}

فلسطين في المتخيّل العربي (1)

أشرف الحساني 10 أكتوبر 2019
هنا/الآن فلسطين في المتخيّل العربي (1)
لوحة "نجم بيت لحم" بمتحف برمنغهام (Getty)
ما زالت فلسطين تشكل جرحاً عربياً لم يندمل بعد، رغم مرور سنوات طويلة عليه، سنوات لم تستطع أن تمحو ذلك القهر والبؤس، الذي رسمته القوات الصهيونية الإسرائيلية على أوجه الأطفال الفلسطينيين، والدماء الكثيرة التي أريقت في حدائقهم، ومشاعر التنكيل والتصغير والاحتقار والمذلة، التي قوبل بها الشعب الفلسطيني.

وإزاء الصمت شبه المطبق والرهيب اليوم حيال القضية الفلسطينية من جانب معظم الأنظمة العربية، التي يخيل إليها أن أميركا مستعدة دوما للدفاع عن "أمنها" في مقابل صمتها المأجور تجاه الممارسات الإسرائيلية، تُطرح تساؤلات: أليست القضية الفلسطينية هي من علمتنا دروساً في الوفاء للأرض والنضال؟ هل نسينا آلاف التضحيات، التي قدمها كبار المثقفين العرب من مختلف أصقاع البلاد العربية، ممن ظلوا يصرخون بإسم فلسطين حتى وافتهم المنية؟ ألم تعد فلسطين تستحق أن تكون نجمة العرب الأولى بامتياز؟
مثل هذه التساؤلات ترج كياني في لحظة من اللحظات وأنا أتتبع المسار الفكري والأدبي والفني لدى مثقفين فلسطينيين كثر، مستعيداً الزخم الفكري، الذي دشنه كبار المثقفين العرب حول هذه القضية، التي تحتفظ براهنيتها. وتتبدى لنا ماهية ذلك من خلال آلاف الكتب والجرائد والمجلات السبعينية والثمانينية، التي جعلت من القضية الفلسطينية بمختلف أبعادها قضية مركزية داخل صفحاتها، فلا يمكن تصور حجم القصص والأشعار والروايات والمسرحيات والأفلام والمعارض الفنية، التي أنجزت حول فلسطين، وما تزال تشكل اليوم وثيقة تاريخية وعلامة بارزة في تاريخ الفكر السياسي المعاصر.
وتستحق فلسطين الآن أن نعيدها إلى الواجهة ضمن هذا الملف الخاص مع كتاب ومثقفين عرب لينقلوا لنا ما مثلت لهم في مخيلتهم، سواء في الماضي أو في الحاضر.
هنا الجزء الأول منه:


الشاعر سعيد الباز (المغرب):
علاقة مركبة ومتداخلة
إن العلاقة بين المغرب وفلسطين وتحديدا مدينة القدس مركبة ومتداخلة عبر الزمن فيها شق تاريخي قديم، وشق حديث ومعاصر. هذا الأمر ساهم في تشكيل صورة لفلسطين في الوجدان المغربي، كما شيّدت صورة أخرى عن المغاربة لدى الفلسطينيين وخاصة المقدسيين. إنّ بناء صورة الآخر يدخل في إطار ما يسمّى بالصورولوجيا أو علم الصورة Imagologie الذي هو بالأساس بحث في العلاقة بين الواقعي والمتخيّل داخل الصور أو حتى ما يسمى بالميثات Mythes المشكّلة عن صورة الآخر، حيث تمتد أو تتقلّص المسافة بين الواقعي والمتخيّل بحسب ما يتحكّم فيها من خلفيات فكرية وثقافية وتاريخية. بخصوص الجانب التاريخي تستوقفنا علاقة المغاربة بفلسطين وبداية تشكّل صورة أولى من خلال حدث بارز يتمثل في مشاركة المغاربة في معركة حطين وتحرير القدس من الاحتلال الفرنجي إثر طلب من صلاح الدين الأيوبي للسلطان المغربي يعقوب المنصور إمداده بأسطول بحري لحماية السواحل، وما تلا ذلك من إسكان جزء كبير من المقاتلين المغاربة في الحارة وبابها والمسماة باسمهم بعد قولته الشهيرة: "أسكنت هناك في مكمن الخطر على القدس حيث الأرض اللينة، قوما يثبون في البر ويفتكون في البحر... أسكنت من استأمنتهم على بيت الله... أسكنت  المغاربة".

من هذا المدخل نشأت صورة المغربي المجاهد والعارف بخبايا الثغور ورباطات الفتح، ومن زاوية أخرى صارت القدس محجّا ومقصدا للمغاربة خلال قرون عديدة حيث لا تتم مشاعر الحج ومناسكه في الديار المقدسة من دون زيارة القدس، ويكفي مراجعة كتب الرحالة المغاربة إلى المشرق لمعرفة أيّ بعد تاريخي وديني شكلته صورة فلسطين والقدس في الوجدان المغربي. في العصر الحديث وإبّان الحركات التحررية والاستقلالية في العالم العربي وبروز القضية الفلسطينية تولّدت صورة ثانية مغربيا بالتماهي معها وجدانيا ومناصرتها فعليا حيث تبنت كل الحركة الوطنية المغربية بكل تشكيلاتها القضية الفلسطينية واعتبرتها قضية وطنية وخاصة القوى اليسارية والتقدمية عموما، دون أن نغفل في الوقت نفسه أنّها قد جعلت منها أداة لمناكفة السلطة القائمة. إنّ صورة الفلسطيني الفدائي سكنت عقول ومخيلة فئات عريضة من المغاربة خلال الستينات والسبعينات والثمانينات كان من أهم تمظهراتها وتجلياتها الواضحة الكم الهائل من الأعمال الفنية الغنائية والمسرحية والشعرية التي أضحت سمة بارزة خلال هذه العقود، في وقت كانت المعبر الكبير لشعراء فلسطينيين وعرب جامعهم المشترك القضية الفلسطينية إلى المشهد الثقافي المغربي عبر مهرجانات وملتقيات كبيرة كان لها الأثر الواسع في تكريس هذه الصورة وتعزيزها أكثر.



الناقد فاروق يوسف (العراق):
فلسطين لا تزال في حاجة إلى فن مختلف
"المقاومة عن طريق الفن" شعار عادل، ولكن استعماله بطريقة مرتجلة قد ينزلق به إلى مناطق تقع خارج الفن. كان الفلسطينيون في حاجة إلى تكريس تمردهم على الواقع من أجل الإبقاء على هويتهم. وهو ما اتخذ طابعا رمزيا، بحيث تحولت مفردات الحياة الشعبية إلى رموز، من خلالها استطاع الفنان الفلسطيني أن يجد طريقه سالكة إلى الوعي الجمعي.

كانت الصورة تقابل الكلمة في عملية صناعة المفاهيم الثورية. لذلك كان إسماعيل شموط ضروريا في مرحلة ما. وهي مرحلة الصدمة التي سعى الفلسطيني لأن يغادرها محملا بكل ما يشير إلى حقه التاريخي. وإذا ما اعتبر شموط مؤسسا للفن الفلسطيني المقاوم فلأنه استطاع أن يتمثل تلك الرمزية بكل ما حملته من آثار سياسية مباشرة. كانت لوحته عبارة عن خزانة للذكرى وهي أشبه بالنشيد المدرسي الذي يكتسب قيمته من خلال تكراره. فن شموط وقف حاجزا أمام أجيال من الفنانين الفلسطينيين الذين ضاعت مواهبهم في الوصف. فمن أجل أن تقاوم عليك أن لا تنسى. ذلك هو الآخر شعار منصف. غير أن فلسطين على الجانب العربي لم تكن كذلك. كانت هناك المجازر التي تعرض لها الفلسطينيون والتي تذكر بـ"غيرنيكا" بيكاسو. وهو ما وجد فيه الفنانون العرب مادة ميسرة يتم من خلالها اختزال النضال الوطني الفلسطيني على هيئة مذبحة. ناهيك عن الملصقات الجدارية المباشرة التي سممت الذاكرة البصرية بصور مستهلكة هي على قدر هائل من السذاجة. كان هناك سوء فهم مزدوج لفلسطين والفن معا. كانت فلسطين ولا تزال في حاجة إلى فن مختلف ومن جهته فإن الفن كان في حاجة إلى أن يرى فلسطين بعيدا عن رذاذ السياسة.  



الشاعر
محمد عرش (المغرب):
في 1948 تغيّر كل شيء
مع حلول 1948 يتغير كل شيء؛ يتغير حلم الشعر، من ديوان العرب، إلى النزوح والرحيل والشتات، وتتسع جراح الأرض. هنا تصل القصيدة العربية إلى السؤال المدمى: ما جدوى عمود الشعر الآن؟ وهو لا يتسع لحماية الأرض والدفاع عنها؟ ويتم تعويض ذلك بقصيدة التفعيلة، وخلخلة الشكل، والحلول مؤقتا، في بيت الشعر، ريثما نعود إلى أرض البرتقال! تزداد الجراح عمقا، بحلول نكسة حزيران/يونيو وتركب القصيدة خيولا درامية وتسبح في بحيرات الأحزان، في انتظار أمل أخضر، برغم ارتجاج القمر. يبدأ مفهوم أدب الالتزام، مع سارتر، ومجلة الآداب لسهيل ادريس، الالتزام بمعناه الحقيقي حيث لم يعد حكرا على النثر، بل تعداه إلى الشعر، ونزعت القصيدة ثوب البكاء والحلم الرومانسي، وارتدت ذاتها القلقة والمشروخة، والمتعددة الأسئلة، لصياغة الكينونة والهوية في هذا العالم. ثم دور الجامعات، والكليات، والدور الذي لعبه الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، واليسار المتبني لمفهوم المثقف العضوي بالمعنى الغرامشي، إضافة إلى الشعر الفلسطيني (إبراهيم طوقان، فدوى طوقان، سميح القاسم، معين بسيسو، محمود درويش، أحمد دحبور... إلخ) والسينما، وأغاني مارسيل خليفة، وأحمد قعبور، والهادي قلة، والشيخ إمام، وسعيد مغربي، وفرقة الشاعر عبد الله زريقة. هذا الجو أسهم في خلق شعر مختلف وملتزم، يتبنى جراحات فلسطين، وتصبح قضيته الأولى، ولا يمكن لأي قصيدة أن تخلو من معاناة فلسطين وصمودها، بدءا من جيل الرواد إلى جيل السبعينات، فجيل الثمانينات، الذي أنتمي إليه بحكم النشر، ثم قصيدة النثر.

أصبحت فلسطين الرمز، والمرأة، والعنقاء المنبعثة من الرماد، والقصيدة التي تفرض وجودها، ينبغي أن يكون شكلها ومضمونها شكلا ومضمونا فلسطينيا، على امتداد الكفاح والصمود حتى الحرية. حسب كل مرحلة وحقبة، يتطور المتخيل ويتغير، ليفرض وجوده؛ فلا يمكن تغييب الكلمة، لأنها تسهم إلى جانب النضال، في التعريف بحق هذا الشعب في استرداد أرضه وكرامته وحريته. أهمية الإبداع تكمن في تدوين مآسي هذا الشعب، وتتحول إلى ملاحم، وبطولات، لا يمكن للتاريخ أن ينساها، كما يتحول إلى أغان ملتزمة، وأفلام سينمائية، وإلى أطاريح جامعية، تذكر بصمود هذا الشعب برغم الدسائس والمكائد، التي تحاك حول أرض فلسطين، وبالرغم من سياسات التطبيع، التي تقودها أميركا عدوة الشعوب، فالأجيال تدرك مشروعية هذا الشعب، في استرداد أرضه. بحكم انتمائي إلى جيل الثمانينات شاعرا، يزداد تشبتي وقناعتي بهذا الجرح الذي سيندمل، وتعود المياه إلى مجاريها، ومقتنعا بأن القصيدة تتطور، ويتطور متخيلها وفق تطور القناعات والمرجعيات، لأن غاية الشعر ومقصديته أن يعود الإنسان إلى إنسانيته، فمن المباشرة والتقريرية، الى الرمز، إلى اللغة، إلى قصيدة النثر من أجل أن تتحول القصيدة إلى أرض مزروعة بالزيتون، والبرتقال، والبرقوق دون نسيان الحبر، الذي أتمنى أن يتحول إلى رائحة الرصاص عطفا على محمود درويش أثناء رثاء صاحب "رجال في الشمس" الشهيد غسان كنفاني.



الشاعر صلاح حسن (العراق):
القضية أعمق وأكبر من الشعر والفن والأحلام
أول قصيدة نشرتها في حياتي كانت مرثية للسياب وكان عمري في وقتها سبعة عشر عاما وثاني قصيدة نشرتها كانت عن فلسطين. كانت قصيدة عاطفية غاضبة أو لنقل قصيدة مراهقة تلائم سنوات شبابي في ذلك الوقت. حين قامت انتفاضة الحجارة كتبت أكثر من قصيدة عن أطفال الحجارة وكنت فخورا بالشباب الذين سيستردون فلسطين بهذا السلاح الفعال الذي أقلق العدو الاسرائيلي في وقتها.

لقد كنت أتابع هذه الانتفاضة يوميا ودماء الشباب تسري في عروقي والأمل يتصاعد بالثورة. لكن الثورة أخمدت بقوة النار والحديد واستشهد الكثير من الشباب، كانت الخيبة كبيرة والمرارة كثيرة وتبخر الحلم. ثم جاءت الانتفاضة الثانية وقمعت بشدة غير مسبوقة وكتبت أكثر من قصيدة عن هذا الغضب والقمع العنيف الذي قوبل به الشبان الفلسطينيون العزل إلا من الحجارة. بمرور الزمن وبعد أن قرأت الكثير من الكتب التي تتحدث عن القضية الفلسطينية وعن الدولة الصهيونية بدأت أشعر باليأس من استعادة فلسطين، فالقضية أعمق وأكبر من الشعر والفن والأحلام. فلسطين أصبحت للصهاينة وقد أقر ذلك من زمان بعيد ولن تعود مرة أخرى بعد أن شرد الشعب الفلسطيني أمام أنظار الحكام العرب وبعد فشلهم في كل الحروب التي خاضوها مع إسرائيل. لقد لخصت هذا الوضع في مقطع صغير من قصيدة طويلة كتبتها قبل عشر سنوات. يقول المقطع الصغير "إننا شعب يتلاشى". لم يعد لدي أمل في أي مستقبل لفلسطين... لقد ضاعت إلى الأبد.



الكاتب عمار المأمون 
(سورية): لا بُدّ من كشف
سياسات تجيير القضية الفلسطينية لممارسة القمع
تشكل فلسطين تراباً وشعباً ومفهوماً محركاً للكثير من السياسات العربيّة بوصفها اقترنت بمفهوم العدو الإسرائيلي، لنرى أنفسنا أمام صراع أنتج أشكالا أدبية وفنيّة مختلفة - سواء من الكتاب الفلسطينيين أنفسهم أو من العرب، تحوي متخيلات الفدائي، الجنديّ، الأرض الضائعة، العدو الغاشم.

والأهمّ أن هذا الصراع جعل الفاعلين في الحقل الفنيّ والثقافيّ في الكثير من الأحيان يتبنون سرديات وطنيّة تقمصت خطاب السلطة دون وعي حقيقي بالبعد السياسي المحليّ لهذا الخطاب، ما جعل الكثيرين على الطرف النقيض بمواجهة السلطات الوطنيّة نفسها في حال حاولوا كشف هذه السياسات وتجييرها للقضية الفلسطينيّة. بصورة أدقّ، الحكاية الفلسطينيّة هي جزء من التكوين الثقافيّ للمنطقة العربيّة، وهنا تكمن إشكالية عدم استقلاليّة الثقافة العربيّة عن السياسات الوطنيّة، القمعية في الكثير من الأحيان، لنجد أنفسنا أمام تساؤلات جديدة لكنها خجولة أنتجها الربيع العربيّ، لنرى مراجعة لمفاهيم كـ"العدو، السيادة الوطنيّة.." لا على حساب قضية ومعاناة الشعب الفلسطينيّ، بل في سبيل فهم الذات، كون الآخر/العدو اقترن بسياسات القمع الوطنيّ، والتحرر منها يعني إعادة رسم صورة هذا العدو والتخاذل العربيّ في التعامل معه، ذات التخاذل الذي جعل قوانين الطوارئ قائمة في العديد من الجغرافيات العربيّة وحجة لممارسة العنف ضد المواطنين، بذريعة الاستعداد لمحاربة العدوّ.



الفنان التشكيلي حسين عبيد (عُمان):
أين التفاعل الذي كان سابقاً؟
شكلت قضية فلسطين المحتلة بالنسبة للعديد من الفنانين التشكيليين مادة خصبة لإبداعاتهم الفنية. وتمايزت فيها الأساليب والطرائق والمعالجات المشكلة من القضية حالة متفردة في تاريخ الفن التشكيلي العربي. فالتجارب التي قدمت في العقد السابع من القرن الماضي تميزت عن غيرها بأشكال التحريض المتباين فكرياً وإنسانياً وثقافياً، وهي بمجملها ساهمت في تقديم صورة عن النكبة الفلسطينية الممزوجة بالهوية من جهة، ومعاناة الشعب من المغتصب الصهيوني من جهة ثانية، وحيث أن القضية تمثل في بدن الإنسان العربي والإسلامي حالة استنزافية لم يتردد الفنان العربي في رسم صورة تفاعلية للقضية، فانطوت معظم التجارب على مجموعة من المضامين الإنسانية والأيديولوجية المتباينة من قطر لآخر. غير أن الملاحظ أن هذه الصورة تبدلت في وقتنا الراهن فلم أعد أرى ذلك التفاعل الذي كان يحدث سابقاً!.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.