}

الشعبوية: "نحن الشعب، فمن أنتم؟".. من المصطلح إلى المفهوم(6)

حسام أبو حامد حسام أبو حامد 5 أكتوبر 2019
هنا/الآن الشعبوية: "نحن الشعب، فمن أنتم؟".. من المصطلح إلى المفهوم(6)
لوحة "الحرية تقود الشعب" ليوجين ديلاكروا بمتحف اللوفر

نتابع في "ضفة ثالثة" ملفا حول الشعبوية سياسياً وثقافياً، استطلعنا فيه آراء عدد من الباحثين والكتاب المهتمين بالظاهرة في تجلياتها المتنوعة، وما يتصل بها نظرياً وعملياً، بهدف مزيد من التأمل الفكري يكون مفيداً على طريق التأسيس لجهد بحثي قادر على الانتقال بالشعبوية من مستوى المصطلح إلى مستوى المفهوم، حتى يتيح القبض المفهومي على الظاهرة إمكان القدرة على التعامل معها وتوجيهها. وهي دعوة ستبقى مفتوحة لكل من يرغب في إثراء هذا النقاش.
هنا الجزء السادس من هذا الملف:



معين الطاهر، كاتب وباحث فلسطيني: 
بين الشعبي والشعبوي
ربما تنحو هذه المداخلة منحًى مختلفاً عمّا كتبه الزملاء الأفاضل، على أهميته، فهي تبتعد عن محاولة التأطير النظري لمفهوم الشعبوية، وتقترب أكثر من تطبيقاته على المستوى العملي، وتلمّس تأثيراته، إيجابية كانت أم سلبية، وإلى أي مدى يمكن رسم حدّ فاصل بينهما، باستخدام نماذج عدة من السياسة والتاريخ.
بداية، يعتقد كاتب المقالة أن ثمة حاجة للتمييز بين مفهومي الشعبية والشعبوية في استخدامهما الواقعي؛ فالشعبوية، من وجهة نظر الكاتب، هي ذلك الانقياد الجارف الذي يستحيل واقعاً يصعب نقده أو مقاومته أو تطويره، ويقف حائلاً في وجه أي تغيير، مستنداً إلى ما حققه في الماضي على الأغلب الأعم. أما الشعبية، فهي مدى اكتساب الفرد أو الفكرة أو التنظيم قبولاً عاماً، وهي ضرورة لازمة لنجاح تلك الأفكار وأدواتها، ومن دونها تنعزل النخب، وتقيم في أبراج عاجية، وتفقد بذلك حتى قدرتها على الإبداع التي تُستمد من الإحساس بالواقع ذاته، والتعايش معه وفيه. كما تفقد الديمقراطية معناها، وتذوي التنظيمات وتموت. وهي شعبية يمكن ضبطها بضوابط تحول بينها وبين تحوّلها إلى شعبوية، وإن كانت هذه وصفة غير مضمونة دائماً، خصوصاً إذا تسلّط الفرد والأيديولوجيا على المجتمع

كم من تنظيم أطلق على نفسه اسم "حزب الشعب"، حتى وإن كان في تكوينه الفكري يمثّل طبقة منه، مثل الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي استبدل اسمه من حزب للطبقة العاملة إلى حزب للشعب! وهو ما قمنا به نحن، مجموعة من الشباب ذوي الميول اليسارية المنتمين إلى حركة "فتح"، في السبعينيات، حين أطلقنا على أنفسنا اسم "خط الشعب" أو "خط الجماهير". وبعيداً عن النوايا الطيبة التي اجتاحتنا بضرورة تمثّل أماني الشعب ومطالبه وعاداته وتقاليده وأهدافه، فإن مختلف تلك المسمّيات هي تعبير عن حاجة أي تنظيم أو تيار للشعبية كي يزعم أن له صفة تمثيلية تؤهله للقيادة والتوجيه.
من المفترض ضبط هذه الشعبية عبر أدوات مختلفة حتى لا تتحوّل إلى شعبوية، ومن هذه الأدوات اللوائح الداخلية، والحياة الديمقراطية، والانتخابات وتداول السلطة، والقبول بوجود أقلية، واحترام رأيها وحقها في أن تتحوّل إلى أكثرية.
تنمو الشعبوية وتتكاثر في ظل نظام الحزب الواحد، أو سيطرة العسكر على مقاليد البلاد، أو هيمنة عقيدة أو أيديولوجيا بعينها. هنا، يُختزل الشعب بالحزب الذي يُختزل بدوره بالقائد وأفكاره الملهمة، وتُرتهن العقيدة لأيدي ممثّليها، ويصبح نقد برامجهم نقداً للعقيدة ذاتها، وكفراً وتجديفاً. كما يصبح نقد الأيديولوجيا انحرافاً عن الطريق القويم، وخيانة كبرى.
تاريخنا القديم والمعاصر حافل بالأمثلة على ذلك كله؛ تحوّلت شعبية جمال عبد الناصر إلى شعبوية لا مثيل لها، حتى استحال في حياته إمكان نقده أو معارضته، بما في ذلك من قبل أقرانه الحكّام العرب، دون أن يُقدموا على مخاطرة تتعلّق بشعبيتهم هم؛ هُزم في حزيران/ يونيو 1967، ولم يتحمل مسؤولية الهزيمة، ولم يكن غيره ليجرؤ على قبول مشروع روجرز في عام 1970. شكّلت شعبويته حماية لمشروعه الوطني، لكنها في الوقت ذاته شكّلت خطراً على تقدّم المشروع واستمراره.
كان ياسر عرفات نموذجاً آخر للزعامة الوطنية التي اكتسبت شعبوية جارفة؛ أطلق ثورة مسلحة، رافعاً شعار تحرير فلسطين كلها بالكفاح المسلح، ثم قدّم أكبر تنازل تاريخي حول الحقوق الفلسطينية في اتفاق أوسلو، ليعود وينقضّ عليه لدى محاولته إشعال الانتفاضة الثانية.
كلا المثالين السابقين يقودان إلى نتيجة واحدة؛ من الصعب أن تصنع إلهاً وتعارضه، فمشيئة الآلهة مقدسة، وإذا أردت أن تعصيه فلا مناص من أن تخرج من جنته. مهم وضروري أن يكون للقائد كاريزما وشعبية، لكن تحوّلها إلى نمط من الشعبوية يؤذن بمخاطر جمّة، تقود حتماً إلى انهيار الأفكار التي وُلد من رحمها.
ما ينطبق على شعبوية الأفراد ينطبق تماماً على الأفكار والجماعات؛ ماذا لو تناولنا ذلك الشعار الذي راج في صفوف الحركات الإسلامية "الإسلام هو الحل"، كيف يمكن نقضه أو معارضته دون أن يبدو ذلك معارضة للإسلام ذاته؟ طبعاً من الممكن تقديم أي برامج عملية تستند إلى مرجعيات إسلامية أو غيرها، ولكن باعتبارها برامج يقدّمها بشر يصيبون ويخطئون، وهي برامج قابلة للصواب كما هي قابلة للخطأ، ونقدها هو نقد للعاملين عليها. إن هذا النمط من الشعارات الشعبوية التي لديها قدرة عجيبة على حشد الجمهور، دون أن تقدّم له برامج واضحة، يعيق النقد، ويلغي العقل، ويمنع التطور والتقدّم.

على أن ثمة مفهوماً آخر أكثر خطورة، على ما أعتقد، وهو ما يمكن أن يوصف باسم "الشعبوية السلفية"، بمعنى تلك الشعبوية التي تستند، في أفكارها وتعبئتها وحشدها، إلى الماضي، ولعل ذلك يتمثّل في مثالين اثنين؛ أولهما الحركات الدينية التي تعتبر أن ما اجترحه السلف الصالح يشكّل برنامجاً للحاضر. وثانيهما، نراه في حركة "فتح" التي ما زالت في الانتخابات النقابية التي تخوضها تتجاهل بالمطلق واقعها الحالي تحت الاحتلال، والاتفاقات التي عقدتها مع العدو الصهيوني، وسياسات التنسيق الأمني، لتذكّر الجمهور الناخب بأنها كانت أول الرصاص وأول الحجارة، وتطالبه بأن ينتخبها على هذا الأساس، لتعيش الحاضر المؤسف على وقع ماضٍ مزدهر.



أنطوان شلحت، كاتب فلسطيني:
الشعبوية في إسرائيل حالياً.. الحاجة إلى "قائد الشعب"
تتحدّد النزعة الشعبوية في إسرائيل في الوقت الحالي أكثر من أي شيء آخر في ترويج المقولة التي اعتُمدت عنواناً لهذا الملف- "نحن الشعب، فمن أنتم؟". وهي تشهد تبنيّاً مُطلقاً من جانب رئيس الحكومة الحالية وزعيم اليمين وحزب الليكود الحاكم بنيامين نتنياهو، وتفاقمت إثر الكشف عن تورطه أخيراً في عدة شبهات فساد.
والحقيقة أن الشعبوية في إسرائيل سبقت نتنياهو واتسم بها رؤساء حكومة سابقون، لكنه قد يكون استلهمها أو ورثها عن الزعيم التاريخي لحزب الليكود مناحيم بيغن. ويعتقد كثيرون أن هذا الأخير ألقى عشية انتخابات الكنيست عام 1981 أحد الخطابات الأكثر شعبوية في تاريخ دولة الاحتلال. وقد خاطب فيه جماهير المحتشدين في تجمع انتخابي نظمه حزب الليكود في قلب تل أبيب، وحدّد خلاله لهجة ما يعرف باسم "الخطاب الطائفي" منذ ذاك اليوم وحتى يومنا هذا. وقبل الخطاب بيوم واحد، وفي سياق اجتماع انتخابي نظمه حزب "المعراخ" (سلف حزب العمل وخلف حزب مباي) في المكان نفسه، كان أحد الفنانين المشهورين أقام فصلاً طائفياً بين المهاجرين من أبناء الطوائف الشرقية حين مايز بين "الرعاع" من "قلعة زئيف" (مقر حزب الليكود)، الذين وصفهم بأنهم "حراس (يحرسون مداخل القواعد العسكرية ومعسكرات الجيش)، إنْ كانوا يخدمون في الجيش أصلاً" وبين "الجنود وقادة الوحدات القتالية ووحدات النخبة" الذين يمثلون ناخبي المعراخ. وجيّر بيغن هذا وجعله لائحة اتهام ضد "المعراخ" الذي ينتهج سياسة الفصل والإقصاء على أساس طائفي، بينما في الواقع "أشقاء نحن كلنا، كلنا يهود، كلنا متساوون!"، وأضاف أن الأمر يبلغ حدّ "الكفر"ـ "أن يجري المسّ بكرامة سبط كامل في إسرائيل، مثلما فعل المعراخ في هذا المكان".

وفي مقالة بعنوان "نحن الشعب (أنتم لا!) ـ شعبوية احتوائية وشعبوية إقصائية في إسرائيل"، نشرت عام 2010، اعتبر الباحث داني فيلك، من قسم السياسة والحكم في كلية العلوم الإنسانية في جامعة بئر السبع، أن خطاب بيغن ذاك لم يكن مجرد خطاب شعبوي آخر، وإنما كان خطاباً مؤسِّساً تجسدت فيه دلالات كثيرة عن فكرة الشعبوية الإسرائيلية. فأولاً وقبل أي شيء آخر، كما يقول فيلك، أبرز بيغن فكرة "كلنا" في السياق السياسي، التي "لا ترمز إلى الأمّة بأكملها فحسب، بل أيضاً يشير إليها بكونها وحدة ذات مميزات إثنية فريدة" ويجزم بأن من ينتمي إلى "كلنا" هذه فهو متساوٍ مع الجميع. وبذلك أراد بيغن تفكيك خرافة حركة العمل بشأن الطلائعيين المحاربين الذين قدموا من أوروبا إلى أرض قاحلة فأحيوها، واستبدالها بأسطورة اليهودي المحارب الذي يضحي بحياته من أجل "الأمة" كلها ـ تضحية متساوية يبذلها الأشكنازي (الغربي) والسفارادي (الشرقي)، وكلاهما يهوديان في الجوهر ـ وهو فعل ذلك بنجاح فائق من خلال تجنيده الجمهور الواسع لمحاربة نُخب حزب "مباي" القديمة.
وتشكل إسرائيل أرضية مريحة وخصبة لنشوء حركات شعبوية، على خلفية الصراع المستمر القائم فيها دونما حل، في مسألة إقصاء مجموعات اجتماعية مختلفة أو احتوائها. وهذا الوضع يخدم الشعبوية جيداً، إذ تستخدمه في بناء وتشكيل هوية المجموعة، ثم تصويرها وكأنها تتعرض للتهديد أو الإقصاء من مراكز القوة السياسية، نتيجة ممارسة نخبة ما تمنع المجموعة من تحقيق ذاتها ـ تحقيق كان قائماً في الماضي، ظاهرياً، وبالإمكان أن يعود ليتحقق من جديد، إلا إذا جرى إحباط ذلك بفعل أعداء خارجيين. والتهديد الذي تتعرض له "الأمة" و"كلنا" قد يكون من الداخل أيضاً، من طرف "خونة" يتعاونون مع الأعداء، أو حين يضع الأفراد مصالحهم الذاتية قبل المصلحة العامة. وهكذا تطالب الشعبوية كل فرد، فعلياً، بالتضحية بنفسه من أجل "كلنا". وبذا، فإن الشعبوية هي تجسيد للأيديولوجيا التي تنزع إلى إبراز خصوصية المجموعة قياساً بالمجموعات الأخرى، إضافة إلى أسبقية المجموع على الفرد. ومن هنا مصدر المطلب المطلق بالتضامن التام والكامل مع من يعبر عن روح المجموعة ويقودها إلى هدفها.
وباختصار يمكن القول إن بيغن دعا إلى تصفية نُخبة حزب "مباي" القديمة واستبدالها بـ"سلطة الشعب". ومن المُلاحظ أن نتنياهو أعلن فور عودته إلى سدة الحكم عام 2009 "الحرب على النُخب"، واتهم الناطقون بلسانه بيغن بأن دعوته السالفة بقيت أشبه بصرخة في واد ولم تُمارس في الواقع الميداني. ومع أن هؤلاء الناطقين اعتبروا أن بيغن نجح في تحقيق ما أسمي "انقلاب 1977" الذي كان واشياً بهزيمة "اليسار الصهيونيّ" سياسياً وصعود اليمين إلى الحُكم، إلا إنهم في الوقت عينه شدّدوا على أن نجاحه هذا اقتصر على "إعادة ترتيب الأثاث داخل البيت"، لكنه فشل في "نقل البيت كلّه"، وبالتالي كان محدوداً. وترسم تصريحات هؤلاء باستمرار صورة واحدة وحيدة هي عبارة عن أغلبية مستبدة تُعدّ نفسها أقلية مضطهدة في أرضها، وهو ما انعكس ببريق أخاذ مثلاً في شتى مراحل سن "قانون القومية الإسرائيلي" الذي

يؤمن بأن هذه الأغلبية هي التي تحتاج إلى دفاع قانوني خاص بها. وفي فترة بيغن، واليوم أيضاً، جرى ويجري اتهام هذه النخب بترويج أيديولوجيات معادية للقومية وبمخاطبة جماعات من خارج المجتمع. وبرأي أصحاب هذا الاتهام أن جمهور الهدف الذي يضعه باحث في الجامعة مثلاً نصب عينيه هو المجتمع الدولي، وليس جيرانه القريبين؛ والمنتج السينمائي يوجّه أفلامه إلى السوق العالمية وليس المحلية؛ ورجل الأعمال يتوجه إلى السوق العالمية ويضع أمواله في "ملاجئ الضريبة" لا في البنوك المحلية. ومن هنا، تحديداً، جاء هذا الفصل والانقسام ما بين "نحن" و "هم" داخل مجتمع دولة الاحتلال.
ولا بُدّ من الإشارة أيضاً إلى أن استبدال تلك النخب كان يهدف إلى خدمة مصالح الاقتصاد العولمي الذي نمت فيه وترعرعت نخبة جديدة استفادت منه. وربما يجري اليوم استبدالها بنخبة تعود إلى الديانة بكونها مصدراً رئيسياً للهوية الإسرائيلية، وهذا موضوع آخر.
تتطلع الشعبوية في إسرائيل عبر نموذجها الحالي، النتنياهوي، إلى إقامة صلة مباشرة بين الشعب بوصفه صاحب السيادة وبين قائده/قيادته من دون واسطة أي مؤسسات مثل السلطتين التشريعية والقضائية، ومثل الأحزاب أو وسائل الإعلام أو منظمات المجتمع المدني وغيرها. وهي تسعى على الصعيد الاقتصادي إلى "اقتصاد الشعب"، مع التشديد على أن الرغبة في تطبيق اقتصاد كهذا تستلزم الحاجة إلى "قائد الشعب"، أي القائد الذي يعبر بصورة شعبوية عن رغبة الشعب وإرادته من خلال الدوس الفظ على أصول وأنظمة الحكم الديمقراطي، التي كانت سائدة من قبل ويجري تصويرها كما لو أنها جزء من النظام القديم الذي يخدم مصالح غريبة ولا يخدم "الأمة" بإخلاص، كما يحدث، بالأساس، في دول تفتقر إلى إرث سياسي عريق، مثلما هي الحال في أوروبا الشرقية مثلاً.
علينا أن نشير أيضاً إلى أن الحركة الصهيونية عرفت على مرّ تاريخها الكثير من الظواهر الشعبوية التي يضيق المجال لذكرها في هذه العجالة، ولا سيما في مجال العلاقة بين الأنا والنحن- الشعب.



جودي الأسمر
، كاتبة وإعلامية لبنانية:
الشعبوية الفرنسية.. تأويل مضلّل لسياسة ماكرون
حاولت "السترات الصفراء" تقديم عودتها الشاحبة كإرهاص سيشتعل فتيله في "أيلول أسود" لم تفِ به. ما يهمّ أنّه بصرف النظر عن حجم التهويلات، وإن صدقت أو كذبت، أظهر الحراك تجسيداً نوعيّاً لشعبوية لم تشهد الجمهورية الخامسة بضراوتها إلا خلال الحركة الطلابية عام 1968. مادياً فقط، كبّد هذا الحراك خسائر قدّرها وزير المالية الفرنسي برونو لومير ب 0.2 نقطة مئوية من النمو الاقتصادي الفرنسي حتى نهاية الشتاء الماضي، أي ما يصل، حسب "رويترز"، الى 5.7 مليار دولار أميركي.  لكن حراك "السترات الصفراء" أقل تجانساً في التركيبة من سابقاته، وأكثر عنفاً ضدّ الرئيس الى حدّ يدعو لوصفها بأنها شعبوية تبلورت حول ماكرون، قبل أن تكون لصالح إصلاحات اجتماعية قدّم لها الرئيس الفرنسي تنازلات تدريجية لا تبرّر استمرار هذا الشغب الّذي تتضّح بالخلاصة منهجته ضدّ ماكرون نفسه.   

وقد يصحّ القول بأنّ ماكرون يدفع فاتورة حملته الانتخابية النابضة بالرومانسية الثورية، وتسويقه لنفسه في السيرة الذاتية "ثورة" على كونه ضد النظام المسيطر في "ديغاجية" (*) هيمنت على ألسنة الناخبين وخياراتهم، بعدما أزاحت رموز السياسيين التقليديين أمثال ساركوزي وجوبيه وفيون وفالس، ونحّت أحزابهم لصالح "إلى الأمام". أوحى الرئيس للناخبين المحبطين ببداية خلاص البلاد التي تورّطت بحلول العام 2016 في وهن تخطّى إرادتها، وانسحب على كلّ ميّزات وامتيازات فرنسا التي انزلقت إلى شبه انهيار في تنافسيتها الاقتصادية، وتقلّص في تأثيرها الدبلوماسي، وانكماش لفرنكوفونية ظهرت آنذاك في مؤلفات فرنسية متشائمة بعنوان "المرض الفرنسي"، وكتب أكثر مبيعاً كـ"أوهام غاليّة" و"الانتحار الفرنسي" و"الهوية غير السعيدة" وغيرها، فيما استحدث الاضمحلال (déclinisme) كظاهرة تُدرّس في الجامعات.
إزاء تصحّر معنوي بلغ القعر، رفع ماكرون سقف التوقّعات من الرئيس. فمثلاً، استخدم في أكتوبر 2016 استعارة "جوبيتر" ليسقطها على الرئيس الذي تستحقه البلاد. الرئيس "الجوبيتيري"، حسب الميثولوجيا الرومانية، هو المهيمن على الأرض والسماء وبقية الآلهة، في إشارة لمحاولة استعادة الامتياز الأوروبي الذي انتزعته بروكسل. ثم تناسلت وعوده المتفائلة بتصاريح رصدتها الصحافية الأميركية صوفي بيدير في كتابها حول ماكرون "الثورة الفرنسية"، ضمت بغالبيتها عبارات "مستقبل جديد" و"على أمل أن" ضد ما أسماه بـ"حوانيت مخاوفنا الجماعية"، الذي لن يتغلب عليها الفرنسيون سوى بإيلاء الحكم لمن يصنعه، أي إلى الشعب. وفي سياق سيرته، كتب ماكرون ما يعتبر نبوءة لعهده الذي أفرز شعبوية عمدت لخلط الأوراق في خطابه، وجزّته نحو مساءلة الشعبوية فيه، لا سيما في جانبها الساعي لتأسيس رابط مباشر بين النخبة وشعب يحق له الغضب، إذ قال "ما يغذّي غضب مواطنينا أو رفضهم، هو اقتناعهم بأن السلطة في أيدي قادة ما عادوا يشبهونهم، ولا يفهمونهم، ولا يهتمون بأمرهم، وهذا منبع تعاستنا جميعاً".
في فرنسا اليوم تأتي الشعبوية بذريعة الآمال الخائبة، وتسوّغ لخيبتها الشغب والعنف والخسائر المادية غير المسؤولة. ولهذه الشعبوية، كما كلّ الشعبويات، خطاب مبهم فضفاض، يتجاهل الرؤى لصالح تأجيج المشاعر بدون التعاطي الجدّيّ مع المشاكل الواقعية. بالمقابل، ميّزت ماكرون تخصصية رؤيته الداخلية والخارجية، فقدّمته نموذجاً يشذّ بالفعل عن السائد- شواذ لولاه لما صار رئيساً. فهل من الوارد، أخيراً، اعتبار خطابه ديماغوجياً؟ ربما، وقد تكون الديماغوجيا وسيلة كل طموح سياسي. لكنّه لا ينحدر الى مستوى شعبوية رصدها الباحث الفرنسي بيار أندريه تاغييف في "تضليل للنفس".
السترات الصفراء شعبويّة ضلّلت نفسها، وتستمر في سوء إفهام المشروع الرئاسي وفعله ورد فعله. فضلا عن سعيها لإشاعة "التضليل" في فرنسا كمنهج للتعبير عن الذات، يفضي بالمراقبين لسؤال: ماذا يريد هؤلاء؟ منذ رفض الحراك سابقاً دعوة ماكرون للحوار، واستمراره في تخريب المقدرات العامة والخاصة، ينحرف عن المعاناة الحقيقية بمواطنين يجسدون "فرنسات" متضاربة المصالح، للالتفاف حول مطالب ظرفيّة، لا ترتقي لمواجهة ندّية وشرعية مع المنظومة الديمقراطية. ما يجمعها بالديمقراطية هو فقط أن هذه الشعبوية الصفراء مولودها المشوّه.
(*) Dégagisme هو مصطلح سياسي جديد مشتق من فعل dégager نسبة إلى شعار «dégage» أو "إرحل" الذي رفعه تونسيون في كانون الثاني/يناير 2011، واستعمل في بلدان الربيع العربي ودول أوروبية في ما بعد. يقصد به دعوة المحتجين المسؤولين للرحيل عن السلطة دون أن يسعوا إلى الحلول مكانهم، وممارسة الحكم.

سمير الزبن، كاتب وروائي فلسطيني:
الشعبوية المؤدبة في السويد
في السويد تستطيع أن تحس في الأشياء دون أن تلمسها مباشرة، إنها تخيم ولا تلامس، بمعنى أن الكثير من الأشياء لا تحدث بطرق مباشرة، إنما بطرق غير مباشرة، والثانية أخطر من الأولى. هذا ما نلمسه بتعامل السويدي مع مشكلة اللاجئين التي باتت المشكلة الطاغية على كل المشاكل الأخرى منذ موجة الهجرة الكبيرة في العام 2015.
السويدي المنتظم المؤيد للحزب العنصري، واضح في موقفه من اللاجئين، هو لا يريدهم، لأنهم لا يمكن أن يكونوا جزءا من المجتمع السويدي والثقافة السويدية، وهذا الموقف لا يتعلق باللاجئين المسلمين فقط، بوصف «فوبيا الإسلام» مرضاً منتشراً على أوسع نطاق في أوروبا، بل بكل القادمين من خارج السويد. ومن المفارقات أن الحزب العنصري في السويد، حاز تأييداً بين قدامى اللاجئين بنسب مرتفعة، وقد تم طرد اثنين من النواب في البرلمان السويدي لحزب اليسار (نائبة من أصول كردية عراقية) ولحزب «مدراتنا» (نائب من أصول إيرانية)، على خلفية التشهير ونشر الأكاذيب حول اللاجئين، وهذا النوع من اللاجئين موجود بكثرة في السويد، ويمكن اعتبارهم هؤلاء «لاجئين كارهين لأنفسهم»، بمعنى أنهم معادون لثقافتهم، وللبشر الذين تنتمون إلى ثقافتهم السابقة.

الشعبوية التي تخترق كل الطيف السياسي والاجتماعي في السويد قصة أخرى، قصة تقوم على تبني أقصى الشعبوية في صيغة تبدو محترمة، يُفترض أن احترام الآخر هي واحدة من أبرز القيم في المجتمع السويدي، لذلك تبدو الشعبوية مؤدبة في هذا البلد، لكنها تقوم بدورها بفعالية. ماذا يقول الخطاب الشعبوي المتخفي وراء الاحترام. يقول إن على السويد أن تساعد اللاجئين، وهذا موقف إنساني من آلامهم، (لكن) وما يتبع هذه الـ(لكن) يلغي ما قبلها. عندما يبقى اللاجئ بلا عمل، فهم يستفيد من التأمينات الاجتماعية، عند ذلك يقول الشعبوي المؤدب، يأتي اللاجئ إلى السويد كي يعيش على الضرائب التي أدفعها من راتبي (الضرائب في السويد من أعلى النسب في العالم) بدل أن تذهب إلى تحسين موازنات المدارس والطرقات وغيرها. وعندما يجد اللاجئ عملاً، وغالباً ما يكون من الأعمال الهامشية ومنخفضة الدخل، هذا أيضاً لا يعجب الشعبوي المؤدب الذي يعود للـ(لكن) ويقول، هذا يعني أن اللاجئ ينافسني على عملي، إنه يسلبني عملي، أنا المواطن في السويد.
لا تقف المسألة على البطالة أو العمل، فهناك مطالبات لا تنتهي من اللاجئين أن يندمجوا في المجتمع السويدي، والاندماج يعني أن طرفين بحاجة الاندماج، اللاجئ والمجتمع السويدي، نجد الشعبوي المؤدب، يقول، أن اللاجئين لا يريدون الاندماج في المجتمع السويدي، في الوقت الذي لا يجد اللاجئ من يتكلم معه من السويديين، لأن السويديين نادراً ما يتحدثون مع بعضهم، وهم ذاتهم بحاجة إلى الاندماج مع بعضهم البعض. وهذا ما يجعل الشعبوي المؤدب، يتهم اللاجئ بأنه لا يريد الاندماج في المجتمع السويدي ويريد أن يستمر في العيش كما كان يعيش في بلده الأصلي، لذلك عندما يرى الشعبوي المؤدب تصرفاً من لاجئ يبدو غريباً بالنسبة له، مباشرة يحتج، أن هذا ليس «موديلا سويدياً» للسلوك. ولا أعرف كيف لشخص جاء متكوناً على السويد في الثلاثينات أو الأربعينات أو الخمسينات من عمره أن يتحول إلى «موديل سويدي»، طبعا، هذا لا يعني أن اللاجئين نوع من الملائكة، إطلاقاً، وهم أيضاً لهم مشاكلهم مع المجتمع الجديد القادمين إليه، يحاولون التمسك بهويتهم في مواجهة المجتمع الجديد الذين يشعرون تجاهه بالنقص أو بالضعف، فيحاولون فعلاً أن يبنوا مجتمعات مغلقة في مواجهة المجتمع السويدي المغلق أصلاً في وجههم، ولكن عندما يتمسكون بهويتهم، يتمسكون بأردأ ما في الهوية، التدين الشعبوي في أسوأ صوره الشكلية.
في كثير من الأحيان يخفي الاحترام السويدي غطرسة تجاه اللاجئين، كما يخفي النقاش حول اللاجئين الكثير من القضايا السويدية التي سعدت جميع الأحزاب بتكنيسها تحت مشكلة اللاجئين. رغم كل هذه المشكلات، هذا لا يغير أن السويد ما زالت من أقل الدول عنصرية، حتى مقارنة بجارتها الدنمارك.



خليل أبو سلمى، كاتب وناشط سياسي فلسطيني:
مستقبل فرنسا على محك الشعوبية
على الرغم من هزيمة الأحزاب الشعبوية إلا أن هزيمتها لا تعني أبداً أن شمسها قد غربت من الحياة السياسية والاجتماعية في فرنسا. فوز ماكرون العام 2017 لم يكن، في الحقيقة، خياراً كاملاً للفرنسيين، ما ساعده على الفوز هو ذلك الرعب الذي اجتاح المجتمع الفرنسي بجانبه الليبرالي بسبب تقدم حزب لوبان الشعبوي، حيث شارفت، في مرحلة معينة، على اكتساح الشارع الفرنسي، ما يشكّل تهديداً حقيقياً لمكانة فرنسا وللسلم الأهلي في هذا البلد الرائد في مجال الحريات وحقوق الإنسان.
شعر معظم الفرنسيين أن القيم التي حافظت على مجتمعهم غدت قريبة من مهب رياح الشعبوية اليمينية في حال فوز لوبان، وهذا ما دفعهم إلى انتخاب ماكرون (الأقل شعبوية)، إلا أن الفوز لم يكن سهل المنال بالنسبة لماكرون، ولا يعني هزيمة الشعبوية المنكرة على الإطلاق. الجدير بالذكر أن مؤيدي لوبان أكثرهم من فقراء الفرنسيين، وهم الشريحة الأوسع في المجتمع الفرنسي، على عكس ماكرون القادم من النخبة الاقتصادية ومن أجلها، والمدعوم أوروبياً.
في خطابها بعد هزيمتها طالبت لوبان أنصارها بـ"الاستعداد للمعركة الحاسمة القادمة". هذه المعركة، التي قد تحسمها لوبان فعلاً، إذا لم يسارع ماكرون إلى إجراء إصلاحات اقتصادية جريئة وحقيقية ترضي الشعب الفرنسي، وتدفع عنه حالة الإحباط بسبب سياساته الاقتصادية القاصرة عن حل حقيقي لأية أزمة من الأزمات الكثيرة التي تعيشها فرنسا، وإلى الآن ما زال ماكرون أميناً للنخبة التي دعمته للوصول إلى قصر الإليزيه، ولا أدري إذا كان بإمكانه أن يختار مستقبل فرنسا على حساب هذه النخبة؟
دعونا نوضح هذا الخوف من المستقبل من خلال الأرقام، فلوبان حصلت على سبعة ملايين صوت في جولة الانتخابات الأولى، واستطاعت أن ترفعها إلى عشرة ملايين بفارق ثلاثة ملايين صوت أضافتها في الجولة الثانية، ونستطيع أن نقول بكثير من الثقة إن أكثر من 90% من هذه الأصوات هي أصوات صافية، بمعنى أن أصحابها يختارون لوبان رئيساً لفرنسا لأنهم يؤيدونها، على خلاف الأصوات التي فاز بها خصمها ماكرون فهي في نسبة كبيرة منها أصوات اضطرارية ليست صافية، و قد تصل نسبة 50% من أصحابها ممن انتخبوه خوفاً من لوبان وليس رغبة بحكمه، هو أهون الشرور، ومنهم أنصار الأحزاب التقليدية التي ظهر أنها لا حظ لها في الفوز، وهؤلاء يتفقون مع ماكرون على مبدأ واحد فقط: ضد لوبان.

أما عدد المصوتين لصالح ماكرون فقد بلغ 20 مليوناً و703 آلاف و694 ناخباً، مقابل 10 ملايين و637 ألفاً و120 ناخباً لصالح منافسته لوبان، هذا الفارق بعدد الأصوات أظنه قد خسره بسبب سياساته التي لم ترقَ إلى أدنى متطلبات الشارع الفرنسي. أضف إلى ذلك أن نسبة العزوف عن الانتخابات بلغت 25.38% (نحو اثني عشر مليون صوت) أضف إليها ثلاثة ملايين بطاقة بيضاء، ثم أضف مليوناً وسبعين ألفاً وهو عدد الأصوات الملغاة، ليصبح لدينا 16 مليون وسبعون ألف ناخب لم يقولوا كلمتهم، وهؤلاء يراقبون برسم المستقبل.
الأمر إذاً ليس كما يبدو من خلال الأرقام، وخسارتها لا تعني خسارة الشعبوية، هي خسرت الانتخابات لكنها لم تخسر شارعها، مقابل ماكرون الذي ربح الانتخابات ولكنه خسر الشارع، لا سيما وأن الجانب الاقتصادي هو الذي لعب الدور الأساسي في حسم أمر الناخبين في النهاية. بتعبير آخر، فإن قسماً كبيراً من الذين لم ينتخبوها لم يفعلوا ذلك لأنها لم تقدم برنامجاً متكاملاً يقدم الحلول لمشكلات فرنسا الكبيرة وأزماتها المستعصية، في حين هم يؤيدون برنامجها السياسي.
حتى ماكرون ذاته، فإن الكثير من المحللين الفرنسيين يصفونه بأنه شعبوي مستنير ليبرالي عولمي على خلاف شعبوية لوبان القومية العنصرية، ولكن شعبويته المستنيرة هذه ستنجب مشكلات جديدة، و البعض رأى أنه لم يكن لِيَهزمَ شعبوية لوبان لو لم يكن شعبوياً مثلها، فهو منذ البداية غادر حزبه الاشتراكي  ليؤسس حركته الشعبية الخاصة به "الجمهورية إلى الأمام"، التي يمكننا- كما سبق- وصفها بالشعبوية المستنيرة، و من خلالها ربما استطاع أن يهرب- بغير قصد- من الرقابة والمحاسبة الحزبية، ويتهمه الكثيرون خاصة في سياسته مع مطالبات حركة السترات الصفراء بأنه تعامل بعنجهية الزعيم و ليس بحكمة الرئيس.
ومن هنا نذكر أن حركة السترات الصفراء لم تقف عند مطالباتها بإصلاحات اقتصادية تنصف الفقراء، بل تجاوزتها إلى مطالبات بتوسيع التمثيل الشعبي في حكم فرنسا، وهذا دليل على شعور الفرنسيين بأن من يدعون تمثيل الشعب الفرنسي لا يمثلونه على وجه الواقع والحقيقة.
مما يؤكد ما نذهب إليه أن لوبان عادت وحصلت على المركز الأول في الانتخابات الأوروبية التي وصفها ماكرون بأنها (حاسمة لمستقبل أوروبا) فقد تصدر حزب "التجمع الوطني" الشعبوي الذي تقوده ماري لوبان نتائج الانتخابات الأوروبية في فرنسا بنسبة 24%، بينما حصلت حركة "الجمهورية إلى الأمام" التي يتزعمها الرئيس ماكرون على نسبة أقل من 23% من الأصوات، وهذه النتائج بالغة الدلالة على مسار الأمور القادم الذي ينذر بأن خطر الشعبوية قادم لا محالة.


رونق فيصل الصميدعي، كاتبة وناشطة عراقية:
الشعبوية عراقيا في غياب التعددية
بات تداول مصطلح "الشعبوية" مألوفاً، إذ أصبح واقعاً ملموساً. ولا تقوم الشعبوية على الانتماء لحزب أو عقيدة معينة ورغم تعدد دلالاته تقوم عموما على تمثيل الطبقات الشعبية بطريقة مغايرة لمبادئ الديمقراطية.
وصفها جان مولر في كتابه "ما الشعبوية؟" بأنها معادية للنخبة، تنفي التعددية بالرغم من كون الشعب نفسه متعدداً، فلذلك تصبح نقيضاً للديمقراطية. واقترح مولر في هذا السياق مفهوم الديمقراطية الناقصة ورفض تشبيهها بالديكتاتورية في الدول الأوروبية التي اقتصر تحليله عليها. فما هي حال الشعبوية في الدول التي تنعدم فيها الديمقراطية أو تكاد؟
في ظل انعدام العدالة الاجتماعية والتجارب الديمقراطية تعثرت الشعوب العربية في تحقيق انتقال ديمقراطي سلمي فتحول ما كان من المفترض أن يكون ربيعا عربيا خريفا عربيا وحلقة مفرغة من العنف والفوضى. فساد الخطاب الشعبوي المعتمد على إثارة الحماس والوعود وتوظيف الغضب الشعبي والشحن العاطفي الديني والطائفي والبعيد عن المنطق وإعمال الفكر. خطاب كهذا تتلقفه الجماهير التي تخدعها سهولة الوعود الشعبوية والحلول المؤقتة أو السطحية على حساب الحلول الحقيقية للأزمات والمسائل المعقدة، التي تتوارى خلف عدم احترام عقول الجماهير.
للشعبوية في العراق تاريخ طويل امتد على مدى أكثر من ستة عقود، تجذرت خلالها الشعبوية سياسيا وعشائريا ودينيا طائفيا، تحت حكم العسكريين والبعثيين العراقيين. وعبر توظيف الشعبوية القومية تمكن صدام حسين من السيطرة على زمام الأمور، ووضع حداً للانقلابات العسكرية. واستثمر وسائل الخطاب الشعبوي في تهييج الجماهير، واستنفار العاطفة الجمعية لسوْق الناس الى الحروب، والتصفيق للنهج الاستبدادي، والحفاظ على مزاجٍ عام يخضع لإرادة الفرد، وأرسى بنية تحتية عسكرية للبلاد ليخوض مغامرات عسكرية غير محسوبة سنوات عديدة استنزف معها اقتصاد العراق وموارده البشرية، قبل أن يطاح به على يد الاحتلال الأميركي في أبريل 2003.
اليوم تستمر الشعبوية نشطة في عراق ما بعد صدام حسين، باستمرار الاستقطابات السياسية والاجتماعية، وعدم توافر مؤسسات حكومية ورسمية قوية وناضجة، والخلل الذي تعانيه في أدائها الحكومي والمجتمعي، الذي يترافق مع تنامي التذمر الشعبي حيال قضايا لا زالت تتطلب حلولا نحو: ضعف الخدمات، والصراعات المسلحة، والتمييز الاجتماعي، وضعف سلطة القانون.

تقف الشعبوية والتعددية على طرفي نقيض. فالأولى تستند إلى نهج أحادي في نظرتها إلى السياسة والمجتمع، وهي لا تنسجم مع أطروحة التعددية ضمن الأنظمة الديمقراطية، التي تؤمن بأن التنوع في المجتمعات والحياة السياسية يعتبر مصدر قوة فيها، وأن التوصل إلى تفاهمات وتسويات بين أقطاب القوة والتأثير المختلفة في الوضع الاجتماعي والسياسي في البلد يعد أمراً أساسياً وحيوياً وطبيعياً. خصوصاً أن الساحة السياسية الصحية ينبغي أن تشجع وجود مثل هذا التنوع، حيث تمنع التعددية من تركز السلطة بيد أشخاص أو مجموعات بعينها، طائفية كانت أو حزبية أو عرقية أو غيرها، وبالشكل الذي يمنع تلك المجموعات من فرض إرادتها على الغير. عراق اليوم لا يزال يفتقر إلى التعددية الحقيقية المستمدة أولا من الإيمان بها كقيمة عليا. هناك أمل، فالتغير يبقى سنة كونية وحدها ثابتة لا تتغير، لكن أيضا "لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.