}

قصر فرساي: جنة ثقافية على الأرض

بوعلام رمضاني 14 سبتمبر 2018

قصر فرساي معلم ثقافي فرنسي فريد من نوعه في العالم، ويفوق بتجلياته الفنية والحضارية على مدار كل الفصول المعالم الأخرى التي تجعل من بلد موليير وبودلير وبروست وديغول وجوريس إحدى أولى القبلات السياحية والثقافية التي يتوجه إليها الملايين من شتى أصقاع الدنيا.

وإذا كانت سمعة قصر فرساي قد تجاوزت حدود فرنسا وأوروبا منذ قرون وعقود، فإن هذه السمعة تزيد من خصوصيتها وأبعادها في فصل الصيف الذي "تنفجر" فيه الثقافة كقنبلة تصيب شظاياها كل الأجانب بوجه عام والآسيويين بوجه خاص. وينجو من شظايا قنبلة فرساي الثقافية السياح العرب المخمليون والكادحون والأغنياء من المهاجرين المقيمين وغير المعنيين في أغلبيتهم بالحياة الثقافية والفنية والأدبية كما يجب حتى إشعار جديد. ووقف مراسل "ضفة ثالثة" عند هذه الحقيقة وهو يتجول عبر حدائق قصر فرساي في انتظار انطلاق باليه المياه الموسيقية متسللا وغريبا وسط حشود بشرية تتنفس التاريخ والحضارة والثقافة والفنون كما تتنفس الهواء.

7 ملايين ونصف

مليون سائح ثقافي

يقصد قصر فرساي سنويا 7.5 ملايين سائح من بينهم 4.7 ملايين يأتون خصيصا لزيارة متحفه. وتبلغ نسبة السياح الفرنسيين 42% والأجانب 79%. وتبلغ ميزانية القصر حوالي 40 مليون يورو وتأتي 60% من المداخيل وتضمن الدولة النسبة الباقية، لكن منذ عام 2002 توقف دعم الحكومة للقصر الأسطوري.

يتضمن القصر 6300 لوحة تشكيلية و2100 منحوتة و1500 رسم و15000 تحفة منقوشة و5000 قطعة فنية. وتبلغ مساحته 67121 مترا مربعا منها 30616 خاصة بالمقتنيات الدائمة للمتحف و15000 لمتحف تاريخ فرنسا و15970 للزيارات الحرة والمنظمة و1382 للمعارض المؤقتة. تبلغ مساحة حظيرة قصر فرساي وحدها 850 هكتارا تتوزع على ميدان تريانو، الذي يبلغ مساحة 740 هكتارا، وحديقة القصر الباروكية الطابع، التي تبلغ مساحة 90 هكتارا، أما مساحة القناة الكبرى فتبلغ 23 هكتارا وتتضمن 55 نافورة و600 لعبة مائية و250 ألف شجرة. وتغرس في القصر سنويا 210 آلاف زهرة. على امتداد القناة والنافورات المذكورة تنظم في النهار تظاهرة المياه الموسيقية بين أبريل / نيسان وسبتمبر / أيلول وفي الصيف ليلا خلال بعض أيام السبت. يشهد القصر أيضا حفلات حول حوض نبتون من نهاية يونيو/ حزيران حتى نهاية أغسطس/ آب، ويتحول القصر خلال هذه الشهور الى مزار ثقافي يؤمه الآلاف من السياح من شتى أصقاع العالم جريا وراء متعة نفسية وجسدية شاملة بكل المعايير ومعرفة ثقافية وحضارية استثنائية وطلبا لتطهير روحي يقطع صلة الزائر باهتمامات وهموم مادية ومالية خالصة.

قصر فرساي المصنف ضمن تراث اليونسكو العالمي والذي يترأسه جان جاك إياغو، وزير الثقافة اليميني السابق، تحول عام 1995 إلى مؤسسة عمومية ذات طابع إداري تشرف عليها وزارة الثقافة. وتتمثل أهدافها في التربية والمحافظة على التراث ودراسة وتثمين المقتنيات الفنية وصيانة البنايات والحدائق والتكوين والبحث في مجال التاريخ بوجه عام والتاريخ الفني بوجه خاص وعلم المتاحف والموسيقى وفنون الخشبة. إلى جانب تلك الأهداف، يعد قصر فرساي بؤرة إبداع منتظم من خلال التظاهرات الثقافية والفنية التي يحتضنها سنويا والمعارض والملتقيات والنشر والحفلات التي يحييها كبار مبدعي الموسيقى والمسرح والرقص في العالم على خشبة الأوبرا الملكية وفي الكنيسة وحول الحدائق الغناء.

بصمة الملك الشمس

عرف قصر فرساي الملكي تاريخًا من التغييرات المعمارية المثيرة على امتداد أربعة قرون كادت أن تنتهي بهدمه لولا إصرار الملك لويس الرابع عشر على تحويله إلى معلم تاريخي وحضاري فريد من نوعه. ومن إقامة عادية كان يلتحق بها الملك لويس الثالث بن هنري الرابع عشر عام 1623 بعد عودته من الصيد أصبح قصر فرساي ورشة هائلة كللت بولادة معمارية جديدة مذهلة، وذلك بفضل الملك لويس الرابع عشر الذي خلف والده في سن الخامسة عام 1643، وشرع في الأشغال في إثر زواجه من ماري تيريز الإسبانية الأصل عام 1660. كلف الملك الشمس، كما كان يطلق عليه، المهندسين لوييه لوغو وشارل لوبرا وأندري لونوتر بإعادة تصميم البنايات والحدائق والديكور العام، وتم توسيع القصر انطلاقا من عام 1668 وبناء شقق الحمامات ومدرج السفراء عام 1672 قبل تكليف المهندس جول هاردوان مونسار بهدم سطيحة الحدائق واستبدالها بأروقة الثلج. واتخذت الحدائق وجها ساحرا غير مسبوق على يد المتخصص الكبير الفنان لونوتر بين 1661 و1700 بعد أن اكتست أرضية القصر حلة بديعة بواسطة سلسلة من صالونات الحدائق والقنوات المائية والنافورات والأحواض والتماثيل البرونزية والرخامية والرصاصية. وأعلن لويس الرابع عشر الملك الشمس يوم السادس من أبريل/ نيسان من عام 1682 قصر فرساي مقرا لحكومة فرنسا، ومنذ ذلك التاريخ لم تعد فرساي، التي تقع غرب باريس وتبعد عنها حوالي 26 كيلومترًا، عاصمة سياسية فحسب بل تحولت إلى واجهة للإبداع الفني الفرنسي. بعد موت الملك لويس الرابع عشر يوم الفاتح من سبتمبر 1715 توقفت أعمال التغيير الجنوني الذي عرفه القصر وانطلقت أشغال جديدة بوصول لويس الخامس عشر الى الحكم، والذي لم يتأخر في طبع بصمته هو الآخر بتحديث الشقق الملكية وبناء صالون هيركول والأوبرا وقاعة التريانو الصغير.

الجمهورية تصون المتحف

جاء دور لويس السادس عشر واستكمل سلسلة الأشغال الضخمة التي أحدثت تغييرا شاملا في القصر الملكي العجيب، وراح بدوره يضع لمسته قبل اندلاع الثورة بقليل يوم السادس من أكتوبر/ تشرين الأول من عام 1789 بإنهاء قرية الملكة عام 1783 الأمر الذي أدى إلى إلغاء مشاريع أخرى، وتسبب في بيع الأثاث الفاخر في المزادات العلنية وتحويل اللوحات التشكيلية والتحف الثمينة إلى اللوفر والكتب والميداليات إلى المكتبة الوطنية.

حافظت الجمهورية على القصر حتى في ظل عهد نابليون الأول الذي سعى كما كان متوقعا إلى إطلاق أشغال جديدة والإقامة فيه خلال الصيف، ولم يستمر مسلسل الأشغال مع وصول لويس الثامن عشر وشارل العاشر إلى سدة العرش بعد اتخاذه قرار عدم الإقامة في قصر فرساي. وتحول القصر الذي كاد أن يهدم عام 1830 إلى متحف بفضل لويس فيليب وتم تدشينه عام 1837 تحت شعار تكريم كل أمجاد فرنسا في إطار مصالحة وطنية، وتطلب تحويل القصر إلى متحف هدم الجزء الأكبر من شقق الأمراء والخدم وخاصة تلك الواقعة على مستوى جناحيه. وعند اندلاع حرب 1870 تحول القصر إلى مستشفى عسكري ومقر سياسي وعسكري لبروسيا في إثر إعلان إمبراطوريتها عام 1871، ولم تلبث أحداث كومونة الثورة أن وضعت حدا نهائيا لمسلسل سياسي فرنسي داخلي طال أمده وآخر خارجي عابر مع تعيين الحكومة الفرنسية وإعلان الجمهورية يوم 30 جانفي/ كانون الثاني عام 1875 في قاعة الأوبرا التي أصبحت تحتضن اجتماعات الجمعية الوطنية.

مركز بحث ومعهد موسيقي

قصر فرساي ليس متحفا فريدا من نوعه في العالم بشقيه الداخلي والخارجي فقط، وحيز الفكر يكتسي أهمية بالغة في البرامج الثقافية الدائمة والأخرى المنظمة على مدار الأعوام. من هذا المنطلق، يقوم مركز البحث الذي يعد من المرافق التي يؤمها الأساتذة من شتى أنحاء العالم بالتكوين في مجالات أنماط الحكم التي عرفتها فرساي وأوروبا خلال القرنين السابع والثامن. ويركز المكونون على الأبعاد الحضارية والنفسية والسياسية العملية، التي ميزت تلك الفترة، وعلى كيفية تداول وانتقال الأفكار والرجال وتطور الفنون والعلوم ومقاربة القصر معماريا وفنيا واحتفاليا. ويقع مركز البحث في دار رتشارد المسماة أيضا جناح جوسيو في قلب حظيرة تريانو، وفيه يدرس ويحدد المجلس العلمي برامج البحث. والبحث ليس فكريا فقط في قصر فرساي، فهو موسيقي أيضا من خلال مركز الموسيقى الباروكية الذي أسس عام 1987 بمبادرة من فيليب بوسو وفانسان برتييه دو ليونكور. وتتمثل أهداف المركز في البحث والتعليم نظريا وتطبيقيا، وأسندت مهمة البحث إلى مخبر تابع للمركز الوطني للأبحاث العلمية الشهير (cnrs). ويسعى المركز إلى العثور وإعادة إحياء الإنجازات الموسيقية التي تمت في القرنين السابع عشر والثامن عشر وتداولها على أوسع نطاق ممكن من باب تثمين التراث الموسيقي اللصيق بتاريخ قصر فرساي. ينظم مركز الموسيقى محاضرات وندوات وورشات لكافة أنواع الجمهور والصغار بوجه خاص وحفلات وأوبرات أيام الخميس ويشرف على تظاهرة المياه الموسيقية الكبرى التي حضرنا جانبا منها قبل أعوام ليلا وقبل حوالي عشرين يوما في النهار، وهي التظاهرة التي يحضرها الآلاف من الزوار الأصحاء الذين يصطفون في طوابير طويلة لشراء تذاكرهم، ومن المرضى والمقعدين الذين ينسون عاهاتهم ويعالجون نغص حياتهم النفسية بعلاج المياه الموسيقية كما يعالجون داء مفاصل أجسادهم بالمياه المعدنية.

 تطهير بصري وسمعي

على ضوء القمر

إذا كانت زيارة قصر فرساي كمتحف فريد من نوعه في العالم تتسبب بتعب جسدي مهما قاوم الزائر المتيم بالجمال المعماري، فإن الوقوف عند نافورات وأحواض وحدائق القصر لحظة انطلاق استعراض المياه الموسيقية لا يمكن إلا أن يكون علاجا ينسي الزائر تعبه الجسدي ويطهر روحه ويشبع بصره وسمعه بسعادة نفسية نادرة تقطع صلته بكل ما يمكن أن ينغص حياته.

كاتب هذه السطور كان قبل أعوام قليلة أحد زوار القصر في ليلة صيفية حالمة مكنته من التسلل وسط حشود بشرية أجنبية في معظمها، ومن تغطيتها لإذاعة الجزائر الدولية بمبادرة شخصية، الأمر الذي لم يعجب مديرها الذي أضحى منزعجا من هذا الاهتمام الثقافي المفاجئ وغير الوارد في سلم أولوياته! يومها نسي المراسل همومه وجسده وعقله وانغمس في جو فني ساحر بشهادة القمر في تلك الليلة.

ويعطي مبرمجو الاحتفالية الخرافية العنان لـ 55 نافورة تخرج 600 لعبة مائية بديعة على إيقاع سمفونيات موسيقية باروكية. وتزيد المشهدية رونقا وسحرا حينما تنفجر السماء بألعاب نارية متعددة الألوان والأشكال على امتداد مساحة 77 هكتارا تكسوها تماثيل وحدائق كان ملوك فرنسا يتجولون عبرها رفقة ضيوفهم غير العاديين مثلهم وليس مثلي أنا العبد الضعيف الذي وجد نفسه غريبا مجددا بعد أن تأكد من غياب أبناء جلدته في التظاهرات الثقافية والفنية.

عاد عبدكم الضعيف الشهر الماضي الى قصر فرساي ظهيرة يوم ربيعي باسم "ضفة ثالثة"، وتمتع كما كان منتظرا بكل توابل كوكتيل المتعة المطلقة لكنه خرج يجر ذيول الخيبة بعد مقارنته سحر المياه الموسيقية ليلا ومثيلتها نهارا! وحتى لا أهضم حق بعض الزوار العرب والمسلمين الذين يعدون على الأصابع يجب أن أذكر أنني شاهدت سيدة ماليزية مرتدية حجابا عصريا، ومصريا رفقة زوجته المتحجبة.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.