}

في بحر من المخطوطات العربية

محمد. م الأرناؤوط 21 يناير 2019
أمكنة في بحر من المخطوطات العربية
جانب من مكتبة جامعة ييل
جامعة ييل Yale الأميركية الشهيرة في العالم واحدة من ضمن أول عشرة جامعات، ولها ما يبرر ذلك بحكم عراقتها وسبقها في مجالات عدة، والعلماء الذين تخرجوا فيها، حيث يكفي القول إن 19 من العاملين فيها حازوا على جائزة نوبل في مجالات مختلفة. وتأسّست نواة الجامعة (الكلية) في نيو هافن New Haven القريبة من شاطىء المحيط الأطلسي في 1701م، أي قبل الاستقلال، كمدرسة لتأهيل رجال الدين، وتحوّل اسمها إلى جامعة ييل في 1718م، تقديراً لرجل الأعمال إ. ييل E.Yale، لما تبرّع لها من أموال وكتب. وتحولت إلى جامعة بكليات إنسانية وعلمية مع الثورة الأميركية، حيث تتابع تأسيس كلية الطب أولاً، ثم الحقوق والدراسات العليا التي منحت أول شهادة دكتوراة في 1861م.
وتُعرف جامعة ييل على مستوى العالم بكونها الثانية في العالم (بعد هارفارد) في حجم الوقف المخصّص الذي يصل إلى 23.9 مليار دولار، بفضل منح المتخرجين منها الذين حفظوا وفاءهم بذلك للجامعة، كما أن مكتبتها تعتبر ثاني أكبر مكتبة جامعية في العالم، بكتبها التي تصل إلى حوالي 15 مليون كتاب ومخطوط ووثيقة.
لكن مكتبة الجامعة في الواقع عبارة عن مكتبات متنوعة ومتوزّعة على عدة أماكن تحمل كل واحدة منها اسماً مختلفاً. والذي يهمّنا هنا "مكتبة بايناك للمخطوطات والكتب النادرة" التي تحتوي على حوالي 800 ألف كتاب ووثيقة ومخطوطة، وهي في مبنى لا يلفت النظر من الخارج، لأنه يبدو أقرب إلى المستودع، ولكن يسحر في الداخل الذي يوفر بيئة مثالية للحفاظ على المخطوطات والكتب النادرة والبحث للباحثين القادمين من مختلف الولايات والدول سعياً لمخطوطة نادرة، أو كتاب يعادل المخطوطة في ندرته.

وحسب تاريخ هذه المكتبة، التي سُمّيت باسم إدفين بايناك E.Beinecke، أحد كبار المتبرعين، فإن أول مخطوطة انضمت إليها كانت في اللاتينية التي أهداها لها في 1714م إلياهو ييل، الذي سُمّيت الجامعة باسمه. ونظراً لأن جامعة ييل كانت أول جامعة تهتم بتعليم اللغة العربية منذ 1841م، فقد تزايد الاهتمام بجمع المخطوطات العربية والشرقية في النصف الثاني للقرن التاسع عشر. وفي النصف الأول للقرن العشرين، تسارع العمل على جذب وشراء مجموعات من المخطوطات في اللغات اللاتينية واليونانية والإيطالية وغيرها. واستفادت مكتبة الجامعة كثيراً بإثراء مجموعاتها من المخطوطات الشرقية، بفضل ما تبرع به بعض الباحثين والمعنيين بالمخطوطات، مثل إدوين بايناك، وإدوارد سالزبري E.Salisbury، وكارلو لاندبرغ C.Landberg، وغيرهم.
وحتى منتصف القرن العشرين، كانت شهرة المكتبة بمجموعاتها من المخطوطات العربية قد ذاعت، حتى تطلب الأمر قيام الباحث ليون نومي L.Nemoy بوضع فهرس "المخطوطات العربية في مكتبة جامعة ييل، الذي نشرته أكاديمية العلوم والفنون في نيو هافن عام 1956. ومع أن نومي يعترف بأن ما وضعه ليس فهرساً بالمعنى المتعارف عليه، ولكنه عّرف في الواقع بالمخطوطات العربية الموجودة في الحد الأدنى. ولكن بعد سنوات من نشر هذا الفهرس اغتنت المكتبة بمخطوطات مهمة تشكل إضافة نوعية، وخاصة مع مجموعة ثوماس مارستون Th.Marston، ومجموعة لويس رابينوفيتش L.Rabinovitz، وغيرها، التي أصبحت تحتّم الآن وضع فهرس جديد بكل معنى الكلمة للمخطوطات العربية في المكتبة، وتحديث الفهرس الإلكتروني الموجود داخل المكتبة فقط.
ومع الإضافات الجديدة، أصبحت المكتبة تضم حوالي خمسة آلاف من المخطوطات الشرقية معظمها في اللغة العربية، وهي متنوعة في موضوعاتها من اللغة والأدب والتاريخ إلى الفقه وأصوله وعلم الكلام والفلسفة.. إلخ.
وبالعودة إلى مبنى المكتبة الذي يقع ضمن الحرم الجامعي، يبدو من الخارج كأنه يمثل كتلة إسمنتية لا تنسجم مع المباني العريقة للجامعة، أو كأنه مجرد مستودع، ولكن بمجرد الدخول من الباب يشعر المرء أنه ينتقل من مبنى إسمنتي أجرد، إلى مبنى أخّاذ يمثل تحفة معمارية من
الداخل. فالجدران التي تبدو إسمنتية جرداء من الخارج تتحول إلى لوحات فنية من الداخل، بالإضافة إلى دورها الوظيفي في حجب الضوء المؤثر على المخطوطات. أما المخطوطات نفسها فقد اصطفت بشكل بديع على شكل مريع داخل المكتبة يرتفع ستة طوابق تملأ المخطوطات جهاتها الأربع بشكل بديع، حتى يشعر المرء بأنه في بحر من المخطوطات. أما الدور الأسفل (القبو)، فقد خُصّص للعاملين والباحثين الذين لهم قاعة مريحة للبحث والاطلاع على ما يحتاجوه من مخطوطات، أو كتب نادرة.
وطالما تناولنا موضوع القهوة في مقال سابق، ضمن التاريخ الثقافي لها، تجدر الإشارة هنا إلى أنه لدينا في هذه المكتبة (ضمن مجموعة لاندبرغ) مختارات شعرية عن القهوة وضعها الأديب المصري الشيخ عبدالله الأدكاوي (1693-1770)، وسمّاها "حسن الدعوة للإجابة إلى القهوة"، التي تتألف من 13 ورقة أتمّ إنجازها في 14 جمادى الأول 1176هـ، الموافق 1 كانون الأول/ ديسمبر 1762.
وفي الواقع، يكتفي الشيخ الأدكاوي بمقدمة صغيرة يعرض فيها لظهور القهوة في دمشق عام 953 هـ/ 1546م، وما أحدثته من خلاف بين العلماء بين منعها وتحليلها، ومن تجاذب بين الشعراء بين مدحها وذمها، ثم يقدّم مختارات من القصائد المؤيدة للقهوة بعد أن فرضت نفسها وأصبحت لها محلات خاصة تُعرف بها (بيوت القهوة أو المقاهي).
ومن القصائد الكثيرة، التي تحولت بعضها إلى قالب شعري لإثبات حليتها من الناحية الفقهية، لدينا قصيدة فيها الشعر الخالص المعبّر عن النفس التي تستطيب القهوة وتحتفي بها كقصيدة الشاعر المصري صلاح الدين الحريري:

قهوة البُنّ حلال ورَشْفا

شربها أنعش قلبي وشفى

قهوة كالمسك لونا وشذا

عَرفُها ينشقه من عَرَفا

يا لها من قهوة ما ذاقها

من به ألم إلا اشتفى

قهوة منعشة صافية

خصّ الله بها أهل الصفا

سخنة الملمس فيها لذة

مُذ عشقناها عَلَوْنا

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.