}
عروض

الغرب لا يعرف سوى معطيات جزئية عن الإسلام

محمود عبد الغني

1 سبتمبر 2019
ما بعد النفاق الإيديولوجي
هل بدأنا نخرج من مرحلة النفاق الديني والإيديولوجي، وأصبح الباحثون الغربيون يسمون الأشياء بأسمائها؟. وهل حين يتعلّق الأمر بالإسلام نقول إنه الإسلام، والرأسمالية هي الرأسمالية، والشيوعية هي الشيوعية، بعكس مراحل سابقة كنا نسمع عن عودة الدين، والمقصود هو عودة الإسلام إلى الواجهة، وليس المسيحية أو اليهودية، كما كنا نسمع، في مجال الصراع الإيديولوجي، عن الإيديولوجي والمقصود بها الشيوعية؟
لو جاء كتاب "الإسلام والغرب: من إيديولوجيا الصدام إلى جدلية النزاع" (ترجمة: المؤرخ خالد بن الصغير، مؤسسة الملك عبد العزيز، الدار البيضاء، 2019) لجوسلين داخلية، الباحثة المتخصصة في تاريخ العلاقات بين الإسلام وأوروبا داخل الفضاء المتوسطي، في مرحلة النفاق الديني والإيديولوجي لحمل عنوان "الديانات والغرب". لكن مباشرة بعد الهجمات الإرهابية على نيويورك في 11 أيلول/ سبتمبر 2001، وبعد تطور البحوث في حقل الإنسانيات، واغتناء وجهات النظر بالأحداث السياسية والثقافية والدينية الكبرى، وبعد تأزيم علاقات النخب الفرنسية، والأوروبية عموماً والأميركية، بالإسلام، تبيّن أنه من الضروري تسمية الأشياء والأحداث بأسمائها الحقيقية. وقد أثبتت جوسلين داخلية سعيها وراء هذا الوضوح في المقدّمة الخاصة بالترجمة العربية: "كان منطلق تحرير هذا الكتاب وخلفيته العامة، بغاية الوضوح، هو السياق السياسي الذي جاء في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001"؛ إذ كان همّها الأساس، كباحثة، مرافقة طلبتها من أجل تقديم "تحليل لمضامين المنشورات الجديدة المتعلّقة بالإسلام، التي تكاثر صدورها بشكل غير مسبوق في تلك الآونة".



انسداد في مواقف 
المجتمع الفرنسي
 تؤكّد المؤلفة على حقيقة أصبحت ظاهرة ولا يمكن حجبها، وقد تكرّست بالتدرّج، وهي حقيقة الانسداد في المجتمع الفرنسي بخصوص مسألة الإسلام وعلاقته مع الغرب. لقد تضاربت المواقف إلى أن انتهت إلى متطرّفة. ولم تفلح مبادرات من قبيل إنشاء المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في التخفيف من حدّة مظاهر التطرف هذا، ومع مرور السنين والأحداث أصبح هذا

الهدف بعيد المنال، حسب المؤلّفة. لذلك نجدها تطرح هذا السؤال وهي في غاية الحرج: لماذا أصبحنا جميعاً في مواجهة هذا المأزق؟ إنه مأزق فعلاً يولّد حيرة فكرية وإيديولوجية غير مسبوقة، فرغم تعدد المنشورات والدراسات حول الإسلام والغرب، الصادرة بمبادرة من مفكرين ودارسين وجامعيين، أو من طرف هيئات ومراكز متخصصة، لم تتضاءل الهوة بين الطرفين، ولم يتبدّد الضباب الحاجب لأي تفاهم دولي. بل إن المؤلّفة ترجع تفاقم أشكال ومظاهر سوء الفهم هذا، بل العداء المتنامي، إلى كثرة هذه المنشورات والدراسات، في وقت يحتاج فيه العالم ليس إلى تضخم المنشورات بل إلى فتح باب الحوار المباشر و"إعادة تأهيل النظرة التي نضفيها اليوم على العالم الإسلامي". وهذا، حسب المؤلفة، هو طموح النصوص والدراسات الموجودة بين دفتي هذا الكتاب. ولعل المدخل إلى هذا التأهيل هو التخلّي عن التصور الفاشل الذي يصنف الحضارات باعتبارها تكتّلات متماسكة، وكيانات مسلّحة وميّزة بشكل كامل.



ديانة غير معروفة 
بشكل جيّد
الإسلام غير معروف بطريقة جيدة في فرنسا- هذه هي الحقيقة التي تؤكّدها جوسلين داخلية. إن أسماع الفرنسيين أُثقلت وحوصرت من طرف متحدّثين عن الإسلام لا يعرفون عنه الشيء الكثير. فالمعلومات المتضاربة واللهجة القطعية هي السائدة في فرنسا. وهذا أمر يقضّ مضجع حتى التيارات السياسية. وعلى أرض الواقع يغيب أي توافق في الآراء. ويعود ذلك في الجوهر

إلى الطريقة الشمولية التي نتصوّر بها الثقافة، أو العلاقة مع الثقافات التي تمرّ بوضعية متأزّمة. وذلك بمعنى ما أزمة ضاربة في فكرة الحدود، حدود الذات، تاريخها وثقافتها. إن أي ثقافة تريد الحفاظ على حدودها الخاصة بها تكون عرضة لهذه الأزمة التي تصبح أزمة في العلاقات مع الآخرين. إن مسألة التأشيرات، وتنقل الأشخاص، وهما مسألتان جزئيتان، يمكن اعتبارهما انعكاساً لهذا التشويش المقلق. لأنها في النهاية تعيد رسم الحدود وتعيينها انطلاقاً من الداخل والخارج. وهذا باب يمكن أن يُفتح على قضية في غاية الخطورة: التشكيك في المعايير السياسية للانتماء. فحين لا تكون فرنسياً يتم التعامل معك على قاعدة هذه الصفة. وإلا لماذا يتحدث السياسيون طوال الوقت عن المنطقة المتوسطية، والشراكات، والاستثمارات... إنه تركيب جديد، كانت له مقدّمات عدّة، لكنه خطير يضرب مفهوم العيش المشترك.


إعادة النظر في عبارة "صدام الحضارات"
ظل المؤرخون يردّدون أن الحضارة وحدة متماسكة، إلى أن جاء صموئيل هنتنغتون وقال إنها وحدة ولكن يطبعها الصراع. فأصبح مفهوم "صراع الحضارات" يفرض نفسه، مما أجل مسألة الحديث عن "الثقافة". هنا، تؤكد المؤلفة، "ظهر الإسلام باعتباره ثقافة مسجّلة تحت علامة الخصوصية التي يتعذّر نقلها أو تكييفها". لكن إعلان هذه الخصوصية لا يجب أن يفيد، كما هو اليوم، أن الإسلام دين إرهاب ورفض للآخر، بل، بالعكس من كل ذلك، وبفكر سليم، هو دين ككل دين يسعى إلى فرض نفسه ووجوده الأسمى وتحقيق النصر لفائدته. وهذا هو سرّ التحولات المستمرة، التي لا تتوقف، على هذا الدين طيلة تاريخه. وما ظهور الإسلام الراديكالي إلا مجرّد تحوّل من هذه التحولات، وقد كان من الأسهل القضاء عليه في فترة زمنية وجيزة، بدل العمل على إنهاء دور الإسلام ككل. وإجمالاً يمكن القول إن هذه هي الرؤية الكبرى للكتاب بأكمله.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.