرة، وذلك ضمن الفترة الذهبيّة، إذا جاز القول، في النصف الثاني من القرن الماضي، حيث ازدهرت حركة الترجمة من الروسيّة والإسبانيّة واليابانيّة والألمانيّة، توازياً مع الترجمة المزدهرة سابقاً من الفرنسية والإنكليزيّة.

هنا شهادات خاصة في وداع علماني وفي محاولة قراءة مشروعه ومنجزه:


نبيل سليمان، روائي وناقد سوري:
صباح الخير عزيزي صالح. مساء الخير أيها الحزن

صالح، عزيزي، لأنها هذه المرة فرحتك الكبرى، لعبتك الكبرى، يرميني بالدوار فيض الذكريات واشتباك الأزمنة والوقائع. لكنني لن أخطئ في أن لقاءنا الأول كان هناك، في بيروت التي كنت قد يممت إليها مع بوعلي ياسين شتاء عام 1979، وكنت وبوعلي قد سبقنا اللقاء الأول بقراءة ترجمتك المغوية لتلك الرواية المغوية "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه".
كانت بيروت والحرب والفاكهاني والأنفاس الفلسطينية العابقة، وعنفوانك الذي لا زالت عالقة به أنفاس المخيم في حمص، أنت وأحمد وجبور: هل تذكر؟
من دار الفارابي تماهت خطواتنا إلى دار ابن رشد، إلى كورنيش المزرعة، قبل أن نعود إلى مطعم أم نبيل. وكنت تزوّق اللقاء بافتتانك بما يكتب ماركيز. بعد سنين سوف يبارك بوعلي إيثارك الصحافة والأدب على الطب، لكنه سيحار في إيثارك الترجمة على كتابة الرواية، وكم ردّد من بعد قولتك الشهيرة: "أن تكون مترجماً جيداً خير من أن تكتب رواية سيئة". صدقت.
صالح العزيز: لأنه دُوار المزاح والجد والموت، أي دُوار الحياة، أراك وجهاً لوجه، لآخر مرة، في معرض الكتاب في أبو ظبي، وتحدثني، ومعي "إيناس"، عن رواية يوّسا "البطل المتكتم" التي كنت قد أنجزت ترجمتها. وفي ومضة أُنجز الاتفاق بينك وبين إيناس لتنشر دار الحوار ترجمتك للرواية. وفي ومضات فومضات، حين قرأت الرواية، أراني مع إسماعيل كاريرا في ليما، ومع الوحشين ولديه وعشيقته، ثم أراني، في مدينة بيورا مع الخلاسي الفاتن فيليتتويا ناكيه، ودائماً أراني، أثناء قراءة "البطل المتكتم" وفي غير هذه القراءة، مع من أحضر صاحبك يوسا إلى هذه الرواية من رواياته الأخرى.
ليتوما قادماً من جبال الأنديز، دون ريغو بيرتو والفاتنة زوجته لوكريثيا وابنه الشقيّ فونتفيتو... وآه يا صديقي، آهٍ من وآه لفتنة الرواية وفتنة الترجمة.
آه مما فعلت بي ترجماتك لرواية "سانتا إيفيتا". لولاك ما كان لي ولا لغيري من القراء أن يعرفوا، لا أدري إلى متى، هذا الكاتب الأرجنتيني الساحر توماس إيلوي مارتينيث. كان الرجل قد توفيّ للتو عندما نشرت دار الحوار ترجمتك لهذه الرواية التي أحيت إيفادوراتي بيرون، زوجة الديكتاتور خوان بيرون، الممثلة والمجنونة الاستثنائية والأم والمحسنة والجاهلة والحاقدة والمتسلفة والعادية و.... الأسطورة إيفا، القديسة إيفا، وأنت من قرّر أن يكون العنوان بالعربية (سانتا) وليس القديسة.

بفضلك، كما بفضلك منذ لقاء الفاكهاني قبل أربعين سنة، عشت الوثيقة المُتخيّلة وهي تصير أكبر واقعية من الواقع، وقد صدق ماركيز عندما قال عن هذه الرواية: "ها هو أخيراً الكتاب الذي أردت أن أقرأه"، وآه يا صديقي.
آهٍ من وآهٍ لفتنة الرواية وفتنة الترجمة. آه مما فعلت بي ترجمتك لرواية يوسا "الفردوس على الناصية الأخرى"، فجعلتني أعيش التاريخ مع فلورا تريستان والفن مع بول غوغان. جعلتني أعيش الرواية إذ يندغم فيها الفن التشكيلي بالتاريخ، والحفيد بالجدة، وتاهيتي بباريس. وهذا السؤال الذي ينشب كالجواب من بداية الرواية إلى نهايتها، من أعماق فلورا إلى أعماق غوغان: "هل الفردوس هنا? لا يا سيدي، ليس هنا، وأسأل عنه على الناصية الأخرى".
أين الفردوس يا صالح؟
لن أسألك عن الجحيم. يكفيك ما عشت منه فلسطينياً أو سورياً. ولكن هل تذكر يا صديقي كم كانت عيني "ضيقة"، وكم حسدتك على ما تبدع من الترجمة، وأنت تسمو من قمة إلى قمة؟ ليس ماركيز وحده، ولا يوّسا ولا إيزابيل ألليندي، ليس أستورياس ولا غاليانو ولا ساراماغو، ليس نيرودا ولا لوركا، ليست الرواية وحدها، بل الشعر أيضاً، والمسرح أيضاً، والقصة القصيرة أيضاً، حتى التاريخ يا رجل.
لأنك غمرتنا بنعمائك، ليس في الترجمة وحدها، بل في الصداقة أيضاً، وربما أولاً وأخيراً، تتفجر الآه يا صالح..



محمد حيّاوي، روائي عراقي مقيم في هولندا: التفصيلات المعذِبة
عندما قرأت "مائة عام من العزلة" وسحرتني لغتها الثرة وعوالمها السحرية، لم أكن أدرك أن مترجمها الفذ صالح علماني سيصبح صديقي ذات يوم، وأنّنا سنصبح زملاء في دار الآداب حيث تصدر كتبنا، ونلتقي في معارض الكتاب الدولية المختلفة. عندها كنت كاتباً شابّاً وقارئاً نهماً طالما أسرته قصص أميركا اللاتينية التي نقلها علماني بكل صبر وأناة ودقة وإخلاص للغة والعوالم المتداخلة، حتى أصبح أسمه علامة فارقة ورمزاً لجودة الترجمة الأصيلة من الإسبانية إلى العربية.

أتذكر عندما كان يحدثني عن الجهد الأسطوري الذي بذله من أجل أن يدرك الاختلافات  ـ المُعذِبة ـ على حدّ وصفه، للهجات اللاتينية، وكيف حوّلها إلى عنصر إثراء للغة الإسبانية الأم أثناء عمله المضني والمتواصل. وشخصياً أدرك ما كان يعنيه الكاتب والمترجم الراحل عندما يتحدث عن تلك التفصيلات المهولة التي قلما نجد مترجماً يهتم بها بهذه الطريقة. أقصد عندما تعلمت اللغة الهولندية وبدأت أقرأ الأدب العالمي بواسطتها، وأحاول أن أترجم بعض الأعمال منها إلى اللغة العربية. ولا يمكن أن أنسى درس علماني الكبير لجهة كنه اللغة الثانية وطبيعة الإخلاص للترجمة وروح النص والسير على حافّة السحر، بين الاحترافية والقدرة على المحافظة على روح النص تلك وإعادة خلقه بلغة أخرى، من أجل أن يصل إلى القارئ العربي الذي يقرأ ويتمتع من دون أن يدرك ذلك الجهد الأسطوري المبذول من المترجم.
وفي المحصلة، ستبقى تلك الأعمال التي نقلها صالح علماني إلى العربية خالدة في وجدان الأجيال المتوالية من القرّاء والمثقفين العرب، كما سيبقى هو خالداً في وجدان وضمير هؤلاء القرّاء والمثقفين.



إيمان السباعي، قاصة وشاعرة مصرية:
أنا المعنى الضائع في الترجمة
"هناك دائماً شيء مهم ضاع من المعنى. أنا نفسي أحسّ أن هناك شيئاً مفقوداً بعد الترجمة، رغم كل محاولاتي إيصال أكبر شحنة ممكنة من روح ماركيز.. ومن المستحيل أن تعطي وتوصل كل شيء".
بهذا الصدق تحدث صالح علماني ليدلّني على علّة تلك المتاهة التي وقعت فيها مع خطواتي الأولى في عالم قراءة الأدب المترجم؛ إنه هذا الشيء الضائع الذي جعلني أقول: هذه الرواية ليست الرواية الحقيقية. لم يحدث لي هذا قط مع صالح علماني مثل قُرّاء كُثُر عرّفهم على العالم العجيب والغني لأدب أميركا اللاتينية.

منذ لقائي الأول به في رواية "مائة عام من العزلة"، التي قصدتها لشهرتها وشهرة كاتبها، وانتهيت منها لأبحث عن مترجمها وأتركه يرشدني سنوات طوال بثقة واطمئنان..
لم يترجم صالح علماني إلا القليل من الشعر وهذا أحزنني؛ فالشعر هو ما أحب وما أرغب في كتابته أكثر، لكنه اعتقدَ بضرورة أن يكون من يترجم الشعر شاعراً. وإلى الآن أنا أصدقه، وبصعوبة أرتاح إلى قصيدة بغير لغتها الأم.
ارتبط اسم علماني أيضا بواحد من الروائيين الذين أفضلهم، جوزيه ساراماغو، ورواية "كل الأسماء" بالتحديد، وهي الرواية الأولى التي قرأتها لساراماغو. وكان اسمه كافياً لأقرأ رواية بديعة وصغيرة لاسم لم يكن معروفا بالنسبة إليّ وهو إيرنان ريبيرا لتيلير الروائي والقاص والشاعر التشيلي صاحب رواية "راوية الأفلام".
سيظل اسم صالح علماني مرتبطا بأكثر العوالم دهشة وغرابة وجمالا وكأنه "كل الأسماء" التي عرفتها بفضله.


حليم يوسف، روائي كردي سوري مقيم في ألمانيا: الحب وحده
كان ذلك في بداية الثمانينيات، عندما حمل لي أحد أصدقاء أخي الكبير كتاباً في يده، حينما رآني منكباً على قراءة الروايات ليلاً نهاراً. لا زلت أعيش تحت وطأة الصدمة التي أحدثها ذلك الكتاب الصعب الذي جعلني أعيد النظر في كل ما قرأت قبله من كتب وروايات. لم يكن ذلك الكتاب سوى رواية "مائة عام من العزلة" للروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز. وكانت تلك فاتحة بحث محموم عن كل ما كتب هذا الكاتب الفذ، وكل ما سيكتبه لاحقاً. أذهلتني عوالمه التي بقدر ما كانت بعيدة عنا جغرافياً، بقدر ما كانت قريبة منا روحياً وحياتياً.

كنتُ وقتها طالباً في المرحلة الثانوية، ولم أغادر "عاموده"، بلدتي التي ولدت فيها، بعد. وبدأت أكتشف عوالم أزعجتني بقدر ما أذهلتني؛ كيف لكاتب يعيش في أميركا اللاتينية، ولم تطأ قدماه هذه البلاد، يكتب عن حياتنا بكل هذا الزخم. لا بل يكتب عن بلدتي التي لم أغادرها في حياتي، وهو لم يرها في حياته. وأتحدث هنا عن ماكوندو الشديدة الشبه بعاموده، وأتحدث عن فلورنتينو أريثا الذي يشبهني، وعن فيرمينا داثا الشبيهة بأول فتاة أحببتها في عاموده، وعن ذلك الشاب الذي بدأت يده تضيء، اذ أنه ما إن يلمس كأس الماء حتى تتلوّن الكأس المليئة بالماء ويحتار معه أهله، ويعجز جميع الأطباء عن اكتشاف مرضه، الى أن يصرح له طبيب بارع بأنه الحب! الحب وحده هو القادر على إحداث كل هذه التغييرات الهائلة في البشر.
وتتالت روايات وقصص أميركا اللاتينية لماركيز ولغيره من الكتاب الذين غيروا حياتنا دون أن نخطط لذلك. أتذكر جيدا أنني كنتُ أحس بنيران تلتهم رأسي، وأنا أترنح على وقع رائحة احتراق شعري، عند الانتهاء من قراءة رواية من تلك الروايات الساحرة. وأدركت فيما بعد، متأخرا، بأن الذي أدخل كل هذه البهجة المذهلة الى حياتي، لم يكن سوى مترجم بارع يكاد يكون اسمه هو القاسم المشترك الوحيد بين جميع الأعمال الإبداعية المذهلة القادمة إلينا من اللغة الإسبانية، ولم يكن هذا المترجم سوى صالح علماني الذي توزعت روحه بين أجمل الأعمال الأدبية التي أنتجها كتاب اللغة الإسبانية، فقدّم لنا كل ما تحتاجه الروح في ظل الخراب الروحي الذي كان ولا يزال يعصف بإنسانيتنا المباحة للنهب من كل طغاة الأرض.

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.