}

أوه ساراتشينو! أو الساراسيين

يوسف وقّاص يوسف وقّاص 15 أكتوبر 2018
إناسة أوه ساراتشينو! أو الساراسيين
الامبراطو ثوفيلوس ورجال بلاطه: حروب طويلة مع العرب

أثناء قراءتي لوقائع الرحلة التي رسم من خلالها أمجد ناصر لوحة لمدينة أمالفي الإيطالية بعنوان "لقاء مع ’جيل البيت’ في بلدة إيطالية"، تذكّرت الحيرة التي وقعت فيها بدوري عندما سمعت لأول مرة أغنية "الساراتشينو" (أو الساراسين، إذا ما أردنا أن نعتمد اللفظ الإنكليزي للكلمة) التي كتبها وغنّاها في عام 1958 المطرب الإيطالي ريناتو كارسوني، وما زالت من أكثر الأغنيات الشعبية رواجاً حتى اليوم، أسوة بأغنية "أوه سولِهْ مِيّو O sole mio" التي كتب كلماتها، بلهجة نابولي أيضاً، الصحافي جوفانّي كابوُرّو عام 1898 ولحّنها إدواردو دي كابوا، لتتحول فيما بعد إلى تراث من الموسيقى العالمية لكثرة الفنانين الذين قاموا بأدائها خلال قرن من الزمن، من بينهم لوتشيانو بافاروتّي، فرنك سيناترا، خوزيه كارّيراس، إلتون جون وغيرهم بالعشرات. 

كنت آنذاك حديث العهد مع البيئة واللغة الإيطالية، وعرفت من صديق لي أنهم يعنون بتلك الكلمة "العرب" أو المسلمين أو الشرقيين بشكل عام، ولم يتمكّن من تقديم إيضاحات أكثر، إنما أضاف أن اسم "ساراتشينيسكا"، أي السَديلة اللَفّافة أو الباب الزلّاج للمحلات التجارية، لربّما مشتق من نفس الكلمة. وبالفعل، بعد مراجعتي لعدد من القواميس والمعاجم الإيطالية، تبيّن لي أن "ساراتشينيسكا" تعني فيما تعنيه، إطاراً معدنياً مصنوعاً من الصفيح المموّج أو من عناصر مفصلية، التي تمتد من أسطوانة تنزلق داخل مجارٍ جانبية عمودية. ومن المُرجّح أن هذا الاسم مشتق بدوره من كلمة ساراتشينو لأن سكان المدن الساحلية في جنوب إيطاليا كانوا يستعملون قضباناً حديدية مماثلة لحماية مداخل الحصون من غارات العرب، أو الساراتشين.

وفي الحقيقة، كنت قد نسيت الموضوع، رغم أنني من فترة لأخرى، عندما يصادفني هذا الاسم في مقال أو كتاب ما، كنت أعقد العزم على إجراء بحث جدّي والوصول إلى مصدره ومغزاه الحقيقي، إلا أن ما كتبه أمجد ناصر كان حاسماً لوضع حدٍّ لهذا التردّد. ورغم توفّر مصادر كثيرة حول هذا الموضوع، إلا أنني لاحظت أن شروحات جميع المعاجم كانت متقاربة، باستثناء بعض التعديلات أو إضافة معلومات لا تفي بالغرض في معظم الأحيان.

ساراتشينو Saraceno، كتعريف معجمي وأكاديمي، هو الاسم الذي أطلق على العرب والمسلمين بشكل عام في العصور الوسطى المسيحية الأوروبية. والكلمة، بهذا المعنى، مجهولة تماماً في التراث التاريخي والأدبي للعرب أنفسهم: وأقدم شهادة على وجودها (باستثناء مقطعين من ديوسكيريدي وبليني بنصه المثير للجدل) نجدها في جغرافية بطليموس، وفيما بعد لدى ستيفان البيزنطي، الذي يعود بدوره إلى أورانيو، وبالتالي إلى العصر الهيلليني.

على أي حال، استناداً إلى ما تنقله العديد من المعاجم، لا يشير اسم ساراتشينو إلى كلّ السكان العرب، بل لسكان خليج العقبة فقط، في الجزء الجنوبي من شبه جزيرة سيناء. وغالباً ما يتمّ ذكرهم والقبائل المجاورة لهم باسم Taoeni، الذي يمكن إرجاعه بسهولة إلى قبيلة "طي" المعروفة جيداً بين القبائل العربية.

وبما أن هؤلاء يعيشون في بقعة تحدّها من الشمال المناطق التي يقطنها السوريون، اتخذت في اللغة السريانية المعنى العام ﻠﻠ "عرب" (التي انتقلت من السريانية إلى الفارسية ومن هناك إلى الصينيين)، وبالتالي اسم "ساراتشينو"، الذي كان يستخدم باستمرار بين كتّاب القرنين الأخيرين من العصر القديم، انتهى به المطاف إلى تصنيف النسب الكامل للعرب الرُحّل؛ لتشمل بطريقة موازية ما أطلقه اللاتينيون على اليونانيين، Graeci، والفرنسيون على الألمان Allemand.

لكن القبيلة القديمة للعرب أو الشرقيين – حسب قاموس تريكّاني - سوف تبقى حيّة، وفقاً لرأي بعض اللغويين، في كلمة "السوارقة" الحالية (من سَرَقَ)، ويعنى بها البدو الذين يستقرّون على ساحل البحر الأبيض المتوسط شرق سيناء.

ومع ذلك، ثمّة من يحافظ على أصل الكلمة "شرقي"، وهو مصطلح لا يزال عرب الصحراء الشمالية يستخدمونة للدلالة على "الغزاة الرُحّل" (لأن القبائل المتخصّصة بالسطو، توجد في شرق المناطق الزراعية)؛ وهذا التأويل يتفق مع المعنى الآخر، الذي كان قد حالفه الحظ في الماضي، وفقاً لذك كلمة "ساراتشينو" مشتقة من فعل "سَرَقَ"، إلّا أن كلتا التسميتين خالية من أي سند تاريخي أو لغوي، لأنها لا تأخذ بالاعتبار أن اسم "ساراتشينو"، بهذا المدلول، غير موجود أصلاً في اللغة العربية.

ثمّة نكتة سمجة كان قد أطلقها القديس جيرولامو (جيروم) في حياته، وتفترض أن "المسلمين أو العرب"، يستحقون بالأحرى أن يُطلق عليهم اسم "الهاجريين" (نسبة إلى هاجر)، كأحفاد ينحدرون من هاجر محظيّة إبراهيم، وليس من زوجته الشرعية سارة، وهي تسمية لاقت استخداماً واسعاً في الأدب اللاتيني القروسطي كمصطلح مرادف ﻠ "ساراتشينو". 

ورغم ذلك، هذا التصحيح المضلّل لم يحالفه الحظ في الاستخدام الشائع، بينما ظلّ استخدام اسم "ساراتشينو" واسع الانتشار، الذي أصبح، من بين الأمور الأخرى، كعنصر من الأسماء العامة، مثل "قمح ساراتشينو Grano saraceno"، بينما مصطلح السارازين Sarrazins عادة ما يتمّ استخدامه للربط ما بين الشعر الملحمي الفرنسي والشعر العربي في الأندلس، ومنه تسلل هذا المصطلح إلى شعر الفروسية الإيطالي، وظلت كلمة "ساراتشينو"، خلال كل فترة القرون الوسطى، تعني العرب، بل جميع المسلمين، الذين حاربتهم أوروبا خلال الحملات الصليبية وفي القرون اللاحقة (على سبيل المثال، يقول دانتي في الفصل السابع والعشرين من الكوميديا الإلهية، 87: "وليس مع الساراتشين ولا مع اليهود").

وبمعنى أكثر تقييداً، كان يشار باسم "ساراتشيني" إلى تلك الجموع القادمة من شمال أفريقيا، التي، بعد أن احتلت صقلية في القرن التاسع والعاشر، أقامت بعثات استكشافية وأسست حصوناً عسكرية على امتداد سواحل جنوب إيطاليا، من مقاطعة ليغوريا (عاصمتها جنوة) وبروفانس (أشهرها حصن فراسِّينيتو)، بحثاً عن الغنائم، وصولاً إلى ممرّات جبال الألب وسويسرا. 

هناك أيضاً العديد من دراسات أصل الكلمات أو علم الاشتقاق (Etimologia)، والتأثيل الشعبي (Paretimologia)، أي الكلمات المنسوبة إلى الشعب، بخلاف تأثيل أهل اللغة والاختصاص، تؤكّد على أن كلمة "ساراتشينو" مشتقة من وصف تولوميو، Sarakenos، من "Sharqiyyun"، أي "شرقيون"، إلّا أن أشهر تأويل لهذه الكلمة نجده في افتراضات إيزيدورو الإشبيلي 560-636 (Isidoro di Siviglia) ويوحنّا (ابن سرجون) الدمشقي 676-749 (Giovanni Damasceno). فحسب هؤلاء، أُطلق اسم "ساراتشيني" على العرب والمسلمين لأنهم يزعمون أنهم أحفاد سارة أو، حسب آخرين، لأنهم من أصل سوري، فهم يعيشون في صحراء شاسعة، ويُدعَوْنَ، بالإضافة إلى ذلك، "إسماعيليين"، لأنهم ينحدرون من إسماعيل، وهاجريين أيضاً، من هاجر. ومن ساراتشينو، اشتقت أيضاً كلمة "ساراتشينيكو"، التي تعني "غزو" و"سطو" من قبل "الشرقيين"!

أخيراً، ريثما ينقشع الغيم وينكشف السرّ، لا بأس من وقفة مع بعض المقاطع من تلك الأغنية الشهيرة، فهي على الأقل تكشف بعض جوانب شخصية "الساراتشينو" كما احتفظ بها المخيال الشعبي الإيطالي عبر القرون:

الساراتشينو، الساراتشينو

فتى وسيم! ...

يجعل جميع الفتيات تهيم بحبه! ...

لديه شعر أجعد، أجعد.

عيونه كقطّاع الطرق،

الشّمس تلفح وجهه،

ليس ثمّة فتاة لا تضّطرب،

عندما تراه يمرّ،

سيجارة في فمه،

ويده في جيبه،

يجول عبر كلّ المدينة.

فتى وسيم! ...

الساراتشينو، الساراتشينو.

يجعل جميع الفتيات "يتأوّهن"،

بهيُّ المحيا،

طيّب القلب،

بارع في ممارسة الحبّ، 

إنه شقي،

إنه غاوٍ

إذا نظرتَ إليه،

فهذا يجعلك "تهواه"،

امرأة شقراء سمَّمَت نفسها،

وسمراء انهارت يائسة،

هل هو سمٌّ ذعافٌ؟

الساراتشينو، الساراتشينوووو! ...

 

***

المراجع:

-        Amari, Storia dei musulmani di Sicilia, 2ª ed., Catania 1933.

-        Enciclopedia e Vocabolario Treccani, De Voto, Zanichelli.

 

 

مقالات اخرى للكاتب

آراء
8 نوفمبر 2017
آراء
14 أكتوبر 2017
آراء
1 أكتوبر 2017

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.