}
عروض

حفيدة هدى شعراوي تكتب عن جدتها: مثقفة مستنيرة مقاتلة

فيصل درّاج

12 أغسطس 2019
كانت دار الهلال في القاهرة أصدرت عام 1981: مذكرات رائدة المرأة العربية هدى شعراوي. وعادت دار التنوير بيروت – القاهرة – تونس – إلى إصدارها ثانية عام 2013 بعناية هدى الصدة.
والسؤال الذي يطرحه القارئ: ما الذي يدفع بالحفيدة سنيّة شعراوي إلى إعادة نشر مذكرات جدّتها ("وكشفت عن وجهها"، المركز القومي للترجمة، القاهرة 2019، 429 صفحة)؟ ترتبط الإجابة، بداية، باستكمال نشر المذكرات، ذلك أن السيدة المصرية الشهيرة توفيت عام 1947، وأن آخر تاريخ تورده مذكراتها المنشورة هو عام 1935، ما يترك عدداً من السنوات والأوراق محجوبة وناقصة، تالياً، في المذكرات.
بيد أن مراجع ومقدم الكتاب طارق النعمان يورد سبباً إضافياً له علاقة بالترجمة، وبتقويل الرائدة ما لم تقله، أو التصرّف بما قالته بشكل يلبي رغبات "الاستشراق" في زمن، أو أغراض "ما بعد الحداثة" في زمن آخر. ذلك أن المذكرات ظهرت مترجمة إلى الإنكليزية عام 1986 بعنوان يُثير الفضول: "سنوات الحريم"، الذي يدرج الموضوع كله في تنميط قديم – جديد، يحذف الفعل التحرّري العاقل ويشد المرأة العربية، لزوماً، إلى "الحريم"، ذلك التصوّر الغربي الزائف، الذي يرى المرأة العربية بعيون "ألف ليلة وليلة"، حيث الأسر والقهر والحجاب والنقاب. ولعل أيديولوجيا التنميط الكولونيالية التي تلتهم المرأة، كما المجتمع العربي، بعامة، هي التي دفعت سنيّة شعراوي إلى إصدار كتابها الهام: "إسقاط النقاب: حياة هدى شعراوي، نسوية مصر الأولى" عام 2012، والذي كتب بالإنكليزية وأخذ باللغة العربية عنواناً أكثر مواءمة: "وكشفت عن وجهها".
يتحدّث الأستاذ طارق النعمان، في تقديمه اللامع والطويل، عن "محاولات تنميطنا وقولبتنا في
تنميطات وقوالب أبدية، بما يخدم السياسات الغربية تجاه العرب وتجاه الشرق بعامة. ص 22". ويشير أيضاً إلى "آفاق التوقع" لدى القارئ الغربي الذي يرى العالم العربي كما يريد أن يراه، أو كما توقعه، كما لو كان "يخلق العرب" قبل أن يتعامل معهم. ولهذا فإن كلمة "الحريم" التي ترد أربع مرات في 457 صفحة من طبعة دار الهلال، تتمدد وتتوسع لدى المترجمة الأميركية مارجو بدران لتصبح خمساً وعشرين مرة. بل إن بإمكان الاختراع اللغوي "الأكاديمي" أن يُعيد تفسير النهضة العربية، في رموزها المختلفة، بما يجعل منها "تبعية للغرب"، كأن تكون هدى شعراوي كما قاسم أمين وغيرهما، مغتربة عن بيئتها، كما لو كان عليها أن تدافع عن التخلّف وتوطّده، كي تكون "نسوية أصيلة". وكذلك أعداء طه حسين، على سبيل المثال، الذين يختزلون مشروعه الفكري في ترجمة أفكار فرنسية، على اعتبار أن الأصالة المطلوبة تساوي "تأصيل التخلّف" لا نقده وتقديم بديلاً عنه.
يتضمن الكتاب أربعة مواضيع أساسية: أولها تاريخ مصر الوطني الحديث، الممتد من نهاية القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين في وجوهه الكبرى – ثورة 1919 – وتحوّلاته السياسية، وثانيها موضوع العنوان، أي حياة هدى شعراوي، رائدة تحرير المرأة العربية المولودة عام 1879 وجهودها في سبيل تحرّر المرأة وتحرير المجتمع المصري بعامة. أما البعد الثالث فيسرد، في تفاصيله المتعددة، تاريخ تحرر المرأة العربية، أكان ذلك في مصر أو في خارجها، والذي شارك فيه جمع واسع من النساء لم يفصلن بين تحرر المرأة وانعتاق المجتمع، بعيداً عن جهود نسوية متأخرة تضع المرأة خارج المجتمع، أو المجتمع خارج المرأة، وتطالب "بتحرّر خالص للمرأة في ذاتها، لا شُبهة فيه لأثر اجتماعي". والبعد الأخير غير معروف، أو المعروف بشكل منقوص، فيتمثّل بمكان فلسطين الواسع في كفاح هدى شعراوي، الذي كان كفاحاً سياسياً وثقافياً، مصرياً وعربياً وعالمياً.

العلاقة بالقضية الفلسطينية
لم تتعرّف هدى على القضية الفلسطينية دفعة واحدة. فهي المصرية، ذات الأصول الشركسية، التي اهتمّت باللغة العربية وحفظت القرآن الكريم في سن مبكرة، واستهلّت حياتها بفضول ثقافي متجدّد ودرست العربية والتركية والفرنسية، وأُتيح لها الاختلاط بنساء أوروبيات أقرب إلى

النخبة. لذا كانت تقارن بين ما تعيش، وهي التي تزوجت في سن مبكرة دون رغبة منها، وما يقترح الوعي الصحيح أن تعيشه، وانتبهت إلى وضع المرأة المقيّد، وعطفت عليه وضع المجتمع، وصولاً إلى تكوين جمعيات وصحف ولقاءات ومؤتمرات.... إلى أن أصبحت اسماً "عالمياً" في الدفاع عن حقوق المرأة. ولهذا كان تعرّفها على فلسطين علاقة في تعرّفها على الواقع المصري والعالمي، وفي اختلاطها بنساء أوروبيات وأميركيات، وصولاً إلى الهند.
ولعلّ انفتاح شعراوي الواسع على شخصيات غربية، موضوعها الأساسي "قضايا المرأة الجديدة"، هو الذي كان وراء نشر مقال طويل يشيد بالمستوطِنات الصهيونيات في فلسطين في مجلة "ليجيبسيان"، الناطقة بالفرنسية، التي أسستها هدى، وصدر عددها الأول في شهر شباط/فبراير 1925، وكتبت فيها نساء لا يعرفن عن الواقع الفلسطيني إلا القليل. غير أن متابعة ما يجري في العالم العربي، كما مناهضة الاحتلال الإنكليزي في مصر ومطالبتها بإلغاء "الامتيازات الأجنبية"، لفتت سريعاً نظر هدى إلى "تدفّق المهاجرين اليهود إلى فلسطين"، وما يمثّله من خطر على أهلها. وكانت من ضمن من ينقلون إلى هدى ما يجري في فلسطين المحامية الفلسطينية صايبة جرزوزي، المقيمة في مصر، التي كانت تدرك مخاطر الصهيونية وآفاقها.
بعد إعجاب بريء بطاقة المستوطنين الصهاينة، أدركت السيدة شعراوي أن نشاطهم يندرج في مخطط صهيوني منظّم، سينتهي إلى طرد عرب فلسطين. وبناء عليه أدركت أنه يجب على الاتحاد النسائي المصري منذ 1925 أن يتخذ في كل المحافل الدولية موقفاً واضحاً مدافعاً عن قضية فلسطين. يذكر في هذا المجال أن المفكر المصري محمد حسين هيكل، صاحب "رواية زينب"، لم يعرف حقيقة الصهيونية إلا بعد هدى بسنوات طويلة، فقد كان متعاطفاً مع اليهود الذاهبين إلى فلسطين في كتابه "مذكرات الشباب" عام 1982. وواقع الأمر أن نشاط هدى في الاتحاد العالمي للمرأة، وكانت في قيادته، كما علاقاتها بالمدافعات عن المرأة، كان مسكوناً بمفارقة موجعة، بسبب هيمنة الفكر الصهيوني في أوساطهن، ما فرض على كفاحها النسائي العالمي إعاقة مستمرة، على الرغم من صلابة أخلاقية والتزام عروبي عميقين جعلاها تتمسك، بلا مساومة، بالحق الفلسطيني.
بدأت "ليجيبسيان" تغطي الأحداث الجارية في فلسطين بشكل مستمر، بعد أن أفضت طرب عبد الهادي، زوجة عمدة القدس، إلى هدى بما دار بين زوجها عوني عبد الهادي وديفيد بن غوريون، الذي قال له إن الهدف الصهيوني هو استقدام أربعة ملايين يهودي إلى فلسطين، ما يستدعي ترحيل أهل فلسطين إلى الخارج. لذا طالبت هدى، في مؤتمر التحالف الدولي للنساء الذي عقد في مرسيليا عام 1933، بإيقاف الهجرة اليهودية، ولم تعثر على آذان صاغية، دون أن يعوّق ذلك مثابرتها في الدفاع عن فلسطين.
يتجلّى تاريخ هدى شعراوي الكفاحي، كما كتبته حفيدتها، في مبادراتها الوطنية داخل مصر، وفي اهتمامها المستمر بالقضية الفلسطينية، وآية ذلك بيان لجنة المرأة العربية في حزيران/يونيو 1936، الذي نشرته مجلتها، وقد صيغ بشكل نداء موجه إلى النساء البريطانيات، إضافة إلى جمع الأموال وإرسال برقية إلى وزير شؤون المستعمرات البريطانية، وإلى رئيس مجلس

العموم، وصولاً إلى نداء موجه إلى كافة نساء العالم، وإلى اتحاد البرلمانات العالمي.
عادت، وبعد هذا كله، وأطلقت نداء إلى بلاد الشرق الأوسط لمساعدة فلسطين، نشرته في مجلتها "ليجيبسيان" في أيار/ مايو 1938، جاء فيه "حين ثارت مصر كان عليها الدفاع عن استقلالها في مواجهة مغتصب واحد، في حين تدافع فلسطين المنكوبة عن حياتها في مواجهة عدوّين إثنيْن شرسيْن حشدا القوى لإبادة أطفالها والحلول مكانهم. ص 353". آمنت هدى بأن دور النساء الدفاع عن السلام، وأن اليهود غير الصهاينة سوف يقفون إلى جانب الفلسطينيين حين يتعرفون على وضعهم، وأن على المرأة العربية الواعية أن تكشف حقيقة ما يجري في فلسطين، وأن الالتزام بهذه الحقيقة واجب فوق الاعتبارات جميعاً، ما دفعها إلى أن تستقيل من اللجنة التنفيذية ""للتحالف الدولي للنساء"، الذي كانت تهيمن عليه الصهيونية، وأن تتنحّى عن منصبها كنائبة لرئيسته.
لا ضرورة لمتابعة كفاح هذه المصرية المجيدة من أجل فلسطين، حتى يوم وفاتها في السابع من كانون الأول/ ديسمبر (ديسمبر) من عام 1947، إذ أن وضعها لن يكون مختلفاً عن موقف الوفدي القديم والوطني البارز النقراشي باشا، الذي استمع إلى قرار تقسيم فلسطين في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1947، و"كانت الدموع تنهمر على وجهه، إذ لم يستطع أن يخفي إحباطه وقنوطه الصامتين. ص 395".
تكشف شخصية هدى الشعراوي، في مسارها الكفاحي الطويل، عن مثقفة أخلاقية من طراز رفيع، ووطنية مصرية نموذجية، دافعت عن التعليم وحقوق المرأة في التعليم والاستنارة، وقالت بضرورة إصلاح الحياة السياسية ومحاربة الفساد ولعبت دوراً سياسياً بارزاً، إبان وجودها في حزب الوفد وبعد خروجها منه، والتزمت بالحق الفلسطيني المنهوب حتى الرمق الأخير. وإذا كان طه حسين أعلن عن حالة فريدة في الثقافة العربية المعاصرة، فإن هدى شعراوي قدمت صورة نادرة لامرأة عربية مستنيرة مقاتلة.
وأخيراً ينطوي كتاب سنيّة شعراوي على بعد معرفي، يضيء تاريخ مصر، وبعد قيمي أخلاقي رفيع، آيته هدى شعراوي، التي دافعت عن حرية الإنسان في كل مكان.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.