}
عروض

رواية "الحي الروسي": اللامعقول أساس بناء الأحداث

فيصل خرتش

27 أغسطس 2019
في رواية "الحي الروسي"، يبني خليل الرز عالماً بعضه وهمي، وبعضه الآخر حقيقي. إنه يتخيل مجتمعاً كاملاً يقوم على أطراف دمشق، ويسميه الحي الروسي، ويضع فيه البيوت والحوانيت، والملاهي، وحديقة الحيوان، وبعض الساكنين الروس، وبعض السوريين، والكلّ "هنا" يعيش بأمان وسلام، إلى أن جاء البلاء الأعظم، عندما بدأ القصف يقع على غوطة دمشق من بساتين الحي الروسي.
تسكن الشخصية الرئيسية في الحي الروسي، وهي جالسة تتفرج على مباراة من الأرشيف بين إسبانيا والأوروغواي، وعلى صوت المدافع القريبة التي كانت تأتيها منذ الصباح الباكر، ولقد كانت تنتظر فطائر التفاح التي يخبزها دينيس بتروفيتش، أستاذ الكلارينيت في المعهد العالي للموسيقى.
هكذا "يخلط" الرز بين الأمكنة، وهذه عادة جرى عليها في روايته "البدل"، فالعالم كلّه بين يديه، ولماذا لا يضع الرقة قريبة من موسكو، وحلب قريبة من جبل قاسيون، ودمشق فيها حديقة حيوانات، وعلى ذلك يمكن أن تكون الغوطة قريبة جداً من الحي الروسي، ومن الحي الروسي يأتي قصف المدافع.
يتجّه خليل الرز إلى خلق نصّ روائي لا يجاريه فيه أحد، إنّه يخلط الأمكنة مع بعضها، وهذه الطريقة تعتبر واحدة من الطرائق الحديثة التي تستخدمها الرواية العالمية، وتشتمل على الظواهر التي تمثل تغييراً في السرد الروائي ذاته، كما أنها تمثل تغييراً في طريقة تسلسل الأحداث التي اعتدناها في الرواية. والجديد في رواية خليل أنها تتم بوسائل أدبية مختلفة
(تقطيع السرد والغموض في أحداث الرواية) كذلك نراه يستخدم دائماً حبكة متقنة الصنع وبشكل فني، فالقارئ أمام هذا التقطيع يكون واعياً بالنصّ، ومن ثم بطبيعته الانفعالية. وإنّ هذا الغموض واللعب الروائي يمثلان خاصية من خواص الرواية الجديدة.
ففي حديقة الحيوانات نراها لا تملّ من سماع نشرات الأخبار في التلفزيون (قياس 14 بوصة) ولا من برامج العمال والفلاحين وتهضم بسهولة النقل المباشر للمسيرات الشعبية في ذكرى الهزائم والانقلابات وتتحمل بشاعة وتسامح الأعياد المتنوعة، وتتابع إلى النهاية المقابلات المتشابهة التي تجري مع الكتاب والممثلين ورؤساء البلديات ومديري التموين والمجرمين التائبين، وتنظيم المرور في شوارع المدينة القديمة. لقد صار بإمكاننا أنّ نترك الحيوانات تتفرج على هذا العالم المتواصل أمامها طوال الليل على الشاشة الصغيرة.
في تقديم النصّ وفي حبكته يصور خليل الرز المجتمع تصويراً كاملاً، ويؤدي هذا التصوير الأدبي للواقع إلى تواز بين المؤلف ونصه، وعلى ذلك تبدو الرواية أكثر تعقيداً، لكنه في نهايتها يسجل السيطرة على المجتمع وقوانينه. ويقحم أمّه في الحكاية، فأثناء مشاهدته المباراة، وأثناء قصف المدافع لجيرانهم في غوطة دمشق وهذا يكون من قبل الحي الروسي، تظهر أمّه وهي تطرطق على الأرض بعصاها، في هذه اللحظة الحرجة من عمر المباراة، لتطلب منه أنّ لا ينسى قدمها في سطل النفايات لأنها ستبتر في مشفى الرازي وأنه عليه دفنها في اليوم ذاته لكي تحشر معها يوم القيامة، ولم تدرك أن ولدها مندمج بالمباراة وبالضجيج المنبعث من التلفزيون، فيؤجل مفاتحتها بموضوع قدمها إلى يوم الحشر.


اللغة الحديثة
معمار الأحداث
خليل الرز يدهشنا بلغته التي تصنع الأحداث، إنها لغة طازجة، متهورة، سريعة، تسابق الزمن، وتحيط به، وهي تبني عالمها ببراعة قلما يستطيع روائي آخر أن يجاريه، أو لنقل بشكل آخر، إنّ الرواية عند خليل الرز هي اللغة، واللغة الحديثة هي المعمار الذي يبني عليه أحداثه. ونعود إلى الأمّ التي سوف تتزوّج أباه "الذي سيأتي من حلب عندما سينمو لها ثديان كبيران، وسوف تلدنا جميعاً، أنا وأخوتي، ويجب أن تتعلم كيف تطبخ منذ الآن، وكيف تجلو الأطباق، وكيف تغسل الملابس، وكيف تسكت الأولاد، وكيف تشعل الحطب في الموقد وفي الوجاق وتحت

صاج الخبز"، وهكذا يبني خليل عالمه السريع والمذهل بهذه اللغة الحارة.
واللامعقول هو الأساس في بناء الأحداث، فطالما أن الحرب التي تقع في سورية تقوم على اللامعقول، فلماذا لا يصنع رواية تقوم أحداثها على بنية اللامعقول. إنّ "بوريا" وهو إحدى شخصيات الرواية هو المتنفذ الفعلي بمصائر الحي الروسي، "وكان نفوذه بدأ منذ حوّل زعران الحي، فارضي الخوات القدامى، جثثاً في حاويات القمامة، ثم فرض أعماله الخيرية التي حاصص بموجبها الناس بأرزاقهم بدءاً من المتسولين ولاعبي الكشتبان وعاهرات الأرصفة وأصحاب بيوت البغاء وصالات القمار والمطاعم والمقاهي والكباريهات والسينما والمسارح وصالات الفن التشكيلي". هذا البوريا يلاقي عصاماً أمام حديقة الحيوانات، ولقد أدرك جميع السكان أن الحي الروسي لا يقع في فراديس أحلامهم المفقودة، ولا يقع في العاصمة القديمة دمشق، وإنّ كان جزءاً من الجغرافية في الكتب والمصورات. لقد كان الحي الروسي برزخاً هشاً، لكنه قابل للحياة بصورة من الصور. وعصام هو المؤلف والمخضرم للرقص والأغاني والحكايات الشعبية والمنافسات والأعياد والطقوس والشعائر، لكنّ الأحداث الساخنة التي انفجرت في عموم البلاد قد نسقت عملياً الخيارات المتاحة لحكاية الحي الروسي بين بوريا وعصام لسوء الحظ.
ساهمت وسائل الإعلام في مشاعر الناس القديمة منذ بداية الأحداث عندما عمّت التظاهرات عدداً من مدن البلاد وبلداتها... منذ تساقط القتلى بين المتظاهرين، وما تلا ذلك من تشكيل الألوية والكتائب والفيالق المجاهدة في سبيل الله، واستمرار وصول الجنود القتلى من أولاد الحي الروسي، وبدء تدفق قذائف الهون القادمة من الغوطة فوق رؤوسهم، وتزايد أعداد المعتقلين الذين أصبح يعثر عليهم عراة مشوّهين مكبلين في البساتين وفوق تلال القمامة، ثم إمعان الطائرات بقصف المدن وإزالة بعض الأحياء والبلدات الصغيرة من الوجود...
وبعد أن يصف كلّ هذا الهول بدقائقه التفصيلية ينتقل ليصف لنا تلفزيون حديقة الحيوان، ويقارن حجمه الصغير بتلفزيونات الحي الأخرى ذوات الشاشات الضخمة والمواصفات الحديثة في كثير من المطاعم والمقاهي والبارات والبيوت، وهذا يعود إلى الصداقة التي عقدت منذ مدّة قريبة بين رئيسة بتروفنا وبين العجوز موستاش – كلب أبو علي سليمان، وهلمّ جرّا. هكذا يجمع خليل أحداثه ويوزعها في الرواية، وينتقل من اللامعقول إلى المعقول، ومنه إلى فضاء يدهشنا فيه، وربما هو أصبح كتلة مؤسفة من الحجر البارد الأصم، لم يعد يؤثر فيه شيئ من الفظائع التي تجري أمامه.
ويجّدد خليل في المكان، فالأماكن غير معروفة عند القارئ فليلعب بها إذاً، وإذا الطبّال عز الدين مع مهرج سيرك وراقصة مصرية شابة، وثلاث عاهرات روسيات مسنّات، يأتي بهن من كباريه إشبيلية من حلب، ثم ظهر الأستاذ معين أمين مكتبة المركز الثقافي في دمشق، وبعد ذلك يصعد خليل حجازي مع مجموعة من الممثلين والممثلات العاطلين عن العمل، يصعدون إلى مكان وهمي، ثم يصل أركادي مع حفيدته راما وابنته طبيبة الأطفال صوفيا وزوجها الدكتور عزيز الشيوعي السابق الذي شهر به في العمالي، وحنا كعدة، والعندليب، ومقصف الجامعة المركزي، ولماذا فصل من الحزب، لأنه ظهرت عليه أعراض مرض الطفولة اليساري،

بالإضافة إلى أشخاص كثيرين لم ترهم من قبل لا في حديقة الحيوانات، ولا في شوارع الحي الروسي الذين تطرقهم كلّ يوم قتل وانفجارات وخطف واعتقالات ودم يتوزع بهدوء.
وها هو عصام يقتل، فلو أنه قتل بقذيفة هاون قادمة من الغوطة لكان قتله وتشييعه ودفنه موضع ترحيب من قبل بوريا ورجاله، وسيعامل معاملة استثنائية لا يتمتع بها إلا ضحايا الغوطة والقتلى من أولاد الحي الروسي، الذين تخلفوا عن الخدمة العسكرية، ولم يحالفهم الحظ لا في السفر إلى خارج البلاد ولا في التخفي المتقن داخلها، فألقي القبض عليهم وأرسلوا إلى جبهات القتال، ثم عادوا في صناديق مختومة ملفوفة بالأعلام باعتبارهم شهداء الوطن، وسيكون مشهداً مذهلاً بتحليق نعش عصام بالملائكة والطبول خلف مشعل يمضي بهم في أعالي السماء، وعندئذ لن يكون مستحيلاً بأن يحلّق وراءهم حاملو المشاعل والمشيعون والحي الروسي كلّه، وسوف تكون معجزة لن تنسى.
انتهت جنازة عصام بشكل مسرحي، وبأن الحي الروسي لم يفكر أن بلادنا منذ ثورة آذار المجيدة لم تعد تنظر إلى المتظاهرين إلا باعتبارهم إرهابيين مموّلين من جهات خارجية وأنّ التظاهرات لم تعد سلمية حتى ولو خرج المتظاهرون عراة إلى الشوارع.
إنّ من يتابع مسيرة خليل الرز الروائية يدرك تماماً أنه يعيش التجديد والحداثة في كلّ عمل، فهو ينطلق دائماً نحو عالم جديد يشع فتنة وغموضاً ودهشة، وهو يمضي وحيداً.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.