}

الربيع العربي بين موجتين: دروس الماضي ومستقبل التحوّل الديمقراطي(1)

حسام أبو حامد حسام أبو حامد 21 نوفمبر 2019
هنا/الآن الربيع العربي بين موجتين: دروس الماضي ومستقبل التحوّل الديمقراطي(1)
"ماذا بعد سقوط الأنظمة التي سيطرت على السلطة للآن؟"
في منتصف سبعينيات القرن العشرين، انطلقت من جنوب أوروبا الموجة الثالثة من موجات الانتقال الديمقراطي في العالم، لتتمدد خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، في بلدان أميركا اللاتينية، وآسيا، وأفريقيا، وشرق أوروبا ووسطها، بينما بقيت آفاق التحولات الديمقراطية غير مؤكّدة إلى حد كبير في العالم العربي، الذي نُظر إليه بأنه يمثل استثناءً على هذا الصعيد. لكن انطلاق الموجة الأولى من الربيع العربي، في أواخر العام 2010، أطاح هذه الاستثنائية المزعومة، وبدا أن العالم العربي على موعد مع التغيير الذي طال انتظاره، وأن عقودا من استبداد عربي معاصر قد ولت وإلى الأبد، لتتحرر الشعوب العربية من تلك "الصفقة الفاوستية" التي كُرّست، في غياب العقد الاجتماعي أساساً للدولة الحديثة، صيغةً أساسيةً للعلاقة بين الشعوب العربية وحكامها، يحصل بموجبها المواطن على الأمن والخدمات لقاء ولائه للنظام السياسي. لم تعد الشعوب تقبل أن تحتكر تلك الأنظمة إدارة شؤونها، والفشل فيها في الوقت نفسه.

موجة أولى
منذ تسعينيات القرن العشرين، انتقلت دول عربية كانت محسوبة على المعسكر الاشتراكي، من اقتصادٍ موجّه نحو القطاع العام، إلى اقتصاد السوق. ومع ترسيخ عمليات الخصخصة، لم يستطع القطاع الخاص توفير ما يكفي من فرص عملٍ وفّرها سابقا القطاع العام، على الرغم من عثراته اقتصاديا تنمويا، لترتفع البطالة بين صفوف الشباب إلى مستوياتٍ غير مسبوقة، نمت معها عدم المساواة الاقتصادية.
وتطلعت الفئات الاجتماعية، المهمّشة والمقموعة المستبعدة من فوائد التنمية الاقتصادية، إلى الحصول على مزيد من الحرية والمشاركة السياسية، في ظل انفتاح على العالم الخارجي بفضل التطور الهائل في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وقد تراكمت عوامل اقتصادية وسياسية، وغيرها من عوامل أساسية تفاعلت سنوات لتدفع في اتجاه حيّز ديمقراطي في المنطقة، وأدت الدوافع المباشرة في بعض الدول العربية إلى خروج المعارضة من قيودها الحزبية، الضيقة والمعطّلة غالبا، ممتدةً إلى فئاتٍ كانت قد أقصيت من المجال العام، على شكل انتفاضات جماهيرية.

اكتسحت موجة أولى من الانتفاضات المنطقة العربية، وتساقط المستبدون كأحجار الدومينو، وانتعشت آمال الملايين ظنّا بأن حريات سياسية وحياة كريمة باتت قاب قوسين أو أدنى، وأن العالم العربي يسير في ذات الطريق التي سارت فيه دول أوروبا الشرقية، بعد سقوط جدار برلين، وأنه ستكون له حظوظ مشابهة لحظوظ دول أميركا اللاتينية التي تخلصت، بعد عقودٍ، من حكم الديكتاتوريات العسكرية.
كانت الظروف مختلفة؛ حصلت تلك الدول على مستوى مناسب من دعم الأسرة الدولية، لتصبح دول في أوروبا الشرقية أعضاء في النادي الديمقراطي الغربي ومؤسساته، العسكرية والمدنية (الناتو، الاتحاد الأوروبي)، وتوفرت لدول أميركا اللاتينية حُزم مساعدات سخية من واشنطن، ومن جهات دولية مانحة، واستوعبها نموذج إقليمي إيجابي، هو منظمة الدول الأميركية. هذا الاحتواء وفر دفعا إلى الأمام لتحولاتها الديمقراطية، وهو ما لم يتوفر لدول العالم العربي.
باستثناء تونس، التي استكملت مسيرتها الديمقراطية، كانت نتائج تلك الانتفاضات في عمومها كارثية؛ قمعت الأجهزة الأمنية والعسكرية المظاهرات السلمية، وأطلقت نيرانها على المتظاهرين، تسلحت انتفاضات، واخترقتها السلفيات الجهادية، ودخلت البلاد في حروب أهلية تدار بالوكالة الإقليمية والدولية (سورية، ليبيا، اليمن). وتلاشى النجاح الجزئي (مصر)، بعد الانقلابات العسكرية، والثورات المضادة الممولة من بعض دول خليجية. وطوّرت الأنظمة الاستبدادية في المنطقة آليات معزّزة للقمع، وأحلّت الإكراه الوحشي محل الحوار، وبدا أنها نجحت في ترويع شعوبها.
أصبح قمع الناشطين أكثر قسوة، وفضلت دول كالأردن والمغرب إجراء إصلاحات سياسية لتحقيق الاستقرار وامتصاص المد الجماهيري الغاضب، وحالت القبضة الأمنية والريعية النفطية والنسب العالية من السكان غير المواطنين دون انتفاضات مشابهة في دول خليجية. واستجرّت الانتفاضات تدخلا إقليميا ودوليا في الشؤون الداخلية، استُثمر لتحقيق أجنداتٍ خارجية، أو لتثبيت الأنظمة التي زعزعتها الانتفاضات. والدول التي خضعت للاستقطاب الناجم عن الصراع كانت أكثر تعثّرا، وتم استبدال الصراع على السلطة بمطلب التغيير الديمقراطي.
بعد عقود من غياب سيادة القانون، والافتقار إلى المعارضة السياسية الديمقراطية المنظمة، لم تتوفر المؤسسات الديمقراطية العاملة الفاعلة. أسقطت الانتفاضات العربية أربعة أنظمة ديكتاتورية في سنة واحدة، ولم يكن كافيا التخلص من رأس النظام فقط، بدون إرساء تلك المؤسسات. تبين أنه لا يمكن التركيز على مهمة التخلص من المستبد بإصرار كبير، مع تفكير محدود، وتخطيطٍ ضعيف، بشأن سؤال: ماذا بعد؟ وحول امتلاك قوى التغيير، المسيطرة حديثا على السلطة السياسية، استراتيجية اجتماعية اقتصادية شاملة وقدرتها على وضع حدّ لاستحواذ النخبة على القطاع العام، وتفكيك تحكّم الدولة العميقة في مفاصل الاقتصاد الوطني. ومع الفشل هنا وهناك. انسحبت الجموع الغفيرة من الشوارع والساحات ولكن أوجاعها بسبب غياب الفرص الاجتماعية والسياسية ظلت تقض مضاجعها.


النهر ضد المستنقع
في محاولة استشرافية تعتبر مبكرة، يذهب الأكاديمي الفلسطيني خالد الحروب ("في مديح الثورة: النهر ضد المستنقع"، بيروت: دار الساقي 2012) إلى أن "الحرية هي الآلية الوحيدة التي تمنع تحول المجتمعات المستقرة إلى مستنقعات"، فالمجتمعات العربية، بسبب وطأة الاستبداد، تحولت إلى مستنقعات، حين شلّ هذا الاستبداد تلك المجتمعات وامتص ثرواتها، واستنزف كل طاقتها، فمنعت "سيطرة حكم الفرد الواحد، والحزب الواحد، والعائلة الواحدة، بروز أية منافذ حقيقية للإصلاح التدريجي أو البطيء إلا في حالات قليلة... كان يتم تنفيس الاحتقانات... في المقابل، دافع الاستبداد عن وضع المستنقع كما هو، مبقيا على آليات تراكم التعفن وتأكل ما تبقى من الجسم الحي في المجتمع، وتؤبد الاحباط وتبذر بذور الغضب القادم والثورة الشاملة، وتستدعي تدفق النهر وفيضانه الكبير حلا أخيرا ولا بديل عنه".
هكذا نقف مع الحروب على مفترق طرق عسير: إما التمسك بالمستنقع، وإما الانحياز للنهر المتدفق الذي سيجرف المستنقع ويقضي على العفن. إنه خيار صعب تنبع صعوبته من أن النهر/ الثورة ستنطلق بعد عقود بكل طاقتها المكبوتة وقد لا نعرف بأي اتجاه سوف نسير معها بعد جرفه المستنقع. برأي الحروب: هنا تكمن "المقامرة الكبرى".

لكن بقدر ما تكون الثورة "مقامرة" فإنها أيضا قدر محتوم، فاندفاع النهر ما هو إلا مسألة وقت "تحوم حول سؤال متى سيندفع النهر؟ وليس في ما إن كان سيندفع أم لا؟". لا مناص من المقامرة. وإلا "سنظل نغوص في مستنقعاتنا للأبد". والانحياز للنهر/ الثورة إذاً هو أيضا "وبوعي كامل، انحياز مُقامر"، فلن تظهر الواحات الخضراء مكان المستنقع مباشرة، فقد دام تفوق شريحة معينة واستبدادها بغيرها من الشرائح عقودا، وتحتاج شعوبنا إلى زمن يمضي "كي تتقن ممارسة الحرية من دون اعتداء على الآخرين ومن دون الانزلاق إلى مهاوي استبداد جديد".
يتعامل الحروب مع لحظة سقوط الأنظمة بعد ضغط الحشود في الشوارع بأنها لحظة غير مستدامة، لكونها مغرقة في المثالية، استطاعت توحيد الشعب على هدف اسقاط النظام الفاسد، لكن هذا الإسقاط هدف مرحلي سيتلاشى بعده التلاحم و"تعود التنافسات الطبيعية بين المجموعات المختلفة للظهور وطبع المشهد بصراعاتها. بل أكثر من ذلك، تأخذ هذه التنافسات والصراع بين المجموعات والأحزاب المختلفة أشكالا أكثر حدة لأنها تتم الآن في مناخ الحرية وليس القمع، وهذا كله شيء طبيعي. لكنه بالنسبة للغالبية الكاسحة من الرأي العام تحول مُحبط، مُربك، ومثير للخوف على الحاضر والمستقبل، ويدفع جزءاً من ذلك الرأي العام إلى الترحم على أيام المُستبد حيث كانت الحياة "مستقرة"! "مستقرة" نعم، لكنه كان استقرار الاستبداد وليس استقرار الحرية. إنه "استقرار القبور" باستعارة توصيف صادق جلال العظم لحال الأمن والاستقرار التي تفاخرت بها أنظمة الاستبداد العربي طويلا".



موجة ثانية
لم تحقق الموجة الأولى من الربيع العربي الإصلاحات العاجلة المطلوبة، وربما أصبحت حياة الكثيرين بعدها أكثر صعوبة، مع استمرار البطالة، وتدني الأجور، وأنظمة التعليم التقليدي، وعدم تكافؤ الفرص، وفقدان الحريات.. لكن تلك الموجة، حسب ظني، أحيت على المدى الطويل الطاقات السياسية في العالم العربي، وأبقت على الحراك الاجتماعي، لتبرهن الموجة الثانية أن الطلب على الحرية والعدالة ما زال مرتفعا بين شعوب المنطقة.
إن إخفاقات الموجة الأولى منحت المستبدين وهما بأن الشعوب ستفضّل الاستقرار على الحرّية، ولم تستوعب أنظمة الاستبداد الدرس جيدا، واستمرت بالاحتماء بسلطويتها، ولم تُحسن استغلال فُرص التهدئة التي منحها إياها الشارع لإجراء الإصلاحات السياسية والاقتصادية المطلوبة، فكان عليها مجدّدا مواجهة شارع منتفض، لم تعد تُجدي معه نفعا محاولات تشويهه سياسيا وأخلاقيا، ولا تخويفه بنظريات المؤامرة، أو ترهيبه بالفوضى والفراغ، ويقاوم الشارع العربي اليوم محاولات إعادة تدوير السلطة لإعادة إنتاج النظام القديم.
على العكس، استوعبت الشعوب دروس الموجة الأولى، وتجاوزت بعض أخطائها، فبدا الشارع العربي اليوم أكثر خبرة، وأكثر تمسّكا بسلمية الحراك الجماهيري، برغم القمع العنيف، وبدا المتظاهرون أكثر ثقة بالنفس، وتأكّد انعدام ثقتهم ليس بالنظام السياسي ورموزه وحسب، بل أيضا بالأحزاب السياسية حتى المُعارِضة منها. وإلى جانب الحكومات، يضع المحتجون قوى المعارضة في سلة العجز عن الوفاء بوعود الإصلاح، ويفضّلون المغامرة انطلاقا من "صفر سياسي".

ورغم تنوع انتماءات المشاركين في انتفاضات الموجة الثانية ساد شعور عام بالوحدة، وغابت الأيديولوجيا التي سبب حضورها توترا حاسما أسهم في إفشال الموجة الأولى. لم تسقط الأنظمة بالسرعة المطلوبة، لعدم توافر دعم خارجي مباشر، لكن ذلك انعكس إيجابا، موفرا على المتظاهرين مكابدة عناء الولاءات المتضاربة، والارتهان إلى الخارج، مانحا إياهم فرصة الاعتماد على الذات، واكتساب الخبرة عبر المراحل الانتقالية.
استطاع التونسيون سد الفراغ المؤسساتي، بعد إطاحة زين العابدين بن علي، بأن سارعوا إلى المأسسة وتدعيم روافعها الديمقراطية، فأثبتت مؤسساتهم الفتية جدارتها في العملية الانتقالية، وكذلك في تأمين تداول سلمي للسلطة بعد رحيل الرئيس الباجي السبسي. لكن في غيرها، أدّت حالة الفراغ، وعجز المعارضة عن تطوير مؤسسات تشريعية وحزبية ديمقراطية، إلى جانب عوامل أخرى، إلى انهيار الدولة وتغوّل السلطة، والدخول في دوامة الحروب الأهلية، أو إلى نجاح الدولة العميقة في ثورتها المضادة.
تواجه الموجة الثانية لا سيما في الجزائر والسودان مخاطر جدّية على طريق ضمان بناء دولة بمؤسساتٍ فاعلة، ذات كفاءة في إدارة الشؤون الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية، في ظل تصدّع الأحزاب السياسية، وحالة عدم الاستقرار السياسي. ولا تبدو مخاطر انعدام الفراغ المؤسساتي أقل حدة في حالتي لبنان والعراق، المتمتعين بنظامين ديمقراطيين، لكنهما قائمان على المحاصصة الطائفية التي كانت سببا رئيسيا لفساد المؤسسات وفشلها، وعجز الحكومات، وعرقلة تشكيلها. مع ذلك، حطمت الاحتجاجات، ورد الفعل العنيف من السلطة لا سيما في العراق، أسطورة الطائفية التي ترعاها الدولة، بوصفها مبدأ تنظيميا للسلطة السياسية. لكن مهمة المتظاهرين هنا أصعب مع طائفيةٍ تشكل جزءاً من الهياكل السياسية الأساسية. ومع عفوية المظاهرات وزخمها، حجب تركيز المتظاهرين على المطالب الاجتماعية والاقتصادية بلورة بديل سياسي واضح المعالم، ما يهدّد مستقبل هذه التظاهرات وإنجازاتها، سيما وأن وكلاء الطوائف في كلا البلدين ما زالوا يدافعون بقوة عن سياسات الهوية الطائفية التي تؤمّن مصالحهم، مراهنين على بقاء التنافر المجتمعي لعرقلة مظاهرات الوحدة الوطنية، ما يثير القلق حيال قدرة المشاعر العلمانية التي تسود الشارعين، العراقي واللبناني، على الصمود طويلا في وجه الهياكل السلطوية الطائفية الراسخة. في حال نجاح هؤلاء الزعماء، ومع الإنهاك في معركة الشارع طويلة الأمد، قد يكتفي المتظاهرون بوعودٍ للإصلاح، أو بإصلاحات جزئية تتم تحت عملية الفساد ذاتها التي تقودها النخب الحاكمة.
القضاء على الطائفية السياسية، ومستلزماتها من المحاصصة على الدولة، قد يحتاج إلى أكثر من تمرّد شعبي، عفوي، بل على المتظاهرين إعادة تنظيم صفوفهم لإنتاج حراك ثوري منظم، مدعوم بحركة سياسية ذات قاعدة جماهيرية عريضة، وقيادة سياسية مسؤولة، تحوز شرعية تمثيل قاعدتها الشعبية التي تمكنها من النجاح في أي عملية انتخابية قادمة، والمشاركة في صياغة دستورٍ جديد، وضمان بناء مؤسساتٍ ديمقراطيةٍ فاعلةٍ، تسمح بتوسيع قاعدة صنع القرار، في ظل دولةٍ مدنية.
أصبح الربيع العربي يوتوبيا تعارض الواقع بالمثال، وتلهم ملايين من الجماهير العربية هنا وهناك، وسيبقى هذا الإلهام مستمرا في ظل استمرار الواقع الذي يعارضه مثال اليوتوبيا، والذي يبدو أسوأ مما كان عليه قبل عام 2010.



بشارة: ثورة ثقافية ورقي مهم 
لمستقبل الشعوب العربية
مؤخراً أكدّ الباحث والمفكر الدكتور عزمي بشارة، مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، عبر لقاء مطوّل مع التلفزيون العربي حول الموجة الثانية من الربيع العربي في كل من العراق والسودان والجزائر ولبنان، أن الحراك الشعبيّ في العراق يعد اكتشافاً للهوية الوطنية وعابراً للطائفية، وأشار إلى أن الحدس والوعي الجماعيين كان لهما الفضل في الربط بين الطائفية وفساد الطبقة السياسية. ورأى أن النخبة السياسية من زعماء الطوائف نهبت البلاد باسم طوائفها وتشكلت حولهم شبكات زبائنية تتقاسم موارد الدولة بل ووظائفها ما أصبح يعلي من قيمة الولاء الطائفي على حساب الكفاءة وهو ما يضر بالتنمية. وقال إن الحراك الحالي في لبنان والعراق هو ثورة ثقافية ضد الطائفية قد تخرج عنها حركات مواطنيّة ديمقراطية تجمع كل الطوائف ولكن بشرط تغيير نظام الانتخابات لأن الشكل الحالي لا يسمح لقوى ديمقراطية بالنفاذ إلى البرلمان. وحول مشهد الاحتجاج العراقي، قال إن الشعب العراقي رفض إفقاره باسم الطائفية لا سيما في بلد هو خامس منتج للنفط على مستوى العالم. وتابع أن الاحتجاج على النفوذ الإيراني أثبت أن الشباب العراقي يرفض الولاء لدولة أخرى باسم الطائفية مشيراً إلى أن هذا تجلى أيضاً في أحد شعارات الحراك وهو "نريد وطن" والذي رأى البعض أنه يعني "نريد دولة".


وتطرّق بشارة إلى الانتفاضة الثورية في لبنان فقال إنها جاءت في وقت زادت فيه الطائفية السياسية بشكل كبير إلى حد تحديد كل طائفة أسماء الوزراء المنتمين لها، وأشار إلى أن لبنان الدولة العريقة التي شهدت في السابق تطوراً اقتصادياً وصل إلى مجالي الزراعة والصناعة عانى من الطائفية السياسية والفساد إلى حد عجزه الآن عن توفير الكهرباء لمواطنيه. وقال إنه لا يعتقد أنّ الانتفاضة الثورية في لبنان قامت ضد حزب الله بل إن لها طابعاً أشمل ولكن الاحتقان الذي تحدث به الحزب صورها وكأنها ثورة ضده، ولفت إلى أن حزب الله استثمر للأسف إنجازات المقاومة ضد إسرائيل لتوسعة نفوذه في لبنان، وإلى أن الحزب قلق من التحركات لأنه تحوّل من حزب مذهبي متشدد مقاوم إلى حزب طائفي بات مهتماً بالوظائف والوزارات إلى حد التحالف طائفياً مع فريق يحرض ضد الفلسطينيين ويغازل إسرائيل.
كما رأى بشارة أن حراك الشباب منذ عام 2011 أظهر أن هناك جيلاً غير منقسم أيديولوجياً وتحركه القيم والأخلاق واصفاً ذلك بأنه ثورة ثقافية ورقيّ مهم لمستقبل الشعوب العربية رغم ما يحيط بذلك من عفوية زائدة قد تقود إلى الشعبوية، وقال إن الحراك الشعبي الذي ليس له قيادة في كل من لبنان والعراق والجزائر لا يجب أن ينزلق إلى الشعبوية بحيث يكون رافضاً لكل القيادات وكل النخب لأن الحراك إن لم يتبلور في حركات سياسية سيذهب إلى البيت وتتولى الأحزاب القائمة القيادة وإدارة البلاد.
وبرأي بشارة فإن شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" نفسه هو شعار إصلاحي لأن الثورات تسقط النظام ولا تطلب منه إسقاط نفسه. وأشار إلى أن أبحاثه خلال الفترة الماضية، والتي اهتم خلالها بموضوع الانتقال الديمقراطي، وسينشر آخرها قريباً، كشفت أن الحراك الشعبي في عدد من الدول العربية يمثل ما أطلق عليه "ثورات إصلاحية". وفي هذا السياق أشار إلى أن الانتفاضات الثورية في كل من العراق ولبنان والجزائر لا قيادة لها لذا تحتاج إلى حوار مع القوى القائمة الراغبة في الإصلاح في حال كان الهدف الانتقال إلى الديمقراطية لأن الثورات التي تسقط الأنظمة بالكامل لم تسفر عن ديمقراطيات بما في ذلك الثورة الفرنسية التي لم تتحول إلى ديمقراطية إلا بعد مرورها بمراحل من اللبرلة.
وعند تناول الشأن الجزائري قال بشارة إن الجزائر يعيد كتابة التاريخ لأن الحراك أفرز معارضة ديمقراطية ليس لها طابع إسلامي أو شمولي كما كان في السابق. وقال بشارة إنه لا يستطيع الجزم بنوايا الجيش لكن ما يراه هو أن الجيش تحرك وتخلص من بوتفليقة والمجموعة المحيطة به ولم يطلق الرصاص على المتظاهرين. وأضاف أنه في حال لم يكن للجيش طموح سياسي فالجزائر متجه نحو ديمقراطية. وقال إن حواراً كان من الواجب أن ينشأ بين الحراك الشعبي والجيش كقوة مسيطرة لأن هذا أفضل السبل للانتقال الديمقراطي.
وفي حالة السودان رأى بشارة أن الاتفاق الحالي كان الخيار الوحيد المتاح لتجنب تصعيد قد يصل إلى حرب أهلية، ولكن رأى في الوقت نفسه أن أمر طموح الجيش في الحكم لم يحسم بعد لأن هناك من بين العسكريين من يريد أن يحكم، وأشار إلى أن هناك مشكلات تواجه التسوية السياسية الحالية من بينها وجود قوى خارج هذا الاتفاق مثل الشيوعيين والإسلاميين إلى جانب مشكلة الفصائل المسلحة.
في ختام الحوار قال بشارة إن حدثين كبيرين أدخلا الحركات الإسلامية السياسية في أزمة وهما فشل أو إفشال حكم الإخوان المسلمين في مصر ما أوصل البلاد إلى حكم عسكري دموي، إضافة إلى ظهور تنظيم الدولة الإسلامية وما تبعه من أحداث. وأكد أن عدم تصدر الحركات الإسلامية للحراك الشعبي في الجزائر والعراق ولبنان والسودان حمى هذا الحراك وأن هذا سيستمر لفترة إلى حين خروج تلك الحركات من أزمتها والتصالح مع نفسها ومع الديمقراطية.

*****

نفتح هنا ملفاً خاصاً نتناول فيه المقارنة بين موجتي الربيع العربي (أو نسختي الربيع العربي)، ومدى استفادة كل من الشارع والنظام من دروس الموجة الأولى، وانعكاسات ذلك على فرص الموجة الثانية. ألسنا مجددا أمام السؤال: ماذا بعد سقوط الأنظمة والنخب التي سيطرت على السلطة حتى الآن؟ هل بلورت تلك الموجة التي لا تزال بدون رأس سياسي ملامح العقد الاجتماعي الذي ستقوم عليه دولة المواطنة؟
توجهنا بهذه التساؤلات إلى عدد من المثقفين العرب؛ باحثين وكتاباً، شاركوا معنا مشكورين في طرح آرائهم تعميقاً لفهم الموضوع، وتعزيزاً للنقاش المستمر حوله.

[غداً الجمعة نبدأ بنشر الجزء الأول من هذه المشاركات]

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.