}

تطبيع حاجز قلنديا العسكريّ: موسيقى وترحيب!

مليحة مسلماني 3 يوليو 2019
أمكنة تطبيع حاجز قلنديا العسكريّ: موسيقى وترحيب!
حاجز قلنديا بعد التطوير الأخير (تصوير: علاء ضراغمة)
تتنازع صورة المكان في فلسطين(1) أضداد نشأت عن تناقضات احتوى عليها الفكر الصهيوني منذ البدايات، وهي تناقضات تتعلّق برؤيته للدولة (إسرائيل) من جانب، وبرؤيته لفلسطين كأرض وللشعب الفلسطيني من جانب آخر. بعبارة أخرى: يقع المكان في فلسطين بين ضدّين رئيسيّيْن متنازِعين في المخيّلة الإسرائيلية، ما نتج عنه صورتان للمكان هما: أولاً، المكان بوصفه سجناً يؤدي وظيفة الحصار، ومادة حيّة لترجمة يوميّة عمليّة لأيديولوجيا المستعمِر، وأداة يوظّفها لنفي الوجود الفلسطيني وتعزيز السيطرة على الفلسطينيين. وثانياً، المكان بوصفه فضاءً لدولة على النمط الغربيّ، "ديمقراطيّة حضاريّة متطوّرة"، تهتم بـ"الإنسان، والمقدسّات، والجماليّات"، وتسعى إلى تحقيق الرّفاه لمواطنيها، وإلى جذب السيّاح، وتقديم صورة "إيجابيّة حضاريّة" عن المكان وعن إسرائيل كدولة.
هذه الضدّية في صورة المكان يمكن ملاحظتها في كليّة المشهديّة الجغرافيّة في فلسطين، بل إن الحيّز المكاني الواحد يمكن أن يكون الصورة وضدّها في آن واحد؛ مثل باب العامود في القدس المحتلة، والبلدة القديمة عامة، كثكنة عسكرية وساحة لفرض السيطرة وللقمع والتنكيل والاغتيال من جانب، وكحيّز للأسرلة من جانب آخر، ولفرض هوية "يهودية" على المكان، ولترويج "التراث اليهودي"، وكبؤرة لتسويق وجه "حضاري" لإسرائيل جاذب للسياح. وكذلك هو الجدار الواقع بين الأضداد، فهو، على أرض الواقع، جدار للفصل ومعمارٌ عسكريّ ترتّب على إقامته وجود آثار تدميرية على الفلسطينيين، ومن ناحية أخرى، يروّج له الاحتلال كـ"سياج أمنيّ"، يؤدي وظيفة "أخلاقية" هي "حفظ الأرواح". ينضم إلى هذه الضدية في المشهدية
المكانية في فلسطين الفارق الكبير في صورة المكان بين الأحياء والبلدات الفلسطينية والإسرائيلية في القدس وفي المناطق المحتلة عام 1948، والناتجة عن سياسات التمييز الاستعمارية المُتّبعة تجاه المكان حسب ساكنيه.  

حاجز قلنديا بين ضدّين
يمثل حاجز قلنديا العسكريّ اليوم نموذجاً للمشهد المكاني الواقع بين الأضداد في الفكر والممارسة الاستعمارييْن. وهو واحدٌ من أكبر الحواجز العسكرية التي أقامها جيش الاحتلال الإسرائيلي عقب الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي اندلعت في نهاية سبتمبر/ أيلول 2000، ويقع جنوبي مدينة رام الله على الطريق التي تصلها بمدينة القدس المحتلة، ويتعين على كل فلسطيني يرغب في التوجه إلى القدس المحتلة أو القدوم منها إلى وسط الضفة الغربية المرور بهذا الحاجز، حيث يخضع للتفتيش، ويستغرق عبوره أحياناً عدة ساعات. ويمثل حاجز قلنديا أحد أهم أدوات السيطرة العسكرية الإسرائيلية إذ أعاق إلى حدّ كبير من تنقّل الفلسطينيين وعطّل الحركة الاقتصادية وزاد من عزلة مدينة القدس(2).
اتخذ حاجز قلنديا العسكري أشكالاً عدّة على الأرض على مدار السنوات الماضية؛ اقتصر وجوده في البداية على ممرات خارجية (أي لا يحتويها بناء) أشبه بالأقفاص، تعتليها مظلّات معدنية، وكان الجنود يقومون بتفتيش المارة وبالتدقيق في هوياتهم بشكل مباشر، أي لم يكن هناك غرف تفصل الجنود عن المارة كتلك التي تُرى اليوم. تطور شكل الحاجز ببطء وتغيّر مراراً حتى استقر خلال الأشهر القليلة الماضية على شكل مبنى ضخم، خاص بالمارّة المشاة، إضافة إلى ممرّات خارجية لتفتيش السيارات قبل العبور إلى القدس (كانت موجودة دائماً ويطالها هي الأخرى التغيير المستمر وأُدخلت عليها تحسينات معمارية وتكنولوجية). والحاجز مزوّد ببوابات إلكترونية وأجهزة مراقبة وكاميرات منذ سنوات، غير أنه تم مؤخراً إضافة العديد من الأجهزة التكنولوجية المتطورة.
يشير التغيير المستمر في شكل حاجز قلنديا على مدار السنوات العشرين الماضية إلى كونه بؤرة مكانية تشكّل مصدر قلق دائم للعقليّة الإسرائيلية؛ فالتغيير المستمر في شكل المكان هو تعبير عن تناقضات وتوتر في العلاقة معه، باعتباره مكاناً حدوديّاً يفصل القدس والدولة الاستعمارية عن "الآخر"، الفلسطيني ابن الضفة الغربية، الذي يشكل مصدر قلق و"تهديد" لهذه الدولة. غير أن صور معاناة الفلسطينيين المتراكمة والمستمرة بسبب الحاجز، الذي شهد جرائم بحق الإنسانية، من حوادث قتل وضرب واعتقال، إضافة إلى صور الفلسطينيين مكدّسين في ممرات أشبه بأقفاص منتظرين السماح لهم بالعبور، عكست وجهاً لا أخلاقيّاً لإسرائيل، ما اضطرها إلى التغيير المستمرّ والقلق في شكل الحاجز، الذي تتنازعه الأضداد بين الحاجة إلى فصل الآخر والتخلّص منه، والحاجة إلى الظهور بصورة "الدولة الحضارية الديمقراطية والمتطوّرة" التي "تحترم حقوق الإنسان". 

"أهلاً وسهلاً بكم في مَعْبَر قلنديا"!
ذلك يفسرّ تحول حاجز قلنديا اليوم إلى ما يشبه صالات المطارات الحديثة.
في طريقه إلى الحاجز، يلحظ المارّ يافطة كبيرة يمكن قراءتها على بعد أمتار، كُتب عليها، بالعربية والإنكليزية والعبرية، "أهلاً وسهلاً بكم في معبر قلنديا"!. واليافطة وحدها تختزل كل التضاد في المخيلة الإسرائيلية حول المكان: فالترحيب "أهلا وسهلاً"، يوحي للمارّ بأنه على وشك الدخول إلى مكان "عادي" و"أليف"، فهو يشبه الترحيب المكتوب على اليافطات التي تضعها البلديات على مداخل البلدات. والترحيب ينفي بدوره وجود أي توتر يتعلق بالمكان، الذي شهد ولا يزال أشكالاً من المعاناة، بل وحوادث اغتيال لفلسطينيين، والذين تُرك بعضهم

بلا إسعاف لينزف حتى الموت.
هكذا يحوّل الترحيبُ حاجزَ قلنديا، والذي هو بالأصل منشأة عسكرية، إلى مكان "عبور عاديّ متطور وحضاريّ". الترحيب هو أيضاً محاولة واضحة لتوظيف اللغة كأداة لفرض الحاجز كأمرٍ واقعٍ "عادي" و"طبيعي" في حياة الفلسطينيين؛ فالحاجز الذي ترك في الذاكرة الفلسطينية صوراً مترسّخة من الألم والمعاناة، يتم عبر "الترحيب"، ومن خلال التحسينات التكنولوجية والبصرية التي أُدخلت عليه، نفيُ كونه "حاجزاً" ومحوُ آثاره المؤلمة من الذاكرة الفلسطينية.
ثم تأتي، بعد عبارة "أهلاً وسهلاً"، كلمةُ "مَعْبَر"، والتي تحيل إلى "عبور عادي" لا تشوبه مشكلات، وهي الكلمة التي حاول الاحتلال على مدار السنوات الماضية تمريرها وترسيخها بديلاً عن كلمتي "حاجز" و"مَحْسوم" (3)، اللتين كان يستخدمهما الفلسطينيون في أحاديثهم حول الحاجز. وقد نجح الاحتلال إلى حد كبير في ذلك، إذ أصبحت كلمة "معبر" الأكثر تداولاً بين الفلسطينيين، على الرغم من ظهور حملات توعية بين الحين والآخر تدعو إلى استخدام كلمة "حاجز" لا كلمة "معبر".

حاجز قلنديا قبل التطوير الأخير (تصوير علاء ضراغمة) 

يعكس الاستخدام الإسرائيلي لكلمة "معبر" ضدّيْن في صورة المكان في المخيلة الإسرائيلية: الضد الأول هو كون الحاجز "معبراً"، أي مكان عبور "عادي وحضاري ومتطور"، وهي كلمة تعكس صورة عن إسرائيل "الديمقراطية والمتقدّمة"، والضدّ المقابل هو كون الحاجز في الحقيقة مكاناً "حدودياً ضرورياً لأمن إسرائيل"، ولعزل وفصل الضفة الغربية عن القدس التي تعتبر "عاصمةً" لهذه الدولة.
تبدأ يافطة الترحيب بالنص العبري ثم يليه العربيّ ثم الإنكليزي، وفي ذلك دلالات أخرى: العبرية تتصدر اللغات الثلاث باعتبارها "اللغة الرسمية" المفروضة على المكان، أي حاجز قلنديا، على الرغم من أن اليافطة تخاطب الفلسطينيين، فهم من يمرون بشكل أساسي عبر الحاجز، بالإضافة إلى قلة قليلة جداً من السياح، ولا يمر عبره إسرائيليون بطبيعة الحال. ثم تأتي العربية بعد النص العبري، كلغة تستخدمها إسرائيل اضطراراً، إذ إن كثيراً من الفلسطينيين لا يعرفون العبرية. كُتبت اليافطة باللون الأبيض على خلفيّة زرقاء، وهما، أي الأبيض والأزرق، لونا العلم الإسرائيلي، ما يشير إلى التأكيد على الهوية الإسرائيلية للمكان.

متاهة وموسيقى هادئة
أما الحاجز من الداخل، فقد تم تغيير الممرات التي كانت في السابق أشبه بأقفاص جدرانها قضبان حديدية رماديّة اللون، لتكون أشبه بمتاهة (ممرات متجاورة يؤدي أحدها إلى الآخر)، وتم طلاء جدرانها الحديدية بألوان الرمادي والأحمر الغامق والأبيض، وفي الجزء الأعلى من جدرانها توجد فتحات دائرية تسمح بدخول الهواء للمكتظّين بداخلها. وللمتاهة دور وظيفي هو ضمان قدرتها على اتساع أكبر عدد ممكن من المنتظرين لدورهم للمرور إلى القدس، غير أنها تلعب دورها أيضاً في التأثير النفسي على المارّة، إذ تضعهم في حالة من الرهبة والخوف

والضيق والتيه، وهي حالة مطلوب من "الضحية" أن تقع أسيرةً لها استعداداً للفحص الأمنيّ.
فور الدخول إلى المتاهة، يُسمع في الخلفية صوت موسيقى هادئة، كتلك التي تسمع في صالات الفنادق، والموسيقى واحدة من الإضافات الحديثة جداً إلى حاجز قلنديا. وهي، بالتضافر مع بقية العناصر التي أُدخلت على حاجز قلنديا، كيافطات الترحيب والإرشاد، والتحسينات التكنولوجية، والاهتمام بنظافة المكان، تضع المارّ "الضحية"، بين صورتين ضدّيْن للتلقّي، هما ذاتهما الضدّان اللذان يتنازعان حاجز قلنديا في المخيّلة الإسرائيلية: الحاجز كـ "مكان عبور متطوّر يهتم براحة المارّة"، والحاجز كبؤرة توتّر وكمنشأة عسكرية في منطقة حدودية "ضرورية لأمن إسرائيل".

الاستعمار بالتكنولوجيا
يلاحظ أيضاً أن التطوير المستمر في حاجز قلنديا يتناسب عكسياً مع وجود علاقة مباشرة بين الفلسطينيين والجنود؛ فكما ذكر سابقاً، وفي السنوات الأولى بعد إقامة الحاجز، كان تفتيش الجنود للفلسطينيين وفحص هوياتهم يتم بشكل مباشر وعن قرب، بلا فاصل بين الطرفين سوى مكعبات إسمنتية يقف وراءها الجندي، وبإمكانه أن يسمع الفلسطيني ويراه ويأخذ منه هويته مباشرة بلا واسطة. فيما بعد أقيمت غرف محصّنة يجلس فيها الجنود، يفحصون المارة وهوياتهم من خلف زجاج عازل للصوت، ويقوم المارّ بتمرير تصريح الدخول أو بطاقة الهوية عبر فتحة أسفل النافذة.
يحتوي حاجز قلنديا اليوم على أجهزة متطورة مزوّدة بكاميرات تصوّر المارّ الذي عليه أن يقوم بتمرير بطاقة هويته أو تصريح دخوله الممغنط على الآلة، والتي ستقرر بدورها عبوره أو عدمه. ورغم أن الآلات ما زالت لا تشكل بديلاً كاملاً عن الجنود، لأسباب عديدة منها على سبيل المثال أن الكثير من المقدسيين لا يحملون بطاقات هوية ممغنطة (التي ستكون خلال السنوات القليلة القادمة بحوزة الجميع بديلاً عن البطاقات العادية)، إلا أن المتوقع أن الآلة خلال السنوات القليلة القادمة ستكون بديلاً عملياً وكاملاً يؤدي دور الجندي، وتقرر عبور الفلسطيني من عدمه، في حين يبقى الجنود مراقبين من بعيد وفي الخفاء. إن السعي إلى تضييق التعامل المباشر بين الجندي والفلسطيني إلى الحد الأدنى يحمل دلالات عديدة حول علاقة المستعمِر بالمستعمَر وتصوراته حوله، ولكن ما نشير إليه سريعاً هنا، هو أن توظيف التكنولوجيا يسمح للمستعِمر بترجمة مخيّلته حول المستعمَر، الذي يُفضَّل أن يبقى بعيداً غير مرئي، غير مرئية معاناته، وغير مسموع صراخ معاناته.
يعتبر حاجز قلنديا العسكريّ "منطقة حدودية" ذات أهمية شديدة بالنسبة لإسرائيل، غير أن تطويره ليصير أشبه بصالات المطارات الحديثة، يأتي بهدف محو ما رسّخه الحاجز من صور للمعاناة في الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي والعالمي. وهكذا يتراوح حاجز قلنديا في صورته بين كونه منشأة عسكرية معزّزة بالجيش وكاميرات المراقبة والبوابّات الإلكترونية وممرات التفتيش، وكونه مبنى صُمِّمَ على نمط حداثيّ متطوّر، تُقدَّم فيه التسهيلات التكنولوجية لـ"عبور عاديّ" يرحّب خلاله بالمارّة. المارّة هنا هم المستعمَرون، المسيطَر تماماً على أرضهم وعلى حركتهم وأوقات وحدود حركتهم، والمعتبَر تمرّدهم في أي لحظة على الحاجز فعلاً يستدعي الاغتيال، بل إن الاغتيال يمكن أن يتم لمجرد الاشتباه، وقد حدث هذا بالفعل مرات عديدة. وما كل هذا التطوير والتحسين في شكل ووظيفة الحاجز إلا محاولة لترميم صورة إسرائيل وتطبيع حاجز قلنديا، أي فرضه كواقع "طبيعي" و"عاديّ" في حياة الفلسطينيين.

هوامش:
(1) هذا المقال مستخلص من ورقة بحثية بعنوان "صورة المكان بين الأضداد في المخيلة الإسرائيلية: القدس نموذجاً"، قُدمت إلى مؤتمر "القدس: تحديات الواقع وإمكانات المواجهة"، والذي نظّمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بالتعاون مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية والجامعة الأردنية، في عمّان في الفترة ما بين 15 – 17 حزيران/يونيو 2019.
(2) يوجد حاجز قلنديا بمحاذاة بلدة قلنديا التي تقع على مسافة أربعة كيلومترات تقريباً إلى الجنوب من رام الله، وتبعد 11 كيلومتراً عن المدينة المقدسة. وأصبح ضمن منشآت عسكرية أقامها جيش الاحتلال الإسرائيلي على أراض صادرها في قلنديا، بما فيها الأرض التي كان يحلم الفلسطينيون بإقامة مطار عليها. والحاجز محاط بمناطق عازلة وأسلاك شائكة وحواجز إلكترونية، إضافة إلى بوابات وكاميرات تمنع دخول الأشخاص إلا من خلال ممرات شبيهة بالأقفاص. انظر:
 "حاجز قلنديا"، موسوعة الجزيرة، 13/11/2014، شوهد في 10/5/2019، في: http://bit.ly/2YsMeIR
(3) محسوم كلمة عبرية تعني: حاجز.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.