}
عروض

رواية تجعلنا نُحدّق في السّماء

تغريد عبد العال

12 ديسمبر 2019
وأنت تقرأ رواية الكاتب التشيلي إيرينان ريبيرا ليتيلير "الرجل الذي حدّق في السماء"، الصادرة عن دار الساقي 2019 ترجمة محمد مصطفى، تسأل نفسك ذاك السؤال البسيط في عالم الرواية الحديثة: عن ماذا تتحدث الرواية؟ إنها ببساطة الرواية التي يحدث فيها كل شيء وفي الوقت نفسه لا يحدث فيها أي شيء. إنها تنتمي إلى عوالم سحرية أو ربما شعرية حيث تفاصيلها الصغيرة وأحداثها البسيطة تتناغم كي تعلن انحياز الراوي لعوالم جديدة لا نقرأها في الروايات الأخرى.

رواية تجعلك تعيد قراءة صفحاتها، كي تتعرف إلى غرابتها، وتشارك في كتابتها بطريقتك الخاصة، حيث تحفزك على إضافة تأويلك الخاص للأحداث وفهمك لها، وربما تستطيع أن تؤلف قصتك الخاصة عنها.
يسرد ليتيلير قصّة رجلِ يحدّق في السّماء طويلاً، وقد سمّاه الرائي وقال عنه: "توقّف الرّجل لحظة عند ناصية شارع برات، ورفع رأسه شاخصاً ببصره صوب السماء. كان ذلك كلّ شيء... كان كل ما يفعله هو أن يشخص ببصره صوب السماء، لا أكثر من ذلك أو أقل".
يبدو واضحاً لنا أن هذا الشخص "الذي إذا كان عليك أن تخمن عمره لقلت إنه يتراوح بين الستّين والأبدية"، إنما يحدّق في المستقبل، في ذلك الفضاء الواسع والمجهول والمفتوح على الأبد. يؤكّد الكاتبُ أنّ هذه الرواية تعدُّ ترنيمة لسماوات تشيلي، ويواصلُ قائلاً: "أعتقد أنّني لم أكن لأصبحَ كاتباً إن لم أمض صباي في الصحراء، فحتى تصبح كاتباً، يكون عليك أن تعتاد العزلة".
هناك شخصيّتان إلى جانب الرّائي هما الفنّان والبهلوانة، ويبدو أنّ هناك سرّا ما يربطُهما، حيث يقولُ الكاتب: إذا كان الرّائي يجعلُ النّاس ينظرون إلى أعلى، وأجعلهم أنا ينظرون أسفل، فإن البهلوانة تجعلُهم يولون بصرهم بين السماء والأرض. إذاً هناك ثلاثية: السّماء والأرض وما بينهما، المستقبل والحاضر والماضي. تبدأ أحداث الرواية في أنتوفاغستا، وبعدها يتّجهُ الجميع إلى شمال البلاد، حيث يزورون أماكن مثل وادي القمر، وكالاما وسان بادرو دي أتاكاما، وطول الطريق يتذكّر الجميع ذكرياتُ جريمة القتل الفظيعة وهم يتأمّلون السّماء الواسعة.
لعلّ ما يصدمنا أكثر هو أن الرّائي ارتكب جريمة، وأنّه رغم جمال وشعرية دوره في الرواية إلا أنّه يقوم بتلك الرحلة لكي ينتقم من الذين قتلوا زوجته وابنته. يخطر ببالنا لوهلة أن يكون الرّائي ملاكاً ما لكننا حين نعلم أنه قتل فنحن نعيد إليه إنسانيته وبشريته وكأن السماء هي خلاصه الوحيد من الشر الذي يطارده، ولكن هذا لا يمنع من اعتباره قائدا لرحلتنا في الحياة، أليس هو الشاعر الذي بداخلنا؟

يقول ليتيلير عن الرائي "لم يقل الرائي سوى بضعة أشياء كل مرة، وبأقل قدر من الكلمات. في ما بعد، عرفنا أن الرجل يفضل أن يذكر خلاصة الأشياء". هذه إشارة إلى الشعر الذي يقول الروائي إنه يؤمن به كعقيدة، وإنه ما ينقصنا في هذه الحياة، وهكذا تبدو الرواية شعرية تذهب بعيداً نحو الإشارة إلى الأشياء بدون شرح مطوّل لأحداث الرّواية وكما قال فإنّ حلمه هو كتابة رواية يحدث فيها كلّ شيء، ولا يحدث فيها أي شيء، كما كان يحلم الفنّان في الرواية أيضاً.
وهذا ما نشعر به عندما نقرأ الرواية حيث لا أحداث مطولة أو تفاصيل وعقد سردية، إنما هناك سرد متواصل ومتناغم عن سماء وراءٍ وبهلوانة وفنان، إنها ما بين القصة والرواية كما صنفها الكاتب. هي رواية شعرية، تترك لنا حرية التأويل وتفتح في أذهاننا قصصا أخرى، فنبدو وكأننا نقرأ ونتأمل السماء ونستلذ بالكلمات التي هي خلاصة تاريخ تشيلي في صفحات قصيرة.
ولعلّ ذكر شعار العدالة الاجتماعية، كهدف أساسي لكلّ من الرّائي والبهلوانة والرسّام، ما هو الاّ تذكير بأنّ الفنّ والشّعر والحبّ ما هي الاّ أساسيّات لنا في خضمّ معركتنا ضد الموت والفساد والإرهاب الذي يواصل ضرباته حول العالم، كما يقول الكاتب.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.