عروض

"تهافت التأريخ التوراتي": التصدّي لتزوير تاريخ فلسطين القديم

عمر شبانة

11 فبراير 2018

سواءٌ أجاءت التوراة "من جزيرة العرب"، بحسب الراحل كمال الصليبي، أم من اليمن، أم من أي مكان، بحسب ما يرى آخرون، وسواء أكتبها موسى النبيّ أم عزرا وتلامذته ومريدوه، فهي بالنسبة إلى المؤرخ والباحث في التاريخ الفلسطيني وفي الإسرائيليّات الأستاذ الدكتور عصام سخنيني، تظل ذلك "الكتاب" الذي لا قيمة له في عملية "التأريخ" لفلسطين القديمة، ولتاريخ المنطقة عمومًا، وتحديدًا فيما يتعلق بوجود اليهود فيها.

وهذا ليس رأي سخنيني فقط، بل هو رأي بدأ بدراسة العالم والأديب ابن حزم في كتابه "الفصل.."، وهو كذلك ما توصل إليه علم التأريخ الغربي الحديث الذي يمثّله عدد من فلاسفة ومؤرّخي الغرب، بحسب ما يُخبرنا سخنيني.  

مهمة الهدم

في كتابه الصادر حديثًا "تهافت التأريخ التوراتي: مقدمة لكتابة تاريخ مختلف لفلسطين القديمة" (الدار الأهلية في عمّان/ الأردن، شباط 2018)، يدحض الأستاذ الدكتور عصام سخنيني الرواية التوراتية لتاريخ فلسطين القديمة، والروايات الأوروبية، وحتى العربية التي اعتمدت رواية "الكتاب" (العهد القديم) في كتابة تاريخ فلسطين، وينتقد المؤلف ما يسمّيه "بؤس الكتابات العربية الحديثة في تاريخ فلسطين القديم".

الكتاب الذي جاء في اثني عشر فصلًا، تضمّن مقدّمة رصينة ومتينة، يبيّن المؤلف فيها أسباب تأليفه هذا الكتاب، فالكاتب الذي عرفنا اشتغاله في البحث بتاريخ فلسطين في مراحله المختلفة، كتب كتابه هذا، كما يقول "لا لأكتب أساطير وخرافات سبّبتها حكايات "الكتاب" (هو الكتاب العبري "المقدس"، The Hebrew Bible. وهو يختلف في معناه ودلالاته عن كلمة التوراة، إذ تدل كلمة التوراة على الأسفار الخمسة الأولى التي هي على التوالي: التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية. ويطلق على هذه الأسفار أحياناً أسفار موسى الخمسة. أما "الكتاب" العبريّ فيضم بمجمله 39 سِفرًا بما فيها أسفار التوراة الخمسة، ويطلق عليه عادة اسم العهد القديم لتمييزه عن العهد الجديد الكتاب المقدس المسيحيّ الذي يشمل الأناجيل الأربعة، وما يلحق بها من أعمال الرسل ورسائلهم)، الحكايات التي كبّلت قديم فلسطين كلّه، على مدى قرون، بقيودها، فجاءنا ذلك التاريخ القديم وكأنه تاريخ من يعرّفون أنفسهم بأنهم بنو إسرائيل". ويضيف سخنيني "مهمّتي الآن (...) هي الهدم". فما الذي يريد هدمه، وكيف؟ ولمَ؟

إن غاية المؤلف هنا، وكما يحدّدها في مقدمته، هي القيام بالتصدّي للأساطير والخرافات والحكايات التي جاءت في "الكتاب" وألصِقت بذلك التاريخ، والقيام بإظهار فسادها وبُطلانها، وبالتالي هَدمها. فكتاب سخنيني هذا "مقدمة لإعادة كتابة تاريخ فلسطين القديم، إذ بدون هذه المقدمة التي تتصدى للأسطورة بمعول الهدم، لا يمكن إعادة كتابة هذا التاريخ بعلمية وموضوعية"، على أن تكون كتابة ذلك التاريخ مهمّة أخرى.. لكتاب آخر، وكتّاب آخرين ينتهجون المنهج نفسه.

وحسب مقدّمته، يكتب الدكتور سخنيني انطلاقًا ممّا يسمّيه "الثورة الأكاديمية" الكبرى التي حدثت في الغرب، خلال العقود الثلاثة الأخيرة في مجال "العلم الكتابيّ" (Biblical scholarship) والتاريخ الفلسطيني القديم، وتاريخ ما يسمى بإسرائيل القديمة. لأنّ هذه "الثورة" (الأكاديميّة)، التي استفادت من معطيات العلوم، كما تطورت منذ أواخر القرن التاسع عشر (علم الآثار والأنثروبولوجيا وعلم تاريخ المناخ وغيرها)، قد ألغت دور "الكِتاب" كليًّا تقريبًا، ولم يعد مصدرًا لمعرفة تاريخ فلسطين القديم، ووضعته "الثورة" في موضعه الصحيح من حيث هو كتاب لاهوت ومجموعة من الخرافات والأساطير لا تصلح لأن تكون مصدرًا لتفسير حقب التاريخ التي تتحدث عنها.. حيث "ظهر عدد وافر من العلماء الأفذاذ الذين حملوا على عاتقهم مهمة التصدي لتزوير التاريخ الفلسطيني القديم على أيدي منشئي "الكتاب" ومحرريه، وكثرت مؤلفاتهم في هذا الشأن".. وجرى "توسيع قاعدة المنتمين إلى هذا التيار العلمي الجديد، الذي عُرف أعلامه في الغرب بصفة minimalists لتقليلهم الاعتماد على مرويات "الكتاب" التاريخية إلى أدنى الحدود، مقابل من يعرفون بصفة maximalists الذين يبالغون في الاعتماد على تلك المرويات إلى أقصى الحدود".

ويذكر سخنيني أن "أكثر هؤلاء العلماء شهرة وغزارة إنتاج وتأثيراً في الأوساط الأكاديمية كل من الدانماركي نيلز بيتر لمكه Neils Peter Lemche الأستاذ في جامعة كوبنهاغن، والأميركي توماس طومبسون Thomas L Thompsom الأستاذ في الجامعة نفسها، والبريطانيين فيليب ديفز Philip R. Davies وكيث ويتلام Keith W. Whitelam الأستاذين في جامعة شفيلد".

سخنيني، الذي عُرف بتخصصه في "الإسرائيليّات" عبر عدد من الكتب، ربما كان أبرزها كتابه "الإسرائيليات: مكونات أسطورية في المعرفة التاريخية العربية" (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004)، يؤكد على ضرورة التنبيه إلى "أن تغلغل الأسطورة "الكِتابيّة" في الكتابات العربية التاريخية ليس جديدًا. فقد شكلت الإسرائيليات سلطة مرجعية وازنة في المعرفة التاريخية العربية القديمة. وقد استُخدم مصطلح "الإسرائيليات" في التراث العربي الإسلامي ليدلّ على مجموعة من الأخبار والروايات والقصص التي كان قد جاء بها الكتاب المقدس عند اليهود، ودخلت أعمال المؤرّخين العرب الأقدمين، وأعمال بعض المفسّرين، إمّا عن طريق الرواة، وهو الأكثر شيوعًا، أو بالنقل المباشر عن هذا الكتاب بعد أن تُرجم إلى اللغة العربية". وباستثناء ابن حزم الذي درس "الكِتاب" بعمق، وبيّن زيف رواياته وخرافاته، وهو ما يخصّص له سخنيني حيّزًا واسعًا من كتابه هذا، فإن المؤرّخين العرب الذين درسوا "الكِتاب" سلّموا بتلكم الروايات والخرافات.

تزوير الآثار

تدور فصول دراسة سخنيني في ثلاثة أقسام، ومحاور كثيرة، فهو يعرض بالتفصيل "مكانة "الكتاب" في التأريخ" من وجهة نظر الكثير من المؤرّخين وعلماء الآثار الغربيّين، بمن فيهم مؤرّخون يهود قدماء، كما هو الحال مع (يوسيفيوس)، وجُدد من أساتذة جامعات ومراكز بحث مرموقين.. وفي هذا الإطار يبرز غياب قيمة "الكتاب" كمصدر للتأريخ.

هذا في ما يخص القسم الأول من كتاب سخنيني. أما القسم الثاني فهو حول "ركائز التاريخ <الكتابي>"، ويكشف فيه زيف تلك الركائز، وعدم حقيقيّتها، بل هي في غالبيّتها العظمى افتراءات ومن خلق خيال "كَتَبة الكِتاب ومؤلّفيه". فهو يفصّل الحديث عن اختراع ما يعرف باسم "شعب الله المختار والأرض الموعودة في التأريخ الكتابي"، ويرى أن "البحث عن الآباء المؤسسين ليس غير قبض الريح"، أما قصة "الخروج من مصر.." والتيه في صحراء سيناء أربعين عامًا، فهي "حكايات وألغاز".

في القسم الثالث- "الهيكل الذي لم يعرفه أحد"- يفنّد سخنيني خرافات وجود هيكل لداود أو سليمان في القدس، ويتحدث عن "تضارب النصوص وخيبة علم الآثار" في هذا الشأن، ويورد معلومات وتحليلات عن ثلاثة هياكل جرى اختراعها، وينتهي إلى عمليات تزوير آثار حديثة، في دولة الكيان الصهيوني لمحاولة إثبات وجود تلك الهياكل.. معتبرًا أن "تزوير الآثار وسيلة فاشلة لإنقاذ التأريخ الكتابيّ..".

سخنيني يقدّم ذلك كلّه بالمنطق والبراهين العلمية، الزمنية والمكانيّة، الجغرافية والميثولوجية والأنثروبولوجية المتوفرة في مصادر ومراجع غربية رصينة، وتلغي ذلك الزمن الذي كان المؤرّخون فيه يعتمدون على "الكتاب" في كتابة التاريخ القديم. فهو، أي الكتاب، من تأليف جماعة من الكهنة جاؤوا بعد موسى بمئات السنين، وتحديدًا كاهن يُدعى عزرا.

يرى سخنيني أن هذه الثورة على "الكتاب" ليست جديدة، بل إن أول من وجه نقداً صارماً لـ"الكتاب"، كان الفيلسوف الصُوري (من صور في لبنان) بورفيري، أو بورفيريوس، الذي عاش بين 234م 306م.. وذلك برفضه تاريخية سِفر دانيال، إذ كان ينكر وجود شخص في التاريخ باسم دانيال، وبالتالي كان يرفض أن يكون السِفر الذي يحمل هذا الاسم يعود إلى القرن السادس أو القرن الخامس قبل الميلاد، وكان يرى أن كاتب هذا السفر شخص كان يعيش في منطقة القدس، في عهد الملك السلوقي أنتيوخوس إبِفانِسAntiochus Epiphanies  الذي حكم بين 175 و164 ق.م.، وبذلك فإن "التنبؤات" عن المستقبل التي جاءت في هذا السِفر، إنما هي تشير إلى حوادث سابقة جرت في الماضي، وليس إلى ما هو كائن في المستقبل.. وهذه واحدة من حالات التزوير البارزة في "الكِتاب".

ابن حزم: توراتهم غير مُنزَّلة

بعد بورفيريوس هذا، كانت وقفة ابن حزم (ت. 456/ 1064م) الذي قدم تحليلاً نصيّاً ولغوياً بارعاً، قوّض به فكرة أن يكون موسى هو من كتب الأسفار الخمسة من "الكتاب" (المعروفة بأسفار موسى).. وذلك في كتابه "الفِصَل في الملل والأهواء والنحل".. وقد استخدم ابن حزم في دراسة "الكتاب" منهجاً في النقد لم يسبقه أحد إليه.. وهو منهج "النقد النصيّ"، وقد استفاد، في نقده "الكتاب" من اطلاعه على ترجمات عربية متعددة له، وكتب يهودية أخرى، واستجلاء غوامضه من علماء يهود كانوا يعاصرونه في موطنه في الأندلس. فـ"الكتاب" بداية عند ابن حزم كتاب موضوع وليس له علاقة بالسماء "إن توراتهم مبدّلة، وإنها تاريخ مؤلف... وإنها غير منزلة من عند الله تعالى"، وهو ينسب العمل إلى عزرا الذي يصفه بالورّاق، مستنداً في ذلك إلى التبصّر في بعض النصوص "الكتابيّة" وتحليلها.

أما عزرا المذكور أعلاه، المنسوب إليه سفر من "الكتاب" باسمه، فهو كاهن وكاتب ذكرت المرويّات "الكتابيّة" أنه قدِم من بابل إلى أورشليم في عهد الملك الفارسي أرتكسركسس   Artaxerxes (أرتحشستا وفق الرسم "الكتابي") سنة 458 ق.م (حسب الكرونولوجيا "الكتابية") وهو الملك الذي لعب دوراً كبيراً في إعادة "السبي البابلي" إلى أورشليم بعد أن ابتدأت هذه العملية تحت حكم قورش الفارسي سنة 538 ق.م.، وفي الحكاية  "الكتابية" أن عزرا جلب معه من بابل صحف التوراة (كتب موسى الخمسة) وقرأها على "بني إسرائيل" في أورشليم.

بمثل هذا المنهج في النقد النصي كان ابن حزم يبين ما كان يجده في النص من تناقضات تهدم النص كله، من جانب، وقضايا لا يمكن أن يقبلها العقل أو المنطق فيرفضها، من جانب آخر. وقد لفت نظره كثير من التناقضات التي جاءت في النصوص "الكتابية" فتوقف عندها مليّاً، وأظهرها بالتفصيل. من أمثلة ذلك، المعجزات التي قام بها موسى أمام فرعون لإقناعه بالسماح لبني إسرائيل بالخروج من مصر والتي جاء النص "الكتابي" ليقول "إن واحدة من هذه المعجزات كانت أن الرب أمات جميع مواشي المصريين، غير أن معجزة أخرى لحقت تلك الأولى مباشرة أظهرت أن المواشي لم تكن قد أبيدت، إذ أصابتها الدمامل عندما نثر موسى الرماد نحو السماء، ثم ظهرت من جديد، في معجزة ثالثة، سليمة تماماً عندما تدخل الرب فضرب المصريين ومواشيهم وبهائمهم بالبرد الذي في وسطه نار... الخ". كذلك انتبه ابن حزم للاختلاف الوارد في الكتاب بالنسبة لجنسية زوج موسى، "فقد ورد مرة أنها ابنة يثرون المدياني.. بينما ذكر مرة أخرى أن امرأته حبشية"..

وثمة مسألة تتعلق بما إذا كان موسى هو من كتب الأسفار الخمسة المنسوبة إليه. وكان السابقَ لإثارة هذه المسألة عالم يهودي من الأندلس، كان معاصراً لابن حزم، هو إسحاق بن ياشوش (توفي سنة 1057م) وكان طبيباً مشهوراً في زمنه عمل في بلاط ملوك بني عامر في الأندلس وله غير مؤلف في تفسير "الكتاب"، ورأى ابن ياشوش أن الآية 36 من سِفر التكوين (وهو من الأسفار الخمسة التي من المفترض أن يكون قد كتبها موسى قبل وفاته) تضمّ قائمة بأسماء ملوك الأدوميّين الذين جاؤوا بعد موسى بزمن طويل، وبذلك فليس من المعقول أن تكون هذه الآية من عمل موسى.

ويقتفي سخنيني أثر ابن حزم ومنهجه في نقد النص، مثلما يستخدم كل الدراسات الحديثة التي أشرنا إليها أعلاه، ليسخر من خزعبلات وأخيلة كتبة "الكتاب" ومؤلفيه، وصولاً إلى نقد حكايات الهياكل الثلاثة المزعومة، فالأرقام التي توردها نصوص الكتاب عمّن شاركوا في بناء هيكل من الهياكل أرقام لا يقبلها منطق، إذ يرد في أحد النصوص أنه "كان عدد العمالة التي اشتغلت في البناء ثلاثين ألفاً مكلفين بقطع خشب الأرز في لبنان وإحضاره إلى موقع العمل، وسبعين ألفاً يحملون الأحمال، وثمانين ألفاً يقطعون في الجبل، وكانوا جميعاً تحت رئاسة ثلاثة آلاف وثلاث مئة رجل. وذبح سليمان ذبائح السلامة التي ذبحها للرب: من البقر اثنين وعشرين ألفاً، ومن الغنم مئة ألف وعشرين ألفاً، فدشن الملك وجميع إسرائيل بيت الرب... الخ".

على هذا النحو يفحص المؤلف (سخنيني) نصوص الكتاب "المقدّس"، ويواجهها بمعطيات العلم الحديث في "التأريخ"، فضلاً عن حجم اطلاعه الهائل الذي يؤشر إلى عالِم خبير في علوم عدّة. وذلك كلّه بأسلوب علميّ رصين، ولغة سلسة متينة لا تُعاني ما تعانيه لغة كُتّابنا، مقدمًا "روايته" وتحليله في أساليب سرديّة وحوارية ترقى إلى لغة الأدب الرفيع.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.