}

هل هناك صناعة كِتاب في العالم العربي؟ (4/5)

عماد الدين موسى 24 نوفمبر 2019
هنا/الآن هل هناك صناعة كِتاب في العالم العربي؟ (4/5)
"الرقابة على الكتاب عربياً: شديدة ومتأصّلة ومتراكمة ومركّبة"
الكِتاب قد يكون أداة لإنتاج معرفةٍ زائفةٍ للتسلُّط على العقل، وطريقة تفكيره، فيؤسِّس لغياب حضاري، وقد يكون ضرباً من الحفر المعرفي يؤسِّس لثقافة النقد والاستيعاب. هذه أحياناً يتم خلطها عند أصحاب دور النشر، هذه الدور التي تحولت إلى مؤسَّسات أغلبها غايتها الربح، طالما أنَّ للكتاب سوقا، مُنتَجا ومُستهلكا. فمن كتب تروِّج للسحر والشعوذة والجن، إلى كتب تروِّج للجنس والحظ، إلى كتب تحتفي بالعلوم الإنسانية من رياضيات وفلسفة وطب وأدب وموسيقى وقانون. إلا أنها جميعاً مُنتَجٌ القصدُ والغايةُ منه الربح عندَ صُنَّاعه، هذا عدا عن السطو على طباعة كتب ذات حظوة علمية أو أدبية.

وبموازاة ذلك نرى العديد من المعارض المحلية والعربية والدولية للكتاب وما يرافقها من نشاطات ثقافية وحفل تواقيع وبيع الكتب من مؤلفيها.
في هذا الملف الخاص نستقصي آراء كتاب ومثقفين، جنباً إلى جنب مع آراء أصحاب دور النشر، حول صناعة الكتاب، بوصفهم صنّاعه ورُسل ثقافة ومعرفة، يؤسِّسون وينشرون المعارف والعلوم، ما يُشكِّل خيالنا الثقافي والاجتماعي ويبلوره. هنا الجزء الرابع وقبل الأخير:

هاتف جنابي (كاتب وشاعر ومترجم عراقي): هناك حركة طباعة ونشر لكنها لا ترقى لوضعها في إطار "صناعة منهجية"

ترتبط صناعة الكتاب عموماً بالوعي بأهمية الكتابة والتأليف والثقافة والشعور بأن نشر الكتاب وترويجه يقع في صميم الترويج للغة الكتاب وسمعة الناطقين بها. لو نظرنا إلى البدايات الأولى لنشأة المطابع في البلدان العربية للاحظنا أنها بدأت في مطلع القرن الثامن عشر الميلادي، إما في حلب أو قرية الخناشرة اللبنانية على يد عبد الله زاخر وشقيقه. وهذا يعني أن دخول الطباعة إلى فضاء اللغة العربية قد تأخر على نظيره الأوروبي بالحروف اللاتينية بأربعمئة سنة تقريبا. نعم، لقد تقلّص الفارق بين الطرفين تقنيةً وترويجاً لكن صناعة الكتاب في الغرب ما زالتْ متفوقة بنصف قرن على الأقل، رغم دخول الطباعة ثلاثية الأبعاد إلى بعض البلدان الناطقة بالعربية. ولا يمكننا حساب بعض العناوين المطبوعة باللغة العربية في غرناطة سنتي 1486 و1505 باعتبارها البداية لحركة الطباعة والنشر باللغة العربية لأنها ليستْ كذلك.
المطبعة هي الجامعة التي يتخرج منها المطبوع والمؤلف. منذ ذلك التاريخ وحتى اللحظة الراهنة مرّت حركة الطباعة والنشر في البلدان العربية بتقلبات نظراً لأن الطابع يرغب في الكسب من وراء الكتاب، والمطابع الحكومية لها سياستها وعناوينها التي لا تتناسب دائما مع الذوق العام ولا مع تنوع الأفكار والأساليب والقيم التي ينتهجها قسم من المؤلفين. وعليه فنظرا للأمية المتفشية في العالم العربي (بشقيها: التقليدي المعروف، أو تلك التي في أوساط قسم من المثقفين)، وشدة الرقابة على المطبوعات، وضعف الإقبال على شراء الكتاب، ناهيكم عن المستوى المتخلف لما يكتب، كل ذلك جعل عملية ترويج وتسويق الكتاب في البلدان العربية معقدة وغير مربحة. هناك تدنٍّ في الوعي بأهمية الكتاب.

ينبغي التنويه إلى أن عملية ترويج الكتاب هي بحد ذاتها ذات أبعاد ثلاثة: تجارية- نفعية، تقنية، وحضارية. هذه الأسس لا تجتمع دائماً في مشروع الطباعة لدى أغلب الناشرين وأصحاب المطابع مقابل سيادة جانب الكسب المادي. حتى أن أحد الناشرين المعتبرين قال لي في جلسة أثناء أحد معارض الكتاب: لا فائدة تذكر من نشر الشعر. فقلت له: لا توجد دار نشر في العالم ذات طبيعة إنسانية وأدبية دون نشر الشعر. ثم ذكّرته بما كانت تنشره من شعر دور نشر عربية في بيروت والقاهرة في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. كل دار نشر تحترم نفسها لا بد وأن توازن في نشرها وقد تضطر لتغطية نشر وترويج هذا العنوان وذاك من منطق حضاري من جهة وكاستثمار في سمعة الدار من جهة أخرى. إذاً لا بد من وجود توجه يستند على أساس عدم تجزئة حقول الإبداع والمعرفة بناء على الكسب المادي وحسب.
ثمة مشاكل حساسة تواجه الكتاب وترويجه في البلدان العربية، يعرفها أصحاب دور النشر والطباعة أكثر منا. ولعل من بين أهمها نذكر المعاناة مع الرقيب الحكومي، والديني، والسياسي، ثم منع مشاركة بعض دور النشر والعناوين في بعض المعارض العربية. إن صناعة الكتاب المعتمدة على التقنية الحديثة وسياسة الترويج للكتب لا ترتبط فقط كما هو شائع بالرقابة فحسب، إنما لها بعد رأسمالي- تجاري. ما زال المتمكنون مادياً من رجال الأعمال في المنطقة العربية يخشون دخول سوق الكتاب خوفاً من ضياع أموالهم. هؤلاء يحتاجون إلى تشجيع وإقناع، لكن أغلبهم لا علاقة له بالثقافة. لا يمكننا القول اليوم بوجود صناعة متطورة تقنيا وفنيا ومستوى في البلدان العربية. نعم، هناك حركة طباعة ونشر، لكنها لا ترقى لوضعها في إطار "صناعة منهجية للكتاب والنشر في البلدان العربية".

فايز علام (ناشر سوري، مدير دار سرد): كارثة كبرى

قد يبدو الحديث عن الصعوبات والتحديات التي يواجهها ناشر أمراً بسيطاً وهيّناً، غير أني وأنا أحاول تذكّر كل ما أعانيه، شعرت بحرقةٍ ووجعٍ كبيرين. فما أكثر ما يعانيه ناشرٌ يحاول أن يكون جاداً في عمله، ووفياً له.
حاولت تجميع الأفكار وضمّها تحت ثلاثة خطوط عريضة، أُبرِزُها هنا.  

1-    شحن الكتاب:
- كيف يمكن لي أن أرسل نسخ المؤلف من كتاب أصدرته ومؤلّفه يعيش في بلاد تدور فيها الحرب وتقطعت إليها سبل البريد؟
-  كيف يمكن لي أن أرسل كتبي للمشاركة في كل الجوائز العربية، إذا ما كان شحنها بالبريد العادي يحتاج إذناً من الرقابة أو من مؤسسات شبيهة (لا أستطيع دوماً الحصول عليه لأسباب مختلفة)، وإذا ما كان شحنها بالشركات الخاصة ذا تكاليف تفوق طاقتي حين يتعلق الأمر بأكثر من كتاب وأكثر من جائزة في العام الواحد؟
- كيف يمكن لي تحمّل التكاليف العالية للشحن وللتخليص الجمركي التي أدفعها على الكتب الذاهبة إلى المعارض؟
- كيف لي ألا أتحسر على حالنا حين تخبرني صديقة تعيش في قرية بعيدة في سويسرا، أنها حين تريد كتاباً ما تذهب إلى المكتبة الصغيرة في قريتها تلك وتطلب منها الكتاب. وبهاتف صغير أو إيميل بسيط تطلب هذه المكتبة الكتاب من ناشره أو موزعه، فيضعه هذا الأخير في القطار الذاهب إلى قرية صديقتي، ويصلها بعد يوم أو يومين! كيف لي ألا أتحسر وأنا أعرف أن كتابي قد يستغرق أسابيع ليصل إلى طالبه، هذا إن وصل!

2-    توزيع الكتاب (كارثة كبرى):
- هل سيبقى حلماً صعب التحقق أن أكون ناشراً تنتهي مهمته بإصدار الكتاب وتسليمه للموزعين، كما يحصل في الدول المتقدمة، فأتخلص من الخضوع لآليات غامضة في التوزيع أحاول جاهداً فهمها ومن ثم قبولها؟
- هل سيظل مطلبي في إعطاء الكتب جميعها (لا البيست سيلر وحده) فرصة متساوية من قبل المكتبات مطلباً لا يُلتفت له؟
- هل ستبقى أمنيةٌ بعيدة أن يصبح كل أصحاب المكتبات والعاملين فيها من القراء، فنرتاح من نصف المشكلة؟
- هل أكون مثبطَ طموحٍ وقاتل عزيمة إن رغبت بأن تبقى المكتبات مكتباتٍ، لأن أكثر ما نعاني منه اليوم عدم وجود منافذ كافية لعرض كتبنا؟
- هل تنظيم أوقات المعارض العربية فلا تتعارض أوقاتها مع بعضها بعضاً مهمة صعبة؟ وهل مطالبتي بتخفيض أجور الاشتراك المرتفعة فيها ضربٌ من العبث؟ وهل تنظيمها وتنظيم منح التأشيرات في وقت مناسب (وبخاصة لناشر غير مرغوب فيه لأنه قادم من بلاد فيها حرب) أمرٌ مستحيل؟

3-    صناعة الكتاب والمتلقي:

- كيف لي ألّا أحزن حين أكتشف اكتشافات مذهلة في الأدب العالمي، وأصواتاً متفردة تكتب القصة والمسرح والشعر، وأتحمس لترجمتها ونشرها، فتصبح حبيسة مخازن رطبة ورفوف مغبرّة، لأن القارئ العربي لا يحب أن يقرأ هذه الأنواع الأدبية؟
- كي لي ألّا أحزن على كتب نشرتها وأنا أعتبرها جواهر حقيقية وتحفاً أدبية، لكنها متروكة للنسيان، لأن القارئ يحب المألوف والشهير وذائع الصيت؟ وكيف لي ألّا أحزن حين يبيع كتابٌ نشرته أنا وأعرف ثغراته جيداً أكثر من كتاب نشرته أنا أيضاً وهو بلا ثغرة واحدة؟
- كيف لي ألّا أحزن حين أقرأ مقالاً عن كتابٍ أصدرته، وكاتب هذا المقال لم يكلّف نفسه عناء قراءة الكتاب، أو لم يكمله؟ وكيف يمكن ألا يزداد حزني حين يشوّه كاتب المقال مشهداً مؤثراً بكتابة خاطئة (ولا أقصد هنا أنه أساء التأويل بل إنه غيّر ما حدث في الكتاب إلى ما لم يحدث)؟
- كيف لي ألّا أحزن وألّا أغضب حين أصدر كتاباً أمضى مؤلفه أو مترجمه شهوراً من عمره ليكتبه أو ليترجمه، ثم راجعه مرات ومرات، وعملنا عليه مرات ومرات لتجويده، وبذلنا كل ما نعتقد أننا نملكه ليصدر الكتاب كما يليق به، ثم أتى شخصٌ فزوّره ورقياً ولم يكتف ببيعه في بلاده بل صار يصدّره، وأتى شخصٌ آخر فقرصنه إلكترونياً، ثم بدأ يهاجمني إذا ما اشتكيت، لأن "المعرفة لا يجب أن تكون حكراً على من معه المال"، متناسياً ومتجاهلاً أن هذه المعرفة لم يدفع الناشر مقابلها مالاً في الحقوق والترجمة والطباعة فحسب، بل دفع - هو وكل صنّاع الكتاب- ما هو أهم وأغلى: جزءاً من حياتهم وروحهم وحرقة دمهم وتعب أعصابهم؟

 

أحمد الويزي (باحث مغربي): حقوق المؤلّف رافعة لصناعة الكِتاب
إذا كانت الصّناعة في مفهومها العام هي مجموعة من العمليّات الفنيّة المتخصّصة، التي تروم تحويل الموادّ الخام الى مُنْتجات قابلة للاستهلاك، استنادا بالطّبع الى ثلّة من الخبرات الفنّية والمعرفيّة التي تكون دائما قبْلية؛ فإنّ صناعة الكِتاب هي جزءٌ لا يتجزّأ من تلك العمليّات الإنتاجيّة السّاعية الى تحويل الموادّ الرّمزية والذّهنية، الى سلع مدرّة للرّبح المادّي والمعنوي. ومن ثمّ، تحتاج صناعة الكِتاب، الى جانب توفير الرّأسمال المادّي ورديفه البشريّ، الى ثلّة من الشّروط والضّمانات التي من شأنها جعل هذه الصناعة فعّاليةَ إنتاجٍ مربحةً على الصّعيدين المادّي والرّمزي، ومؤثرة بشكل كبير في محيطها السّوسيو ـ اقتصادي، ومناخها الثقافي والسّياسي.
وحتى تتسنّى لي المساهمة المثمرة في مناقشة معضلة صناعة الكِتاب عربيّا، اخترت من منطلق تجربتي المتواضعة، مدخلَ حقوق المؤلّف كأفق لمقاربة علاقة الكُتّاب بهذه الصّناعة. فما هي حقوق المؤلّف الكفيلة برفد صناعة حقّة للكِتاب، في مجتمع هجين لم يحقق بعد أيّ تراكم في تجربته الرّأسمالية؟


لا جدال في أن الكِتاب صناعة مادّية ورمزية، تساهم بحظ وافر في تزويد السّوق بمنتجات فكرية وخياليّة مفيدة وممتعة. إلا أنّ صناعة الكِتاب لا يمكنها أن تحقق التراكم الكمّي والكيفي المنشودين عندنا، إلا بتوفير حزمة من الحقوق، أهمّها:

أ- الحقّ في الحرية: إذا كانت الحرية أوكسجين الكتابة والقراءة ورئتهما أيضاً، فإنّ أيّ إبداع لن ينشأ سليما، معافى وخاليا من النواقص والعلل، ما لم تتوفر له أجواء الحرية الكاملة، سواء لحظة ولادته وتخلّقه، أو عند انتشاره وامتداده. والحال أنّ التأليف الإبداعي في الوطن العربي، الذي ما زال محكوما بأنظمة تقليدانيّة على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي، لا يفتأ يعاني من حالات تشوّه قيصرية جمّة، وكلّ ولادة "طبيعية" تتحقّق له في ظلّ هذا المناخ القروسطي، لا تعدو أن تكون مجرد مغامرة، عادة ما تحفّ بها مخاطر كثيرة، قد تكلّف الكاتب حريته وحياته، كما يمكنها أن تكلّف الناشر ماله وممتلكاته. فكلّما ضاق حيّز الحرية، نقص حجم التأليف، واختلّ لذلك وضع صناعة الفكر الرّصين والإبداع الحرّ.

ب- الحقّ في الرّواج والتّداول: إلى جانب الحرية، يحتاج المؤلِّف الى مساحة واسعة من التلقّي والانتشار، لأنّه لا يكتب لنفسه أو لنخبة محدودة، وإنّما لجمهور عريض من القرّاء. وإذا كانت القراءة ما تزال تعاني عندنا من وضعها المختلّ حضاريّا، فإنّ هامش التلقّي الذي كان "شبه مضمون" في عهد مجرّة غوتينبرغ، أخذ يضيق اليوم مع مجرّة ماركوني، التي طغت فيها سطوة الفرجة، وازدحمت القنوات والشّاشات. ومن ثمّ، صارت القراءة مغامرة أخرى (تنضاف الى مغامرة الكتابة!)، تحتاج الى رواد نهضة جديدة ينتصرون لحقّ الكاتب في أن تُقرأ كتبه، وتُتداول بكيفية أوسع، وأن يدعّم مشروع صناعة الكتاب دعما حقيقيا، لا يتوقف عند حدود الطبع والنشر المحتشمة وحسب، وإنما يطال التوزيع والترويج داخل الوطن وخارجه، إضافة إلى الدّعاية للكِتاب وصُنّاعه عن طريق توفير مساحات إعلامية للتفاعل مع الجمهور، وحثّه على اقتناء الكتب وقراءتها، لا الاكتفاء فقط بتشجيع الفرجة، وتدعيم ثقافة التسطيح والتفاهة التي تعمل الميدوقراطية على إشاعتها، في كل وقت.
ولا يمكن للكِتاب أن يُتداول بحق، إذا توقّف تلقّيه على القارئ العربي. وبذلك، لنا الحقّ في أن نحلم ـ نحن الكُتّاب العرب ـ بتولّي وزارات الثقافة، مسؤولية ترجمة إبداعنا الى اللغات الأجنبيّة، وضمان حقّ تداوله في الأسواق العالمية.

ج- الحقّ في المعرفة: لا تقوم الكتابة إلا على خلفية البحث والقراءة. ومن ثمّ، يتعيّن على المسؤولين دعمَ الرّسمال المعرفي لدى الكُتّاب والقرّاء، بتيسير الحق في الولوج الى المعرفة الإنسانيّة بلا قيد وشرط، سواء في المكتبات العموميّة والخاصّة، أو الخزانات الحكوميّة، أو غيرها من المجالات المعتمدة كوسيط للكتاب. فتنميّة المعرفة لدى المواطن لن تتم إلا بإتاحة الوسائط والمجالات الكفيلة برواج الكِتاب، سواء بالمدينة أو القرية والرّيف. ومن ثمّ، فإنّ توفير المؤسّسات المعرفية القمينة بالإغراء بالقراءة، والتحفيز على التحصيل المعرفي الإنساني، من شأنهما تقوية ملكات الإبداع، والمساهمة في صناعة الكتابة المأمولة، التي يحلم بالوصول إليها عدد كبير من كُتّاب وكاتبات هذا الوطن.

 

عبد الكريم بدرخان (شاعر ومترجم سوري): الرقابة شديدة ومتأصّلة
دعني أبدأ من مسألة الرقابة. في الحقيقة أنّ الرقابة على الكتاب في العالم العربي شديدة ومتأصّلة ومتراكمة ومركّبة، فهي تبدأ من الكاتب نفسه الذي يحذف من كتابه عشرات الكلمات والطروحات والأفكار خوفاً من الاصطدام مع الناشر ثم مع القارئ. ثم يأتي دورُ الناشِر وتحفظّاته وخوفه من مصادرة الكتاب أو منع الدار من التوزيع في إحدى الدول، وما يتبع ذلك من خسائرَ مادية. ثم تأتي رقابة المؤسسات الحكومية المعنيّة بمراقبة المطبوعات في كل بلد عربي، وكذلك رقابة اللجان المسؤولة عن معارض بيع الكتب. وبعد هذه الرقابات كلها تأتي رقابة القارئ الذي قد يغضب مما جاء في الكتاب، وقد توافقه على غضبه مؤسساتٌ دينية أو حزبية، فتبدأ حملةٌ منظمة من أجل مصادرة الكتاب ومنعه. وسأقولها بكل صراحة ووضوح، في ظلّ هذه الرقابة الشديدة على الكلمة المنطوقة والمكتوبة، وتحديداً الرقابة السياسية والدينية والاجتماعية، لا يمكن للكاتب في العالم العربي أنْ يُنتج عملاً إبداعياً أو فكرياً ذا قيمةً وأهميّة حقيقيّتين، لا يمكن ذلك أبداً.

في مسألة الترجمة، في الواقع تعاني هذه المهنة الشاقة من الفوضى الذي يعاني منه العالم العربي بالعموم، وغياب المؤسسات، وتخبُّط المعايير، وتراجُع سوق المنتجات الثقافية. فمن حيث المؤسسات الحكومية التي يُفترض منها أنْ تأخذ على عاتقها مشاريع الترجمة الكبرى من حيث النوع والكمّ، تلك المشاريع التي يُفترض منها أن تغيّر وجه الثقافة، نجد أنها قد تحولّتْ في أغلب البلدان إلى مؤسسات بيروقراطية جامدة، تعمل بعقلية العصر العثماني، وتُسيطر عليها حلقةٌ ضيقة من المنتفعين. أما دور النشر الخاصة فهي في الغالب لا تمتلك القدرات المادية لكي تعمل كمؤسّسات حقيقية، ولذلك فهي ما زالت تعمل بعقلية "الدكاكين". بعضها يتلقّى تمويلاً من جهةٍ ما، فيحقّق بذلك نجاحاً سريعاً وحضوراً لافتاً، لكنها تبقى مع ذلك "دكاكين" بعيدةً عن المأْسَسَة ومعايير العمل الواضحة والشفافية المالية.
بالنسبة إلى المترجم فإنّ أصعب ما يواجهه في مهنته هو كيفية تحصيل حقوقه من الناشر، حقوقه المادية والمعنوية، في ظلّ عدم وجود جهة ثالثة مهمّتها الرقابة على دور النشر وحلّ النزاعات بين المترجم والناشر. المفروض أن تكون هناك نقابة للمترجمين في كل بلد عربي، ينتسبُ إليها المترجم ويدفع اشتراكاً سنوياً، في مقابل أن تقوم النقابة بتحصيل حقوقه من الناشر عند حدوث خلاف بينهما، إما عن طريق التراضي أو التقاضي.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.