}
عروض

باكورة بهاء إيعالي: نحو مخاض لغوي جديد

تغريد عبد العال

12 يونيو 2019
تنأى قصيدة الشاعر اللبناني الشاب بهاء إيعالي نحو الكثافة والنحت في اللغة بعيدا عن اليوميات والتفاصيل الصغيرة التي يكتبها الشعراء الشباب اليوم. فمن الواضح أن الشاعر يشتغل على معجم خاص، يكون بمثابة مخاض جديد له ومغامرة أولى للبحث عن صوته في عالم الشعر.
يبدأ النحت في اللغة من عنوان مجموعته الأولى (الضوء آخر عصفور في السماء) حيث المحاولة الأولى في إطلاق العنان للمخيلة، وتركها تحيك صوراً جديدةً ومبتكرة، فقد أوجد الشاعر قرابة لغوية لبعض الكلمات وهو عمل لغوي جديد مثل ضوء وعصفور، والحرب واللسان كما يقول في قصيدة أخرى له: الحرب أطول من لسان العاهرة. تحاول هذه الصور أن تجد هويتها السوريالية والبعيدة عما يكتب اليوم.
لا يسهب الشاعر في الكتابة عن نفسه، فالأنا مختفية، تفضل أن تكون مثل جندي مجهول في معركة كبيرة، تراقب عن بعد وتكون تصوراتها عن العالم ولكنها تظهر أحياناً بشكل مفاجئ، فتأتي الكتابة لديه من همّ وجودي عام، يعكسُ رؤية خاصة عن الحياة والموت والشعر والحرب، وكأنه يرغب في التقاط نجمة الشعر من سماء اللغة ويهرب كما يقول في قصيدة له: ( كل ما يمكنني فعله الآن التقاط نجمة والهروب بها) وهو بهذه الطريقة يثبت نفسه أمامنا لغويا ووجودياً كما يقول في الصورة الخامسة: (ألوث يدي وأضعها على الزجاج لأثبت لكم
أنني لم أعد صغيرا).
تغيب التفاصيل اليومية التي تصف الأشياء عن المشهد الشعري في الديوان الذي قسمه الشاعر إلى سبع صور فوتوغرافية وقصيدة أخيرة بعنوان طلقات، وتحضر الصور بأجوائها العامة التي تقدم لنا صورة عن بعد، حيث يصوّر الشاعر المأساة والخراب بلغة مكثفة تلاحق أنفاسها للخروج من المأزق النفسي واللغوي. ففي الصورة الأولى يقول الشاعر وهو يصف الخراب: (قوارب تغلق أفواهها بماء تبصقه المراحيض). ونلاحظ أن قسوة المشهد الذي ينتهي بقول الشاعر: (العبور موت)، يأتي من محاولة الشاعر أن يضعنا في أجواء غرائبية تكون بمثابة صورة فوتوغرافية لواقع مؤلم وقاس، العبور منه هو الموت وربما هو الولادة أيضا التي تبشر بها نهاية القصيدة: (وصلت إلى هنا لكن جدي الذاهب إلى ظلال الفحم، لم يصل بعد). وهنا إشارة للعبور في اللغة الذي يسبق أحيانا العبور الوجودي وكأن الشاعر هنا يريد أن يقفز إلى عالمه الخاص ويكوّنه كلمة كلمة.
نقرأ الشعر أحيانا لنمتلئ بالصوت الخاص للشاعر، لا لكي نعثر على حكمة أو عبرة ما كما يقول الشاعر الأميركي مارك ستراند. وهذا ما يشعر به من يقرأ بهاء إيعالي، ففي ديوانه الأول هذا هناك رغبة شديدة لترك أثر ما وذلك الأثر هو الصوت الخاص الذي يبحث عنه الشاعر، والذي يريده أن يكون قويا لا خافتا، كما يقول: (لن أسقط قتيلاً رغم ارتطامي، لأنني لا أشبه الشهداء الذين عبروا الطريق بصمت).
الصمت غير وارد بالنسبة لبهاء إيعالي، فالدخول في عالم اللغة هو بمثابة الدخول في معركة كبيرة، يستخدم الشاعر معجما خاصا بعالم الحرب، فيقول في إحدى شذرات الديوان: (أنا ضجيج ذاك الزقاق المدهونة جدرانه بالدم)، وفي الصورة
الخامسة يقول: (ربما لو نظرت إلى وجهي لوصلت الحرب قبلي). ورغم قسوة الصور أحيانا فإننا نعثر على جماليات الهزيمة ونبرة خافتة مفاجئة: (حين كنت أتلوى بخطاياي، لم أكن أمشي، كنت أحاول البكاء) وفي قصيدة أخرى (أكتب هذا الخراب لشدة شوقي إلى النوم).
هناك اشتغال أيضا على الشكل في القصيدة وتنويع بين القصيدة الطويلة والشذرة والنص، وكأن الشاعر هنا يعمل ليحرر القصيدة من شكلها ويتركها تختار طريقتها في الخروج إلى الحياة. فتبدأ المجموعة بقصائد طويلة وتنتهي بالشذرات.
يقدم الشاعر في الشذرات رؤيته للعالم، وهي رؤية من زاوية نظر خاصة، ففي إحدى الشذرات يقول: (الأشجار هي أيادي الأرض، لا أفهم لم أجد معظمها علكة في فم النار؟) فالطبيعة وهي إحدى مكونات هذا الوجود تحولت إلى مجرد سؤال أمامنا، وكأنها محاولة للتساؤل والعبث بمسلمات هذا الوجود الثابتة. وهنا نتساءل ونحن نقرأ: أليس الشعر محاولة لمساءلة الأشياء الثابتة حولنا ورؤيتها بعين أخرى؟

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.